فجأة، تحولت تلة علي الطاهر إلى محور الحديث في لبنان والمنطقة، وإلى هدف عسكري وسياسي وإعلامي لـ«إسرائيل»، حتى بدا سقوطها في الخطاب الإسرائيلي وكأنه انتصار بحد ذاته.

لكن السؤال الأهم هو: لماذا علي الطاهر تحديداً؟

لا شك أن للتلة أهمية عسكرية، فموقعها المرتفع يمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والتحكم بمساحة واسعة من الجنوب. لكن قيمتها العسكرية وحدها لا تفسر هذا التضخيم الكبير.

علي الطاهر تصلح لأن تكون صورة للنصر الإسرائيلي.

«إسرائيل» تريد أن تقول لجمهورها إنها دخلت إلى موقع للمقاومة، وسيطرت على ارتفاع استراتيجي، وفرضت واقعاً جديداً. ونتنياهو، الذي يحتاج إلى إنجاز قابل للتسويق السياسي، يستطيع أن يحول التلة إلى رمز لنصر يدّعيه.

لكن الخطر الأكبر ليس في السيطرة على التلة، بل في السردية التي تُبنى حولها.

فحين يصبح السؤال: «هل ستسقط علي الطاهر؟»، يتراجع السؤال الأهم: ماذا عن الأراضي اللبنانية المحتلة؟ ماذا عن القرى المدمرة؟ وماذا عن محاولة «إسرائيل» تحويل وجودها العسكري إلى واقع أمني دائم في الجنوب؟

هنا تتحول القضية تدريجياً من احتلال أرض لبنانية إلى نزاع على تلة.

وفي الحالة الأولى تكون «إسرائيل» مطالبة بتبرير وجودها، بينما في الحالة الثانية تصبح المقاومة مطالبة بتبرير تمسكها بالموقع.

وهذا تحول في غاية الخطورة.

لماذا تتمسك المقاومة بالتلة؟

قد يبدو ذلك متناقضاً مع طبيعة حرب المقاومة التي لا تقوم أساساً على التمسك بالجغرافيا. فالمقاومة تستطيع الانسحاب وإعادة الانتشار والعمل من العمق، ولا تقيس قوتها بمساحة الأرض التي تحتفظ بها.

لذلك قد لا تكون أهمية علي الطاهر في التلة وحدها، وإنما في منع «إسرائيل» من تثبيت واقع جديد.

فسيطرة الاحتلال على موقع مرتفع، ثم تحويله إلى نقطة مراقبة وتمركز، يمكن أن تكون خطوة في اتجاه بناء حزام أمني جديد داخل لبنان. ومن هنا تصبح المعركة على التلة جزءاً من معركة أكبر: من يملك حق فرض الواقع الجديد على الأرض؟

وهناك أيضاً البعد المعنوي. «إسرائيل» تريد أن تجعل من علي الطاهر دليلاً على تراجع قدرة المقاومة، فيما تريد المقاومة منع تحويل الموقع إلى رمز لانتصار إسرائيلي.

لكن يجب ألا نقع في الفخ المقابل: سقوط التلة لا يعني سقوط المقاومة، وبقاؤها لا يعني انتهاء المعركة.

لا تسمحوا لـ«إسرائيل» باختيار موضوع المعركة

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على إعلام المقاومة.

«إسرائيل» تستطيع اختيار أهدافها العسكرية، لكنها لا ينبغي أن تختار موضوع النقاش أيضاً.

فالمعركة ليست علي الطاهر وحدها. إنها الأرض اللبنانية المحتلة، والقرى المهدمة، وحق الأهالي في العودة، ورفض تحويل الاحتلال المؤقت إلى احتلال دائم.

لذلك ينبغي ألا يصبح السؤال:

هل ستسقط علي الطاهر؟

بل: هل تستطيع «إسرائيل» تحويل احتلالها إلى واقع دائم؟

وألا يصبح السؤال:

هل تستطيع المقاومة الاحتفاظ بالتلة؟

بل: لماذا لا تزال «إسرائيل» موجودة أصلاً على الأرض اللبنانية؟

قد تسقط علي الطاهر، وقد تبقى، وقد تتغير السيطرة عليها أكثر من مرة.

لكن أخطر انتصار إسرائيلي ليس احتلال التلة، بل إقناعنا بأن القضية أصبحت تلة.

فالتلة جزء من المعركة، وليست المعركة كلها.

والقضية في جوهرها ليست من يسيطر على علي الطاهر، بل من يملك الحق في أن يفرض الحقيقة على الأرض: الاحتلال أم لبنان.