أربعة قوانين عفو عام حظي بها لبنان منذ الطائف. لكل واحد منها حيثياته ومستفيدوه. فهل باتت ثقافة العفو العام تطغى على المحاسبة والعدالة أم إن تقصير السلطات يعوض غالباً بقوانين “غب الطلب”؟
بعد انتهاء الحرب الأهلية في التسعينيات، كان لا بدّ من صفحة عفو ومحاسبة. ففي دول العالم عادة، يعمل على ثقافة التسامح بعد نزاعات أهلية، إنما في لبنان “طبخ” قانون العفو عامها، وبقي جزء كبير من ندوب الحرب من دون علاج، وفي مقدمتها قضية المفقودين والمعتقلين.
26 آب 1991:
صدر قانون العفو الأول، وحمل الرقم 84/91، واستفاد من مفاعيله العماد ميشال عون، عبر إصدار مرسوم عفو خاص له.
كان بمثابة أوسع قانون عفو عام في مرحلة ما بعد الطائف، وصيغ عملياً تحت عنوان: “قانون طي صفحة الحرب الأهلية”.
وككل قوانين العفو، حمل شروطاً واستثناءات.
في المهلة الزمنية، حصرت مفاعيل القانون بدءاً من الجرائم المرتكبة من 13 نيسان 1975 وحتى 28 آذار 1991. وهكذا، كان أبرز المستفيدين منه كل الأشخاص أو الحزبيين الذين ارتبطوا بميليشيات الحرب، أي فئة المقاتلين والمسؤولين والأشخاص الملاحَقين، وحتى المحكومين بجرائم مشمولة بالقانون.
أما من ضمن الاستثناءات التي أقرها القانون وقتذاك، فكانت الجرائم التي تصنف “خطيرة”، بمعنى أنها “مرتبطة بأمن الدولة مباشرة”.
ميزة استثنائية حملها القانون، تمحورت في المادة التاسعة منه، والتي أعطت الحكومة، ولمدة سنة، صلاحية إصدار عفو خاص له مفاعيل العفو العام، بمرسوم من مجلس الوزراء عن بعض الأشخاص الذين بقيت جرائمهم خارج العفو. واستناداً إلى هذه الآلية، صدرت مراسيم عدة بين 1991 و2005.
هكذا، صدر بحق العماد ميشال عون، واللواءين إدغار معلوف وعصام أبو جمرا، مراسيم عفو خاص لها مفاعيل العفو العام، مع شرط مغادرة البلاد خلال 48 ساعة والبقاء في الخارج لمدة 5 سنوات. وإثر ذلك، غادر عون مقر السفارة الفرنسية في بيروت متوجهاً إلى المنفى في فرنسا يوم 30 آب 1991.
صحيح أنه لا يمكن وضع عون في خانة “المستفيدين من قانون 84/91″، بالمعنى المباشر، إلا أنه استفاد، مع معلوف وأبو جمرا، من مرسوم عفو خاص، له مفاعيل العفو العام استناداً إلى المادة التاسعة من القانون.
29 كانون الأول 1997:
صدر قانون العفو الثاني، وحمل الرقم 666/1997، وعرف بقانون “عفو المخدرات”.
منح القانون عفواً عاماً عن جرائم المخدرات المرتكبة قبل 31 كانون الأول 1995، وفق الشروط التي حددها القانون.
عامها، لم يتوجه القانون إلى شخص سياسي بعينه، إنما شمل فئة من المحكومين والملاحَقين بجرائم المخدرات التي ينطبق عليها القانون.19 تموز 2005:
أقر قانون العفو الثالث، وحمل الرقم 677/2005، واستفاد منه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.
منح القانون عفواً عاماً عن جرائم محددة، وكان أبرز المستفيدين منه جعجع.
لكن القانون لم يكن شاملاً لكل الجرائم، بل حصر بأحكام محددة. وعرف بأنه أتى نتيجة تسوية سياسية تلت خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005.
وفي الجلسة نفسها، وتطبيقاً لتلك “التسوية”، أقرّ قانون عفو رابع حمل الرقم 678/2005، وشمل حصراً العفو عن موقوفي أحداث الضنية ومجدل عنجر.
لاحقاً، وفي القراءتين القانونية والسياسية، اعتبر القانونان الأخيران “حالتين استثنائيتين”، لأنهما حملا عنوان “عفو عام”، إنما كانا في الواقع عبارة عن “عفو خاص” لملفات وأشخاص محدّدين، ولم يأتيا بالإطار العام الواسع كما كان عليه قانون عام 1991.
بعد الـ 2005، جرت محاولات عديدة ومساع لإقرار أكثر من قانون عفو عام، وتصاعدت هذه الوتيرة بعد عام 2020، إلا أن هذه المحاولات لم تنضج، ولم يبصر قانون عفو جديد النور إلا أخيراً، في 12 آب 2026، والذي اشتهر بأنه قانون عفو عام من “أجل إنصاف موقوفين إسلاميين”.
