دخلت العلاقات اللبنانية – السورية مرحلة “اختبار النوايا الحسنة” من بوابة استرداد “فلول نظام الأسد” الفارين من المحاكمة إلى لبنان، بعد التوافق على نقل المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى بلادهم لإكمال تنفيذ الأحكام، حيث أدت عملية توقيف اللواء السوري الفار عادل عيسى إلى فتح النقاش حول آلية “الاسترداد” من أجل المحاكمة أمام السلطات القضائية لبلده بموجب اتفاقية ثنائية معقودة بين البلدين عام 1951، وظهور بعض الموانع القانونية بعد نشر القانون 68 الذي يلغي عقوبة الإعدام في لبنان، فيما تستمر الدولة السورية في تطبيق تلك العقوبة التي قد تشكل نظرياً “عقبة” أمام إتمام معاملات الاسترداد.
وفي السياق قرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليم اللواء عيسى، الموقوف في لبنان، إلى السلطات السورية لمحاكمته بالجرائم المنسوبة إليه، والتي يتهم بارتكابها على الأراضي السورية.
وجاء قرار التسليم بعدما اعتبر القضاء اللبناني أن شروط التسليم مستوفاة من مختلف الجوانب القانونية والقضائية، فيما كلف القاضي الحاج قسم المباحث الجنائية المركزية نقل اللواء عادل عيسى من نظارة قصر العدل في بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيداً لتسليمه ونقله إلى الحدود اللبنانية ـ السورية، حيث سيتم تسليمه إلى لجنة أمنية سورية موجودة على الجانب السوري من الحدود.
أعاد هذا الملف تسليط الضوء على حقبة ما قبل سقوط الأسد، وتوجيه جهات حقوقية الاتهامات للسلطة اللبنانية بالتواطؤ لتسليم معارضين لحكم بشار الأسد كانوا يقيمون في لبنان، في مقابل توجه “العهد اللبناني الجديد” إلى تطبيق القواعد القانونية في معرض النظر بطلبات الاسترداد، وجاءت بموازاة تحرك دولي لإدانة الضالعين بالجرائم بحق الشعب السوري.

صورة متداولة للواء عادل عيسى (مواقع التواصل الاجتماعي)
موقوف في السفارة
بدأت القصة أخيراً مع توجه العميد السوري عادل عيسى إلى السفارة السورية لدى لبنان من أجل إجراء معاملة تجديد جواز السفر، وعندما قام الموظفون بعملية “تفييش” الاسم، اكتشفوا أنه ينتمي إلى النظام السوري السابق ويشتبه في ارتكابه جرائم ضد الشعب السوري. عندها، خابرت السفارة السورية السلطات اللبنانية بالأمر، حيث أصدر النيابة العامة التمييزية مذكرة توقيف وجاهية بحقه. وفي وقت، تحدثت أوساط الممانعة وحلفاء النظام السابق عن “اختطاف عميد سوري معارض للنظام الجديد”، يؤكد الصحافي الحقوقي يوسف دياب أن توقيف الضابط السوري تم ضمن المسار القانوني واحترم قواعد الإجراءات اللبنانية، حيث أوقفته المباحث بموجب أمر من النيابة العامة، وتم تكليف محامٍ من أجل ممارسة حق الدفاع بالكامل، ولم يُختطَف أو يُقَد عنوة إلى الدولة السورية.
ويلفت دياب إلى أن “حادثة توقيف عادل عيسى هي الأولى من نوعها، ولا توجد أي قائمة رسمية سورية تفصيلية بأسماء المطلوبين الفارين من فلول الأسد في لبنان، فيما الحديث عن عشرات ومئات هو في باب التكهنات بسبب فرار أعداد كبيرة من رموز النظام إلى لبنان فور سقوطه”، متحدثاً عن “حمايات أمنية لبعض الفارين من قبل جهات حزبية متعاونة مع النظام السابق في لبنان، فيما تمنع تلك الحماية المرجحة دون توقيفهم”.
مدخل إلى تصحيح العلاقات
يعتقد يوسف دياب أن ثمة تغييرات واضحة في التعاطي بين السلطتين اللبنانية والسورية، حيث “يوجد توجه لتطبيق القانون، وهو مدخل إلى تصحيح العلاقات والتعاون بين لبنان وسوريا، وتطبيق الاتفاقية الثنائية لاسترداد المجرمين بين البلدين الموقعة عام 1951، وقد يلجأ لبنان إلى تسليم المطلوبين للحكومة السورية”.
وفي السياق على ضوء قانون الأصول الجزائية اللبنانية، فإنه عندما يقدم طلب استرداد مجرم إلى الحكومة اللبنانية، يُحال الطلب إلى النائب العام التمييزي الذي يتولى بنفسه التحقيق حول توفر أو عدم توفر الشروط القانونية، وفي مدى ثبوت التهمة بعد استجوابه حسب الأصول، ثم يحيل الملف إلى وزير العدل مشفوعاً بتقريره. عندها يبت بطلب الاسترداد بموجب مرسوم في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل، وهنا تظهر في النهاية الأبعاد السياسية للقرار.
العبور الآمن
مع سقوط نظام الأسد في دمشق، عبر آلاف السوريين إلى لبنان، واستقروا في “مناطق لبنانية آمنة” متعاطفة معهم لأسباب سياسية والتداخل الثقافي والاجتماعي بين مجتمع البلدين، واستقبلت بلدات في شمال لبنان وجبل لبنان والبقاع الشمالي الآلاف من السوريين المدنيين، فيما قامت بعض “أحزاب الممانعة” المتحالفة التي كانت حليفة للنظام السابق بجهد منظم لنقل واستقبال وإيواء فارين على اختلاف رتبهم وتشكيلاتهم العسكرية والسياسية.
فيما يصر الحكم السوري الجديد على “وجود المئات من الضباط السوريين الفارين في لبنان”، وقد ناقش وزير العدل السوري مظهر الويس هذا الملف خلال زيارته إلى لبنان في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مطالباً بتسليم هؤلاء لدولتهم من أجل محاكمتهم، حيث بدأ البحث عن مخرج قانوني لملاحقة المجرمين من دون المساس بالقواعد القانونية.
يلفت المؤرخ والباحث القانوني اللبناني عماد مراد إلى أنه “بعد سقوط النظام السوري السابق وفرار بشار الأسد إلى روسيا، ومع تسلم النظام الجديد هرب العشرات وربما المئات من الضباط إلى لبنان، فيما يبقى مصير هؤلاء مجهولاً، ومن غير الواضح طريقة التعاطي معهم”.
ويشير إلى “وجود معاهدات قضائية بين لبنان وسوريا حول تنظيم تسليم الضالعين والملاحقين في الجرائم المدنية والجزائية، وتتعامل الدولة اللبنانية بانفتاح كبير، ولكن الإشكالية حول الملاحقات ذات الأبعاد السياسية، وخصوصاً في غياب وجود أحكام قضائية، ناهيك بمصير هؤلاء في حال تسليمهم، هل سيتعرضون للتعذيب والقتل بما يخالف التزامات لبنان الدولية؟”.
ويضيف أن “الدخول خلسة إلى لبنان لا يرفع الطابع السياسي عن بعض الملاحقات، بالتالي يلتزم لبنان موقفاً حذراً من دون وجود أحكام قضائية وأدلة واضحة بحق الملاحقين الذين اقترف بعضهم جرائم بحق اللبنانيين في الحقب السابقة، إضافة إلى ارتكاب الجرائم في سوريا”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أحقية سوريا باسترداد الفارين
يؤكد عضو مجلس فرع المحامين بدمشق المحامي عبدالرحمن عبدالله بدوره على أحقية دمشق باسترداد المجرمين الفارين من العدالة والموجودين في لبنان أو أي دولة أخرى بموجب صلاحيتها الإقليمية والشخصية بسبب مكان ارتكاب الجريمة وجنسية الفاعلين، ونظراً إلى فداحة الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب السوري، حيث ترقى إلى رتبة جرائم ضد الإنسانية، متحدثاً عن التزام مبادئ العدالة الانتقالية التي تفترض “جبر الضرر”، حيث يجب التمييز بين الشخصيات القيادية وكبار الضباط، أي أصحاب القرار بارتكاب المجازر والانتهاكات الفادحة، وبين عناصر صغار انتسبوا مرغمين إلى جيش النظام المخلوع، ولم تكن لهم أي تجاوزات بحق الشعب السوري خلال فترة الثورة.
يخشى عبدالله من لجوء لبنان إلى “عذر قانوني” بسبب استمرار وجود حكم الإعدام في النظام القانوني السوري، ومن ثم الامتناع عن تسليم بعض المجرمين الموجودين لديه وعرقلة الإجراءات القضائية بحق مشتبه في ارتكابهم جرائم على الأرض السورية، مستدركاً “إلا أنه يمكن تجاوز العوائق تلك بالتزام سوري بعدم إنزال عقوبة الإعدام بهم في حال تمسك لبنان بالموقف الرافض”.
ويذكر بأنه “خلال عهد نظام الأسد كانت جهات لبنانية تسلم المعارضين أو المنشقين إلى السلطات السورية وأجهزة الأمن على الحدود من دون وجود اتفاقية أو إحالة قضائية ومن دون التفات إلى مصيرهم، إضافة إلى احترام لبنان لحرية الرأي والتعبير”.
موانع الاسترداد بين الدول
يقود حديث المحامي عبدالله إلى البحث عن “موانع الاسترداد”، والتي يمكن أن تحول دون موافقة دولة ما بتسليم دولة مجرم ينتمي إليها. وبالعودة إلى كتاب “أصول المحاكمات الجزائية دراسة مقارنة وتحليل” لصاحبته الدكتورة فيلومين نصر المتخصصة بقانون العقوبات يمكن إجمال 10 أسباب، حيث لا تسليم إلا لدولة ذات صلاحية إقليمية أو شخصية أو ذاتية، إضافة إلى أن الدولة لا تسلم من يمكن محاكمته لديها، ولا تسلم رعاياها إلى القضاء الأجنبي، ناهيك بعدم الاسترداد في الجرائم السياسية وتنزع الصفة السياسية عن الجريمة الإرهابية، ولا تسلم الدولة الشخص الذي سبق له أن استرق. والاسترداد لا يكون إلا في الجنايات لا الجنح، وعليه الاسترداد يكون في الجرائم ذات الأهمية. وتضيف نصر أنه “لا استرداد في حال سقوط الدعوى العامة أو مرور الزمن على العقوبة”، ويرفض الاسترداد في حال صدور حكم مبرم في لبنان”، فيما يكتسب الشرط الأخير أهمية واضحة، حيث “لا استرداد في حال مخالفة العقوبة لنظام المجتمع” على غرار عقوبة الإعدام التي تحول دون تسليم بعض المجرمين بسبب اختلاف النظرة بين الدول حيالها.

بعد سقوط الأسد فر عدد كبير من رجال النظام السابق إلى لبنان (موقع بيكسلز)
الدم السوري
يتخذ “استرداد المجرمين” أبعاداً سيادية ووجدانية بالنسبة إلى السوريين، فهم يرون به مقدمة نحو الاقتصاص من الضالعين بارتكاب الجرائم بحق المدنيين. يؤكد المحامي عبدالرحمن عبدالله على حق سوريا في محاكمة عناصر جيش النظام السابق والميليشيات والعصابات بسبب ارتكاباتهم على أرض سورية، حيث يتهم هؤلاء بالقتل القصد والتسبب في القتل، والتعذيب والخطف المفضي إلى القتل، وتورط البعض بتصنيع والاتجار وتصدير المخدرات، كاشفاً عن صدور تشريع حديث في سوريا لتجريم إنكار الجرائم بحق الشعب السوري أو تبرير ارتكابها بحق المدنيين بموجب الإعلان الدستوري.
ورداً على سؤال حول مباشرة القضاء السوري بملاحقة هؤلاء، ووجود تهم واضحة بحق المشتبه فيهم، يجيب عبدالله “بدأت سوريا مساراً طويلاً قد يستغرق سنوات للوصول إلى العدالة، واستهلت الملاحقة وتحريك دعاوى الحق العام وإصدار مذكرات توقيف بحق بعض هؤلاء، وينتظر تحريك الدعاوى بحق آخرين، حيث ستتأخر طلبات الاسترداد لهؤلاء”، منوهاً بـ”بدء المحاكمات بحق شخصيات من مختلف المكونات الطائفية في سوريا، وباكورتها كانت في محاكمة وسيم الأسد ابن عم بشار الأسد، والعقيد عاطف نجيب قريب الأسد، والمفتي السابق أحمد بدر الدين حسون”.
ويرى عبدالله أن “سوريا اليوم بعيدة من الإجراءات الانتقامية، والشعب السوري شعب متسامح، ولكن ليس مع كبار المجرمين، ممن أرسلوا الكيماوي وألقوا البراميل، وقتل الأطفال ومئات الآلاف من المدنيين وشرد الملايين ودمر المدن”، فيما “جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم ولا يملك أحد العفو عنها”، ولا يستبعد إمكان استرداد بشار الأسد وأعوانه من روسيا، لأنها “دولة تعطي الأولوية لمصالحها الاقتصادية والسياسية، حيث تبحث روسيا عن صفقة تحقق لها المكاسب”.
إشكالية تاريخية في لبنان
ارتبطت ملفات استرداد المتهمين بين لبنان وسوريا بطبيعة العلاقات بين السلطة في البلدين. ويرسم الدكتور مراد مسار العلاقة بين البلدين، حيث “لا يمكن الحديث عن تسليم المطلوبين إلى سوريا من دون العودة إلى زمن الاستقلال والعقدين التاليين إبان ما يعرف بالمارونية السياسية، أي سيطرة قيادات مارونية على الحكم، عندما كانت تشهد سوريا الانقلابات المتكررة والانقسامات الداخلية، كان يحصل التحضير لها في لبنان، وكانت السلطات اللبنانية تتمنع عن تسليمهم لأسباب مختلفة.
ويضيف أنه من الناحية التكوينية التاريخية يرتكز لبنان على حرية الرأي، بالتالي كان يرفض تسليم أي مطلوب سياسي إلى سوريا، واستمر الأمر خلال المرحلة السابقة للحرب، أما بعد الحرب الأهلية اللبنانية وسيطرة النظام السوري السابق على مفاصل الحياة السياسية والأمنية في لبنان، استمرت تلك المرحلة من 1990 لغاية 2005 بحسب الدكتور مراد، ومعها أصبح لبنان سياسياً وأمنياً جزءاً من سوريا، وكان يسلم أي فار من السلطة السورية بصورة تلقائية.
ثم “بعد الانسحاب السوري عام 2005، هيمن “حزب الله” على الدولة اللبنانية، وهو حليف للنظام السوري السابق وجزء من محور الممانعة الممتد من إيران فالعراق فسوريا فلبنان، بالتالي استمر النظام اللبناني بالتبعية لقرار الحليف في دمشق، وكان يتم تسليم المطلوبين”، ويضيف، “لكن تغييراً واضحاً طرأ عقب حرب إسناد غزة وإيران والسنوات التي تلت وانتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، وهي مرحلة أدت إلى استعادة الدولة اللبنانية جزء كبير من سيادتها واستقلالها بعيداً من السيطرة السورية والهيمنة الإيرانية”.
تكرار لتجارب سابقة
في عام 2023 وقبل سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، تصاعدت الشكاوى الحقوقية في لبنان من تسليم معارضين إلى الأجهزة الأمنية السورية من دون الالتزام بالشروط القانونية والإجراءات القضائية والسياسية.
في السياق يشير رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان المحامي وديع الأسمر إلى موقف ثابت لدى المنظمات الحقوقية حيال رفض تسليم الملاحقين السياسيين إلى دولتهم، والأمر ينطبق على المناصرين للنظام السوري السابق والمعارضين للأسد واللاجئين وطالبي اللجوء خلال حقبة الثورة السورية بسبب الخطر على حياتهم.
وينبه إلى أن “لبنان ملتزم باتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية، حيث يمنع وفقها على أية دولة ترحيل أي مشتبه فيه إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو إنزال عقوبة الإعدام على غرار ما هو النظام القانوني القائم في سوريا وتطبيقها في بعض الحالات”، متمنياً على الحكومة السورية إلغاء عقوبة الإعدام أو الالتزام بأن العقوبة لن توقع بحق الأشخاص المطلوب استردادهم وتقديم ضمانات بعدم استخدام التعذيب”.
ويذكر الأسمر “قبل سقوط نظام الأسد، شهد لبنان تعديات كبيرة على القانون وتسليم المعارضين خارج النظام القضائي من خلال الأجهزة الأمنية المتعاونة مع الجانب السوري، ونشطت أعمال الخطف، وكان التسليم يحصل خارج دائرة القضاء”، معتبراً أن “السلطة اللبنانية الحالية لا يمكنها تكرار التجارب أو انتهاك التزاماتها الدولية، وقانون مناهضة التعذيب اللبناني، بالتالي لا يمكن تسليم متهم في جريمة قد تصل عقوبتها إلى الحكم بالإعدام، ومن ثم العودة إلى ما كانت عليه الممارسات السابقة”.
