تونس ـ «القدس العربي»: في عالم تتقاطع فيه الذاكرة مع الحلم، وتتداخل فيه المشاعر مع الخيال، تبدو اللوحة أحيانا أكثر من مجرد مساحة للألوان والأشكال، إنها نافذة مفتوحة على أعماق الإنسان، تكشف ما تخفيه النفس من أسئلة وهواجس ورغبات وذكريات. ومن هذا المنطلق تبدو تجربة الفنانة التشكيلية التونسية هيفاء التكوتي في معرضها الشخصي الثالث «يزهر فينا» تجربة تنحاز إلى الداخل، لتعيد تشكيل العالم الخارجي وفق إيقاع الذاكرة وتدفق المخيلة.
يبلغ عدد لوحات «يزهر فينا» عشرون لوحة أنجزتها الفنانة بتقنية الأكريليك على القماش، وتأتي هذه المجموعة بعد تجربتيها السابقتين «أنا والآخر» و«فوضى الحواس». وبينما تكشف عناوين التجارب السابقة عن اهتمام واضح بعلاقة الذات بالآخر وبالعالم الحسي والانفعالي، يبدو عنوان اللوحات الجديدة «يزهر فينا» أكثر التصاقا بالداخل الإنساني، وبما يمكن أن ينمو في الروح من صور ومشاعر وأحلام.
هيفاء التكوتي، خريجة المعهد الأعلى للفنون الجميلة بتونس، تختار في تجاربها موقعا جماليا يقع بين التشخيص والتجريد، من دون أن تستسلم تماما لأي منهما. فالأشكال التي تظهر في لوحاتها قد تذكر المتلقي بكائنات بشرية أو حيوانات أو نباتات أو أشياء مألوفة، لكنها سرعان ما تتجاوز حضورها الواقعي لتتحول إلى إشارات ورموز وآثار بصرية تنتمي إلى عالم آخر، هو عالم الذاكرة والحلم والوجدان.
تحول الداخل إلى صورة
لا يبدو عنوان «يزهر فينا» مجرد إحالة إلى الطبيعة أو إلى فعل التفتح والنمو، وإنما يحمل معنى أكثر اتساعا وعمقا. فـ»الزهر» هنا يمكن أن يكون صورة لما يتشكل في أعماق الإنسان من أحاسيس وتجارب وأفكار، وما يتراكم في الذاكرة قبل أن يجد طريقه إلى التعبير.
إنها محاولة لتحويل ما هو غير مرئي إلى شيء يمكن رؤيته. فالذاكرة لا تقدم نفسها في شكل واضح ومنظم، والأحلام لا تخضع لمنطق ثابت، والمشاعر غالبا ما تأتي متداخلة ومتعارضة. لذلك تبدو لوحات التكوتي وكأنها تستجيب لهذا الاضطراب الداخلي، فتتوالد فيها الأشكال وتتداخل وتتغير، من دون أن تفقد قدرتها على إثارة فضول المتلقي.
ولا تقدم الفنانة عالما واقعيا بالمعنى التقليدي، ولا تسعى إلى نقل الأشياء كما تراها العين، بل تحاول تقديمها كما يمكن أن تراها الذاكرة أو كما تستعيدها المخيلة. ولذلك فإن ما يظهر على سطح اللوحة ليس بالضرورة المشهد كاملا، وإنما شظايا منه، أو أثره، أو الانطباع الذي تركه في النفس.
ومن هنا يمكن فهم العنوان الفرعي الملائم لهذه التجربة أي «أجزاء من مشاهد حالمة». فكل لوحة تبدو كأنها تلتقط لحظة عابرة من حلم لم يكتمل، أو مشهدا من ذاكرة لا تزال تتشكل.
إن أول ما يستوقف العين في أعمال هيفاء التكوتي هو غنى الألوان وتعددها. فاللون ليس مجرد عنصر جمالي يستخدم لإضفاء الحيوية على اللوحة، وإنما يتحول إلى لغة قائمة بذاتها، تحمل المشاعر وتترجم الحالات النفسية.
تتنقل الفنانة بين الألوان الدافئة والباردة، وتضعها في علاقات متجاورة ومتداخلة، فتخلق فضاءات بصرية نابضة بالحركة. وفي كثير من الأعمال، لا يكون اللون تابعا للشكل، بل يصبح قادرا على إعادة تشكيله وتغييره، وكأن الكائنات والأشياء تنبع من اللون نفسه ثم تعود فتذوب فيه.
وهذا الاستخدام المكثف للون يمنح الأعمال المعروضة في الفضاء الثقافي العريق طاقة خاصة. فالألوان تارة تبدو مشرقة ومحتفية بالحياة، وتارة أخرى تحمل شيئا من القلق والغموض، وهو ما ينسجم مع طبيعة العالم الداخلي الذي تستكشفه الفنانة. فالإنسان لا يعيش الفرح بمعزل عن الخوف، ولا الأمل بمعزل عن القلق، ولا الذاكرة بمعزل عن النسيان.
ومن خلال هذه التناقضات، يصبح اللون وسيلة لاستحضار الجمال في تعدده، لا الجمال المثالي الجامد. إنه جمال يتحرك ويتغير ويتشكل بحسب التجربة الإنسانية.
شخصيات متحولة
تتوزع داخل هذه التجربة مجموعة من المواضيع والمشاعر التي تبدو متصلة بالسيرة الداخلية للإنسان على غرار الطفولة والذاكرة والرغبة والقلق والانتظار والخوف. لكنها لا تظهر باعتبارها حكايات مكتملة، بل كإشارات متفرقة تتطلب من المتلقي أن يجمع أجزاءها ويعيد بناءها.
وبالتالي فإن من أهم خصائص تجربة التكوتي أنها لا تغلق اللوحة على معنى واحد، فالمتلقي يجد نفسه أمام مساحة تسمح له بتأويل الأشكال والألوان وفقا لتجربته الخاصة. فقد يرى في شكل ما ملامح إنسان، وفي شكل آخر حيوانا أو نباتا أو مجرد تكوين تجريدي، وقد تستدعي لوحة لدى أحدهم ذكرى بعيدة، بينما تثير لدى آخر إحساسا بالقلق أو الحنين. إنها عملية تشاركية بين الفنانة والمتلقي، حيث لا تكتمل اللوحة إلا عندما تدخل في ذاكرة من ينظر إليها.
ولا تبدو الشخصيات والكائنات التي تظهر في اللوحات ثابتة أو نهائية، فهي في حالة تحول دائم، وكأنها لا تزال تبحث عن شكلها الأخير، وهذا التحول ليس مجرد اختيار فني، وإنما يحمل دلالة تتصل بالإنسان نفسه. فالإنسان كائن متغير، تتبدل نظرته إلى نفسه وإلى العالم مع مرور الزمن، وتعيد التجارب تشكيله باستمرار. وما كان يمثل خوفا في الطفولة قد يصبح ذكرى في مرحلة لاحقة، وما كان حلما بعيد المنال قد يتحول إلى رغبة أو مشروع، وربما إلى إحباط أيضا.
ومن خلال هذه الشخصيات المتحولة، تستكشف الفنانة الطاقة الكامنة داخل الإنسان، وقدرته على التجدد وإعادة اكتشاف ذاته. إنها لا ترسم الإنسان بوصفه كيانا مكتمل الملامح، بل بوصفه مشروعا مفتوحا على التحول.
تجري التكوتي في لوحاتها الجديدة أبحاثا بصرية في تمثيل الإنسان والحيوان والنبات. وهذه العناصر الثلاثة لا تظهر منفصلة تماما، بل تتجاور أحيانا وتتداخل في أشكالها، بما يعزز الإحساس بأن الفنانة تبحث عن الروابط العميقة بين الكائنات.
وقد يكون حضور النبات في هذا السياق متصلا بعنوان «يزهر فينا»، بما يحمله من دلالة على النمو والتجدد، بينما يحضر الحيوان باعتباره جزءا من الذاكرة الإنسانية والخيال الجمعي، ويظل الإنسان مركزا لهذه التجربة بما يحمله من مشاعر وأسئلة. لكن الفنانة لا تقدم هذه العناصر بوصفها مواضيع طبيعية، وإنما تستخدمها لبناء عالم رمزي تتداخل فيه الحقيقة مع الخيال.
ويمكن النظر إلى المعرض بأكمله باعتباره رحلة تبدأ من الداخل وتنتهي إلى الخارج. تبدأ من تلك المنطقة الخفية التي تتشكل فيها المشاعر والأفكار، ثم تنتقل إلى اليد التي تحاول أن تمنحها شكلا، لتنتهي أمام العين في صورة لوحة.
وهذه العملية أقرب إلى نوع من الاستبطان الفني، أي محاولة التعرف إلى الذات من خلال مراقبة الأحاسيس والانفعالات والأفكار التي تسكنها. وفي هذه الرحلة، تصبح اللوحة وسيلة لمعرفة الداخل، لكنها في الوقت نفسه وسيلة لإعادة بنائه.
فالفنانة لا تكتفي بإخراج ما في داخلها، بل تعيد تنظيمه بصريا. فتختار اللون، وتبني الشكل، وتترك مساحات مفتوحة، وتجمع بين التشخيص والتجريد، ثم تمنح العمل استقلاله عن لحظة ولادته. ومن هنا تتحول الممارسة الفنية إلى فعل بناء وإعادة بناء للعالم البصري.
بين الواقع والخيال
إن ما يمنح تجربة «يزهر فينا» خصوصيتها هو وجودها المستمر على الحدود بين عالمين، عالم الواقع وعالم الخيال. فلا الواقع يختفي تماما، ولا الخيال يفرض سيطرته الكاملة.
فهناك دائما شيء يمكن التعرف إليه، لكنه لا يبقى طويلا على حاله. يتغير، يتشظى، يتداخل مع عناصر أخرى، ثم يعود في صورة جديدة. وهذا ما يجعل المتلقي في حالة بحث مستمرة عن المعنى.
إنها إشارات بصرية متناثرة داخل فضاء لا يقدم إجابات جاهزة، وإنما يدعو إلى التأمل. وربما لهذا السبب تبدو الأعمال قادرة على استدعاء تجارب شخصية لدى الجمهور، لأن كل مشاهد يحمل داخله ذاكرة خاصة وأحلاما ومخاوف ورغبات قد يجد لها صدى في إحدى اللوحات.
إن ما تقدمه هيفاء التكوتي في «يزهر فينا» هو تجربة فنية تنطلق من الذات لكنها لا تنغلق عليها. فهي تستحضر الذاكرة والطفولة والحلم والقلق والرغبة، ثم تعيد صياغتها من خلال اللون والشكل والحركة. وبين التشخيص والتجريد، تبني عالما بصريا خاصا تتجاور فيه الكائنات والأشياء والأحلام. إنها دعوة إلى النظر إلى ما يختبئ خلف الصورة، وإلى اكتشاف أن ما يزهر في داخل الإنسان قد لا يكون دائما واضحا أو قابلا للتسمية، لكنه يستطيع أن يجد طريقه إلى الضوء عبر الفن.
وهكذا تتحول اللوحات العشرون إلى ومضات من مشاهد حالمة وذكريات متحولة، وإلى إشارات بصرية تضع المتلقي أمام مرآة مختلفة، مرآة لا تعكس ملامحه الخارجية، وإنما تستفز ما يسكن في داخله من أحاسيس وصور وأسئلة. وهي، في ذلك كله، تجربة تشكيلية أصيلة تترك للعين متعتها وللخيال حريته وللذاكرة فرصة لأن تزهر من جديد.