في العصر الرقمي قد تتحول البيانات الشخصية من معلومة مؤقتة إلى أثر طويل يلاحق صاحبه في العمل، والسمعة، والتسويق، والائتمان، ومن هنا تبرز فكرة حق النسيان الرقمي: أن يكون للفرد حق طلب محو بياناته أو وقف استخدامها، متى انتهى الغرض الذي جمعت من أجله، أو لم يعد هناك مبرر مشروع للاحتفاظ بها.

وفي الإمارات، لا يستخدم القانون هذا التعبير دائماً بصيغته الشائعة، لكنه يقرر مضمونه في المرسوم بقانون اتحادي رقم 45 لسنة 2021 بشأن حماية البيانات الشخصية. فقد نصت المادة 15 على حق صاحب البيانات في طلب تصحيح بياناته غير الدقيقة أو استكمالها، وطلب محو بياناته الشخصية في حالات محددة، منها أن تصبح غير لازمة للغرض الذي جمعت أو عولجت من أجله، أو أن يسحب موافقته، أو يعترض على المعالجة ولا توجد أسباب مشروعة لاستمرارها، أو تكون المعالجة مخالفة للقانون.

لكن هذا الحق لا يعني محو كل أثر رقمي بمجرد الطلب. فالقانون يوازن بين خصوصية الفرد واعتبارات أخرى، مثل التشريعات الواجبة التطبيق، أو المصلحة العامة، أو التحقيقات، أو المطالبات والدفاعات القانونية، أو البيانات المرتبطة بالصحة العامة في الحالات التي حددها القانون. لذلك، فحق المحو ليس أداة لإخفاء الحقيقة أو تعطيل العدالة، بل وسيلة لمنع الاحتفاظ غير المبرر بالبيانات.

وتظهر أهمية هذا الحق في الواقع العملي مع التطبيقات، والمتاجر الإلكترونية، ومنصات التسويق، وقواعد بيانات العملاء. فقد يوافق الشخص على استخدام بياناته لغرض محدد، ثم تستمر الجهة في استخدامها بعد انتهاء العلاقة أو زوال الغرض. هنا يصبح السؤال القانوني مشروعاً: لماذا تبقى بياناتي لديكم، لاسيما عندما تكون البيانات مرتبطة بحسابات غير نشطة أو حملات تسويقية انتهت فعلياً منذ مدة طويلة؟!

لذلك، على الشركات ألا تكتفي بسياسة خصوصية عامة، بل يجب أن تضع آلية واضحة لاستقبال طلبات التصحيح أو المحو أو وقف المعالجة، والرد عليها بجدية وشفافية ضمن المدد والضوابط القانونية.

وخلاصة القول، إن حق النسيان الرقمي لا يمحو الماضي، لكنه يمنع أن تتحول البيانات الشخصية إلى قيد دائم. فالبيانات يجب أن تبقى بقدر الحاجة، ولغرض مشروع، ولمدة معقولة، ثم تمحى أو يوقف استخدامها متى زالت مبررات الاحتفاظ بها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App