بحارة إيرانيون يصلون ميناء بندر عباس على متن قارب صغير محمل بالبضائع

صدر الصورة، Getty Images

Article Information

قبل أكثر من قرن، وقبل أن يغيّر النفط وجه الخليج، كانت المراكب التجارية تعبر مياهه بين موانئ جنوبي إيران ودبي، حاملة معها البضائع والتجار ورؤوس الأموال.

تغيرت طبيعة هذه التجارة واتسع نطاقها. فانتقل جانب كبير منها إلى الحاويات والمناطق الحرة وشركات الشحن والصرافة، وبرز ميناء جبل علي بوصفه أحد أكبر مراكز التجارة في المنطقة. لكن السفن الخشبية، المعروفة باسم “الدهو”، لم تختف تماماً، وظلت تنقل إلى الموانئ الإيرانية مواد غذائية وأجهزة كهربائية وسلعاً استهلاكية مختلفة.

أما اليوم، فتواجه هذه العلاقة، التي صمدت أمام عقود من العقوبات والتوترات السياسية، واحداً من أصعب اختباراتها.

فقد أعلنت الإمارات تعليق جميع الأنشطة التجارية والتبادل التجاري والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، بعدما اتهمت طهران بإطلاق صاروخين باليستيين قالت إنهما استهدفا الملاحة البحرية وسقطا في البحر.

ونفت إيران مسؤوليتها عن إطلاق الصاروخين، ووصفت الاتهامات الإماراتية بأنها “لا أساس لها من الصحة”.

لكن تداعيات القرار، إذا طُبّق كاملاً، قد تتجاوز حركة السلع، بالنظر إلى دور دبي بوصفها إحدى أهم بوابات إيران التجارية والمالية إلى العالم.

فما حجم هذه العلاقة فعلياً؟ وهل تستطيع الإمارات إغلاق هذه البوابة، وهل يمكن لإيران أن تجد بديلاً عنها؟

خور دبي

وظفون في ميناء جبل على يقفون على أحد أرصفة الميناء وتظهر وراءهم سفينة شحن محملة  بالبضائع

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يعد ميناء جبل علي أحد أبرز مراكز التجارة وإعادة التصدير في المنطقة

سبقت الروابط التجارية بين إيران والإمارات إعلان قيام دولة الإمارات عام 1971. وأصبحت الدولة الجديدة موطناً لعدد كبير من التجار الإيرانيين، استقر كثير منهم حول خور دبي، مستفيدين من موقع المدينة وسياساتها التجارية المنفتحة، ومحافظين على صلاتهم بالموانئ التي قدموا منها.

ولم يقطع قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 هذه الروابط، بل دفعت الثورة موجة جديدة من التجار والمهنيين الإيرانيين إلى دبي. وخلال الحرب العراقية الإيرانية، مالت أبوظبي إلى الموقف الخليجي الداعم للعراق، فيما ظلت دبي نقطة تجارية وإمدادية مهمة لإيران، في توازن بين الحسابات الأمنية والمصالح التجارية استمر لعقود.

وجاء اختبار اقتصادي كبير مع العقوبات التي فرضها مجلس الأمن منذ عام 2006 وشددها عام 2010. فعززت الإمارات الرقابة على الشركات والتحويلات المرتبطة بإيران، وأغلقت شركات وجمدت حسابات لكيانات خاضعة للعقوبات. وتراجعت تجارة دبي مع إيران من 9.8 مليارات دولار عام 2011 إلى 6.8 مليارات عام 2012، لكنها لم تتوقف.

ثم منح الاتفاق النووي عام 2015 العلاقة متنفساً، قبل أن تتعرض لضغوط جديدة بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018 وإعادة فرض العقوبات. ومع ذلك، حافظت دبي على دورها بوابة لإيران إلى الأسواق العالمية.

وبحسب منظمة التجارة العالمية، كانت الإمارات عام 2024 ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، وأكبر مصدر لوارداتها، إذ جاءت منها 30.6 في المئة من السلع التي استوردتها البلاد، كما كانت ثالث أكبر وجهة لصادراتها.

اختبار الحرب

طائرة تابعة لشركة الخطوط الإماراتية تحلق قرب ميناء دبي بينما تتصاعد أعمدة الدخان الداكن في الخلفية

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تعرضت الإمارات لنحو ثلاثة آلاف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة من بداية الحرب بين طهران وواشنطن

منذ اندلاع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، وجدت الإمارات نفسها في واجهة الرد الإيراني، إذ تعرضت لنحو ثلاثة آلاف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة.

واعترضت دفاعاتها الغالبية العظمى منها، لكن الهجمات أسفرت عن مقتل 15 شخصاً وإصابة المئات. كما غادر عشرات الآلاف من المقيمين الأجانب البلاد، ولو مؤقتاً، وتضررت السياحة والطيران والتجارة.

وفرضت الإمارات قيوداً كبيرة على التجارة مع إيران، وتعطلت حركة الشحن المباشر بين البلدين. لكن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران أعادت فتح بعض القنوات، بالتزامن مع تراجع الهجمات على الأراضي الإماراتية بشدة.

وذكرت فايننشال تايمز أن السفن الخشبية عادت إلى نقل البضائع من دبي إلى إيران، واستؤنفت بعض الرحلات الجوية الإيرانية، كما سُمح بعودة آلاف الإيرانيين من حاملي الإقامة.

لكن هذا المسار انقلب سريعاً. ففي الأسابيع الأخيرة، اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفن تشغلها شركة “أدنوك” في مضيق هرمز، ثم جاء إطلاق الصاروخين الثلاثاء ليؤدي إلى أول تحذير حقيقي يتلقاه السكان عبر هواتفهم منذ عدة أشهر.

ويرى الخبير في العلاقات الدولية المقيم في أبوظبي إيلي الهندي أن إقدام الإمارات على تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران، يعكس انتقال الدولة الخليجية من محاولات التهدئة والاحتواء إلى استخدام الضغط الاقتصادي.

ويقول إن دول الخليج بنت اقتصاداتها وصورتها على الاستقرار والانفتاح والتبادل التجاري، ولذلك لا تُقدم بسهولة على التضحية بهذه المصالح إلا عندما تستشعر “خطرا وجوديا على البلاد”.

وجاء تعليق التجارة بعد أيام من انتهاء مذكرة التفاهم، وبالتزامن مع مؤشرات إلى تشديد واشنطن ضغوطها على إيران. وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد بحث مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد أمن المنطقة وحرية الملاحة في هرمز. ولا توجد مؤشرات معلنة على تنسيق القرار مع واشنطن.

أكثر من تجارة مباشرة

يصعب تحديد حجم التجارة بين البلدين برقم واحد. فبحسب بيانات إماراتية مقدمة إلى قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية، بلغ إجمالي التجارة المباشرة نحو 6.6 مليارات دولار عام 2024.

سوق للخضراوات والمواد الغذائية في طهران ليلا ويظهر فيه بعض المتسوقين من رجال ونساء

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تعد الإمارات أكبر مصدر للواردات الإيرانية

لكن البيانات التي أبلغت بها إيران جهات دولية تشير إلى واردات من الإمارات بنحو 21 مليار دولار وصادرات إليها بأكثر من سبعة مليارات، أي ما يزيد على 28 مليار دولار.

ويعود جانب من التفاوت إلى إعادة التصدير واختلاف طرق تسجيل التجارة عبر المناطق الحرة، وبلد المنشأ عن بلد الشحن، فضلاً عن صعوبة رصد بعض المعاملات غير المباشرة.

يقول الخبير الاقتصادي الإيراني نادر حبيبي إن أهمية الإمارات لا تقتصر على السلع التي تصل إلى موانئها ثم تشحن إلى إيران، بل تشمل دور المقيمين والشركات الإيرانية في تسهيل تعامل الشركات داخل البلاد مع الخارج. ويوضح أن جانباً كبيراً من هذا النشاط تجارة مشروعة في سلع غير خاضعة للعقوبات، فيما عملت بعض الشركات واجهة لكيانات خاضعة لها، أو ساعدت شركات إيرانية عادية على التعامل مع الأسواق العالمية.

“سوق الدرهم”

ولا يقتصر دور الإمارات على السلع. فمع عزل المصارف الإيرانية عن جانب كبير من النظام المالي العالمي، اعتمد مستوردون ومصدرون على شركات الصرافة والوسطاء في الإمارات لإجراء المدفوعات بالدرهم.

ويقول حبيبي إن هذه الشركات ساعدت، مباشرة أو عبر نظام الحوالة، في تسوية مدفوعات لتجارة إيران مع دول أخرى. وأصبح سعر العملة المتداول في ما يعرف داخل إيران بـ”سوق الدرهم” من المؤشرات المؤثرة في قيمة الريال.

مجموعة من الرجال والنساء يقفون أمام جهاز صرافة في مطار دبي

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، لا تقتصر أهمية الإمارات للاقتصاد الإيراني على التبادل التجاري بل تشمل التعاملات المالية

وإذا طُبّق التعليق على شركات الصرافة والتحويلات بصرامة، فقد يمتد أثره إلى تجارة لا تمر سلعها عبر الإمارات، لكنها تعتمد على دبي لتسوية مدفوعاتها.

ويقول حبيبي: “في العلاقات بين الإمارات وإيران، يظل العامل الأهم هو التنفيذ، أي الكيفية التي تقرر بها الحكومة الإماراتية تطبيق هذه القيود”.

وبحسب حبيبي، قد تظهر التداعيات أولاً في قطاعات تعتمد على سلع ومدخلات تمر عبر الإمارات، من بينها الأغذية والأدوية والأجهزة الإلكترونية وقطع غيار السيارات والأعلاف. وقد لا تختفي هذه المنتجات من السوق، لكنها ستصل عبر طرق أطول ووسطاء أكثر، ما يرفع تكلفتها على المستهلكين والمصانع.

بدائل أكثر كلفة

شاحنات تصطف أمام الحدود التركية قادمة من إيران ومحملة بالبضائع

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يمكن لطهران تحويل جانب من تجارتها إلى دول أخرى

راكمت إيران خلال عقود من العقوبات خبرة في البحث عن مسارات بديلة. ويصف حبيبي ذلك بأنه “لعبة قط وفأر مستمرة منذ أكثر من عقدين”، إذ تحاول شبكات مرنة فتح صلة مالية في بلد آخر كلما أغلقت قناة أمامها.

ويمكن لطهران تحويل جانب من تجارتها إلى تركيا والعراق وعُمان وباكستان وآسيا الوسطى. وقد وسعت بالفعل تجارتها عبر حدودها البرية بعدما أصبحت الحركة في الخليج أكثر صعوبة.

لكن هذه البدائل لا تجمع بسهولة ما وفرته دبي من قرب جغرافي وموانئ عالمية وشبكات مالية ومجتمع أعمال إيراني راسخ. كما أن التحول إليها يستغرق وقتاً ويرفع تكاليف النقل والتمويل، وقد يعرض الدول والشركات الوسيطة لضغوط أمريكية.

ولن تكون التداعيات من جانب واحد. فقد تخسر شركات الشحن والتخزين وإعادة التصدير والصرافة في الإمارات جزءاً من نشاطها. ويقول حبيبي: “هذه التجارة مفيدة جداً للإمارات أيضاً. فهي تحقق إيرادات مهمة للخدمات اللوجستية، وتوفر فرصاً كبيرة لتحقيق الأرباح، كما تستفيد المؤسسات الإماراتية من المعاملات المالية”.

ومع ذلك، يُرجح أن يكون الأثر النسبي على الإمارات أصغر منه على إيران، نظراً إلى حجم اقتصادها وتنوعه. ففي حين تستطيع الإمارات استيعاب خسارة جزء من هذا النشاط، تخسر إيران أقرب مراكز التجارة العالمية إليها وأكثرها تطوراً.

ولا يرى الهندي أن العلاقات بلغت بالضرورة نقطة اللاعودة. ويقول: “في السياسة لا توجد نقطة لا عودة”، مشيراً إلى أن الجغرافيا والتاريخ قد يعيدان الطرفين في نهاية المطاف إلى طاولة واحدة.

لكنه يضيف أن “هناك شيئا ما انكسر، وهناك ثقة فُقدت بشكل كامل، ويجب أن نعود إلى بنائها شيئاً فشيئاً”.

لذلك قد لا يكون السؤال ما إذا كانت التجارة ستعود، بل متى تعود، وبأي حجم، وكم سينتقل منها إلى مسارات أخرى إذا طال إغلاق بوابة دبي.