كهف هوميروس في بورنوفا، إزمير 7 أغسطس 2026 (أحمد أيبرك جيمين/ فرانس برس)
في ظل تقديرات بأن ملحمة “الأوديسة” ولدت في كهف يُطل على تلال بورنوفا المكسوة بأشجار الزيتون في محافظة إزمير على ساحل بحر إيجة التركي، تأمل السلطات المحلية في اغتنام الاهتمام المتجدد بهوميروس بعد النجاح العالمي الكبير لفيلم كريستوفر نولان، لتعزيز مكانة منطقتها على خريطة الوجهات السياحية.
يقول الباحث ألتان ألتين، الذي نشر أخيراً كتاباً حول هذا الموضوع: “لطالما أطلق السكان المحليون على هذا المكان اسم وادي هوميروس. وكان المسافرون من جميع أنحاء العالم يأتون لرؤية الكهف الذي يُعتقد أن هوميروس ألّف فيه قصائده”.
مع ذلك، وفي غياب أدلة ملموسة، ظلت قصة كهف هوميروس لفترة طويلة مجرد أسطورة محلية غير مثبتة.
وكتب الجغرافي اليوناني باوسانياس في القرن الثاني الميلادي: “يملك أهل سميرنا نهر ميليس بمياهه العذبة، وعند منبعه يقع الكهف الذي يُقال إن هوميروس نظم فيه قصائده”، ما أثار جدلاً لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا حول حياة هوميروس وموقع النهر الذي يُعتقد أن الشاعر وُلد بالقرب منه في القرن الثامن قبل الميلاد.
دقة مذهلة
وبينما تدّعي أماكن أخرى، ولا سيما جزيرة خيوس اليونانية، أنها تضم مسقط رأس هوميروس، فإن سميرنا القديمة، التي تُعرف اليوم باسم إزمير، ومحيطها حيث تقع بورنوفا، ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بالشاعر.
يقول ألتان ألتين: “بالنسبة لي، لا شك في أن هوميروس من بورنوفا، ومن إزمير. وفي مطلق الأحوال، إنه من إيونيا، التي تضم سميرنا وخيوس. إنه من هذه الأراضي”.
ولدعم نظريته، يستند ألتان ألتين بشكل خاص إلى نقش بارز يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، يصور طقوس تأليه هوميروس. ووفقاً له، يحاكي المشهد كهف بورنوفا بدقة مذهلة. ويوضح الباحث: “كان هذا النقش البارز معروفاً، لكن لم يلحظ أحد التطابق التام بينه وبين كهف هوميروس. ولأول مرة، يظهر وصف جغرافي بهذه الدقة”.
ولا يزال الوصول إلى الكهف، المليء بالصخور وتحمل جدرانه نقوشاً وكتابات جدارية لم يُحدد تاريخها بعد، أمراً صعباً.
ويؤكد عالم الآثار محمد عاكف إردم قائلاً: “تشير الاكتشافات التي عُثر عليها خلال أعمال التنقيب، ولا سيما العملات المعدنية التي تحمل صورة هوميروس، إلى أن سكان سميرنا القديمة كانوا يعتبرون الشاعر واحداً منهم”. ويضيف: “كُتبت الأوديسة والإلياذة باللهجتين الأيونية والإيولية، ما يشير إلى أن سميرنا القديمة وبورنوفا قد تكونان من بين المناطق التي وُلد فيها هوميروس”.
حضور هوميروس الطاغي
بعيداً عن النقاش الأكاديمي، يبقى حضور هوميروس جلياً في بورنوفا. في تل يشيلوفا، وهو موقع من العصر الحجري الحديث يُعد أقدم مستوطنة بشرية في إزمير، يستقبل الزوارَ تمثالٌ نصفي لهوميروس مصحوباً بنقش يحمل عبارة: “لقد ألّفت الإلياذة والأوديسة على هذه الأرض. عشت في بورنوفا”.
إضافة إلى وادي هوميروس ومعرض الكتاب المخصص للشاعر، أقامت بلدية بورنوفا تمثالاً لهيكتور، بطل حرب طروادة، في حديقة مركزية بالمدينة، وتخطط لترميم كهف هوميروس وفتحه أمام الزوار.
يقول رئيس بلدية بورنوفا المعارض عمر إسكي: “إن الحفاظ على إرث هوميروس واجب تجاه الإنسانية. فهو أحد مؤسسي الأدب. والقصص التي يرويها هي قصص هذه الأرض. المسألة لا تكمن في تبني أصول هوميروس أم لا، فقصته هي قصتنا أيضاً”.
إلا أن هذه الرؤية لا تحظى بقبول عام. ففي عام 2024، اقترح مسؤولون بلديون من حزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تغيير اسم وادي هوميروس إلى اسم جندي تركي، بحجة أن الموقع لا ينبغي أن يحمل اسماً يونانياً.
ورد رئيس البلدية قائلاً: “إن محو اسم هوميروس سيكون من أسوأ ما يمكن أن يحدث لبورنوفا”، مضيفاً: “يجب أن يُعرف هوميروس للعالم بأنه ابن بورنوفا”. وهو يدعو إلى تحويل الموقع إلى معلم سياحي.
فخر واعتزاز
يشير مصطفى كوجيغيت، من مكتبة غارغانتوا في إزمير، إلى أن نجاح فيلم “الأوديسة” أثار اهتماماً متجدداً بهوميروس، وعزز مبيعات ملحمته.
وتتحدث صفاق توسون، وهي مُدرسة تبلغ من العمر 58 عاماً، من أمام إحدى دور السينما في المدينة، حيث لا يزال فيلم “الأوديسة” يحقق نجاحاً كبيراً: “كنت أعرف أن هوميروس من هنا، ولكن ليس من إزمير تحديداً. أشعر بالفخر والاعتزاز لكوني من أبناء وطنه”.
ويقول ألتان ألتين: “عندما تتعمق في الإلياذة، تدرك حقاً أن هوميروس كان أناضولياً. تكتشف حكايات وآثاراً ثقافية غير معروفة في أي مكان آخر”. ويرى الباحث أن أصول هوميروس لا ينبغي أن تثير التنافس بين تركيا واليونان. ويوضح: “هوميروس عمره 2800 عام، بينما الحدود التركية اليونانية عمرها قرن واحد فقط”، مضيفاً: “هوميروس يوناني. هوميروس أناضولي. لا أحد منا أقدم منه، ولا حتى دولنا”.
(فرانس برس)
