على مدار قرن وأكثر من وجودها، نجحت سينما بوليوود، في أن تكون النموذج السينمائي الأكثر سيطرة من الناحية التجارية على الإنتاج العالمي، إذ أسهمت بأفلامها الهندية في جعل الفن السابع دعامة اقتصادية قوية داخل مجتمعها.

وباستثناء يوميات كورونا التي أثرت بقوة في الاقتصاد الهندي، بسبب توقف تصوير الأعمال السينمائية خلال تفشي الوباء في كثير من المدن الهندية، لم يحصل إطلاقاً وعلى مدار عقود طويلة، أن تراجع الإنتاج السينمائي. ذلك أن عدد الأفلام المنتجة والمصورة داخل الهند وخارجها يبقى في تزايد مستمر، ليس بسبب وفرة وسائل التصوير والتقدم التكنولوجي اليومي الذي تعيشه البلاد، بل نظراً إلى وجود بنية مؤسساتية متماسكة ومتوازنة تجعل الفيلم الهندي يحقق مداخيل خيالية، بالمقارنة مع كلف إنتاجه وتوزيعه داخل الصالات والمهرجانات.

هذه البنية المتكاملة تجعل الفيلم الهندي يلقى قبولاً واسعاً ليس داخل الهند فقط، بل على طول جغرافيات العالم ككل، بما فيها الصالات السينمائية العربية التي لا تزال تعرض الأفلام وتحقق من خلالها عائدات مادية رمزية.

لقد راهنت المؤسسات الهندية منذ النصف الثاني من القرن الـ20 على سياسة اقتصادية أصيلة، جعلت السينما تغدو دعامة أساسية في نسيج الاقتصاد الوطني، إذ يستحيل اليوم الحديث عن الاقتصادات المحلية للهند، بمنأى عن التفكير في الصناعة السينمائية التي تدر على الاقتصاد عائدات محترمة تفوق المليارات من الدولارات، بما ينعكس ذلك إيجاباً على الأسواق المحلية المتنوعة التي تحظى بها الهند ووفرة مؤسسات الإنتاج العملاقة التي باتت تمثل واجهة البلاد الاقتصادية، مدعومة بشغف حقيقي داخل مجتمع، طالما آمن بالفن السابع وقوته التحررية، سواء من ناحية كونه وسيلة لمقاومة الاستعمار البريطاني منذ بدايات القرن الـ20، أو بوصفه مختبراً للتفكير والتأمل والحلم.

السينما والقوة الناعمة

إن السينما قوة ناعمة وأداة ضغط بالنسبة إلى نيودلهي على اقتصادات أخرى داخل آسيا، فالفيلم الهندي يحظى بانتشار واسع لدرجة يصبح فيها مؤثراً على ثقافات الدول المستهلكة الأخرى، بما فيها أميركا وفرنسا البلدان الأكثر إنتاجاً وتصديراً للسينما بعد الإمبراطورية البوليوودية. ونظراً إلى القبول الشعبي التلقائي للفيلم الهندي، دفع ذلك المستثمرين داخل الهند في الرهان على الفن السابع لتحقيق مشاريع تدر أموالاً خيالية داخل بيئة كثيراً ما عرفت بالفقر المدقع.

لكن الفن السابع استطاع أكثر من أي وسيلة أخرى إنتاج أسواق فنية تشغل الملايين من الناس وتسهم بقوة بالتأثير في وسائل أخرى تنتعش بفضل السينما الهندية مثل التلفزيون ومؤسسات الإنتاج والجرائد اليومية والمجلات. فكل هذه المجالات تنجح في تحقيق عائدات مادية كبيرة بسبب السينما وما يرافقها من عروض تلفزيونية وسهرات فنية للموسيقى والغناء والرقص وأخبار النجوم والفضائح التي تستقبلها الجرائد والمجلات التي تسهم بكيفية أصيلة في انتعاشها ونموها بصورة يومية داخل الهند.

AFP__20190129__1CR82P__v3__MidRes__IndiaEntertainmentFilmBollywoodHistoryMuseum.jpg

تمارس السينما الهندية خيانة نفسها بالتخلي عن الرأسمال الرمزي الذي حققته في تاريخها (أ ف ب)

 

وعلى رغم الأزمة التي أصابت المشهد السينمائي الهندي خلال انتشار كورونا في العالم والتي أثرت بصورة كبيرة جداً في الاقتصاد الهندي، فإن ذلك لم يعمر طويلاً، إذ سرعان ما بدأ التصوير من جديد داخل المدن الهندية، حتى بدأت المداخيل تعود من جديد ويتعافى الاقتصاد الوطني ويحقق لنفسه قفزة نوعية في تاريخه.

مما يعني أننا لم نعد أمام اقتصادات صغيرة “معيشية” تخلق فرص شغل للناس وتسهم في نمو الحياة اليومية، بل أصبحنا أمام إمبراطوريات سينمائية تضاهي المؤسسات الإنتاج الهوليوودية، نظراً إلى أن حجم الإنتاج الهندي يبقى ضخماً، سواء من ناحية عدد الأفلام المنتجة في العام الواحد أو قيمة الاستثمارات المادية حول إنتاج فيلم معين. ناهيك عن كون نجوم بوليوود يظلون أكثر شهرة ويمارسون بأدوارهم وأغانيهم وحواراتهم ورقصاتهم وموسيقاهم سحراً مدهشاً على المتلقي يجعلهم يصبحون مع مرور الأعوام بمثابة أيقونات خالدة في متخيل الناس ووجدانهم.

إن هؤلاء النجوم يعدون صناعاً حقيقيين لما أصبح يسمى داخل الأدبيات الدبلوماسية “القوة الناعمة” إذ تلعب أسماء من قبيل شاه روخ خان وكارينا كابور وسلمان خان وأمير خان وأميتاب باتشن وأشووريا راي وبارينكا تشوبرا وغيرهم، دوراً كبيراً في الترويج لصورة الهند بطريقة يصعب على سفير دبلوماسي أو رجل سياسة أن يضاهي الرمزية الأيقونية التي يحظى بها هؤلاء النجوم في العالم.

إن هذا العنصر المرتبط بـ”صناعة النجومية” يعد من عوامل نجاح تسويق الفيلم الهندي، إذ من دون تعدد الأسواق وتشجيع الشركات والرهان على صناعة النجم، لا يمكن تسويق السينما الهندية، أمام واقع كوني أصبحت فيه الصورة أهم من الجسد.

صناعة التنميط البصري

تجد السينما الأميركية اليوم، صعوبة كبرى في منافسة الإنتاج الهندي، لكون هذا الأخير، يعدد يومياً من أسواقه ويفكر بصورة دائمة في اختراق الأسواق السينمائية الأخرى حتى لو كانت صغيرة. فقد نجحت السينما الهندية منذ سبعينيات القرن الـ20 في التوغل في قلوب المشاهد العربي، حيث استطاعت أفلام معينة رسم صورة أثيرة عن الهند في قلوب المشاهدين العرب.

إذ يستحيل في ذلك الإبان على صالة سينمائية عدم عرض فيلم هندي، لأن ذلك سيكون بمثابة خسارة مضاعفة لها. ففي المغرب مثلاً، كان يجري في اليوم الواحد عرض فيلمين: أميركي وهندي. فالفيلم الأميركي وإن كان يحظى بالمتابعين والسينيفيليين، فإن الهندي كان دائماً يحقق عائدات مادية كبيرة على صالة العرض، مما يجعلها في المساء تخصص عرضاً آخر لفيلم هندي مختلف.

AFP__20201127__8VZ77V__v1__MidRes__IndiaEntertainmentCinema.jpg

أصبحنا أمام إمبراطوريات سينمائية هندية تضاهي المؤسسات الإنتاج الهوليوودية (أ ف ب)

 

ونظراً إلى الإقبال الجماهيري الكاسح للسينما الهندية، فإن ذلك أثر بصورة قوية في الاجتماع المغربي. وأكاد أجزم أن المشاهد التي شاهدها المغاربة في تلك الفترة حول الحب والصداقة والخيانة والقيم الإنسانية المختلفة، لعبت دوراً كبيراً في تحديث المجتمع وأخرجته من الطابع التقليدي الضيق، صوب ممارسات اجتماعية أكثر جرأة في التعامل مع بعضهم بعضاً.

ويسجل المتابع للإنتاج الهندي في الـ10 أعوام الأخيرة، تنامي الأفلام التجارية وصناعة التنميط البصري داخل الأفلام الهندية. إذ يصعب على السينيفيلي أو الناقد السينمائي العثور على فيلم هندي واحد يستحق المشاهد والتفكير والتأمل. وذلك لأن غلبة النوع “التجاري” جعلت الفئة المثقفة تنفض عن السينما الهندية، لأنها تضعهم أمام صورة مرتبكة ومشاهد منهدّة ولقطات فارغة من الفن والجمال. ولم تعد القضايا الملتزمة وتكثيف القول والمعاينة تجاه تصدعات الواقع تغري الشاشة الكبيرة، بل أصبحت عملية تدوير المواضيع والقصص المستهلكة والحكايات العادية المتوقعة ما يشغل السينما الهندية، لأنها كليشيهات أصبحت سهلة ما دامت تحقق نجاحاً في استقطاب جماهير واسعة من العالم.

بيد أن هذا الشرط التجاري، باعتباره عنصراً لنجاح الفيلم، أصبح يهدد هوية السينما الهندية والملامح الفنية والميكانيزمات الجمالية التي أسهمت في تشكيلها عالمياً، بما يجعلها تظهر اليوم بصورة مرتبطة ويطبعها نوع من الارتجال البصري القائم على تمادي المؤثرات البصرية والصوتية.

وتمارس السينما الهندية خيانة نفسها بالتخلي عن الرأسمال الرمزي الذي حققته في تاريخها، تاركة الشاشة الكبيرة تعيد تكرار نفسها على مستوى المواضيع والوجوه، من دون التفكير في تحقيق ثورة جمالية حقيقية من طريق تغيير النجوم “القدامى” بوجوه جديدة أكثر قدرة على اختراق التحولات التي يعرفها المجتمع الهندي. إذ تعثرت بعض الوجوه الأيقونية من عوامل اضمحلال وتراجع هذه السينما، في وقتٍ لم تعد فيه أسماء مثل سلمان خان وشاه روخ خان وكارينا كابور وراني موخيرجي، تقدم جديداً يعوّل عليه من ناحية الأداء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبات واضحاً أن تجري المراهنة على هذه الأسماء فقط، لأنها أيقونية وتحقق نجاحاً أثيراً للمنتج السينمائي، فحتى لو لم تنجح سينمائياً في أداء أدوارها بقوة، فإنها غالباً ما تنجح من الناحية التجارية وتخلق الجدل بلقطاتها المتكررة ومَشاهدها المستنسخة عن أدوارها السابقة.

ويرى كثير من النقاد أن هذه الوجوه السينمائية الشهيرة، أصبحت بمثابة عالة على واقع السينما الهندية، لكونها لم تعد تتطور ولا تمتلك القوة لتغير جسدها، انطلاقاً من التحولات الأنطولوجية التي باتت تعرفها الشاشة الكبيرة في العالم. فالسينما الهندية أضحى يطبعها التكرار الذي يعيد تكريس الوجوه نفسها منذ نصف قرن من الزمن. فغالبية المشاريع السينمائية الضخمة تذهب مباشرة إلى نجوم السينما الهندية، بما يمتلكونه من قوة “سحرية” تجعل الفيلم يحقق نجاحاً مضموناً حتى وهو لا يزال مجرد نص أدبي لم يُصوّر بعد. إن هذا الأمر، بقدر ما ضمن الاستمرار التجاري للفيلم الهندي، فإنه يجد نفسه الآن مرغماً على تجديد صورته وأدبياته وصناعته من أجل اجتراح صورة جديدة للسينما الهندية، بعيداً من الوجوه المتكررة والقضايا المطروقة سينمائيا وفكرياً.

نجح المخرج الهندي الراحل ياش شوبرا، في جعل أفلامه عبارة عن مختبر سينمائي يجري من خلاله إشراك وجوه مخضرمة بأخرى جديدة، إذ استطاع عبر أفلامه التي حصلت على مجمل جوائز الهند، اجتراح صورة مختلفة للفيلم الهندي. ذلك أنها أفلام ملتزمة ولها علاقة بتحولات المجتمع، ويتناول من خلالها علاقة الحب والصداقة والخيانة والوطن والحرب والسلم والرغبة والحلم وسواها من المواضيع التي تحضر وفق مقاربات سينمائية مختلفة. لم يكن صاحب “فيير زارا” (2004) مجرد مخرج عابر في السينما الهندية، بل يعد صانعاً للحداثة السينمائية داخل الهند، وله الفضل في بروز كثير من النجوم وعلى رأسهم ملك بوليوود الممثل البارز شاه روخ خان.