ما عادت تلة علي الطاهر مجرد نقطة عسكرية في جنوب لبنان، ولا مجرد موقع جديد في سجل المواجهة بين حزب الله و إسرائيل. فما يجري حولها يحمل معنى أكبر كثيراً: إنه اختبار لمن يملك القرار الأمني والعسكري في لبنان، ولمن يستطيع فرض قواعد اللعبة بعد الحرب، ولما إذا كان ملف سلاح حزب الله سيبقى شأناً لبنانياً أم يعود، مرة أخرى، إلى طاولة المساومات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فهل باتت خسارة علي الطاهر أمام إسرائيل أقل كلفة على الحزب من تسليمها للدولة اللبنانية؟
الجواب يميل إلى “نعم”. فبالنسبة إلى “حزب الله”، المشكلة تكمن في سابقة يمكن أن يصنعها تسليم التلة للجيش اللبناني. فإن أمكن تسليم الحزب موقعاً عسكرياً محصّناً شمال الليطاني للدولة، فلماذا لا تُسلَّم مواقع أخرى؟ هنا يكمن الخطر الحقيقي. فالحزب يستطيع تفسير خسارة موقع أمام إسرائيل بمنطق الحرب: اختلال موازين القوى، كثافة النيران، التفوق الجوي، أو حتى الانسحاب التكتيكي… لكنه سيجد صعوبة أكبر في تفسير الانسحاب من منشأة عسكرية وتسليمها طوعاً للجيش اللبناني. فذلك، في عرف الحزب، لن يكون انسحاباً عسكرياً، إنما سيكون اعترافاً ضمنياً بأن قرار السلاح بات فعلياً بيد الدولة. من هذه الزاوية، قد تبدو خسارة التلة في مواجهة ولو دموية مع إسرائيل أقل تهديداً لمكانة الحزب ومستقبله من تسليمها إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية.
إيو جيما صغيرة!
في إيو جيما، امتلك الأميركيون تفوقاً ساحقاً في الجو والبحر والنيران، لكن اليابانيين بنوا دفاعهم داخل الأرض: أنفاق، كهوف، مخازن، مراكز قيادة، ومواقع متصلة تحت سطح الجزيرة. لذلك، لم يكن احتلال الأرض فوق رؤوسهم يعني أن المعركة انتهت. البحرية الأميركية نفسها تذكر أن اليابانيين أقاموا مواقع عميقة ومحصنة ومتصلة بشبكات أنفاق واسعة، وأن عدداً كبيراً منها لم يكن يمكن تدميره بالقصف، بل كان يجب اقتحامه أو إغلاق مداخله من قرب.

صورة من شقرا جنوب لبنان تظهر مركبة عسكرية إسرائيلية تعبر وادي السلوقي، 21 أغسطس 2026 (أ ف ب).
التشابه لافت مع علي الطاهر. المعلومات المتداولة عن “عماد 4” وشبكات الأنفاق ومراكز القيادة تحت المرتفعات لم تُثبت بصورة مستقلة، ويجب التعامل معها بحذر. لكن مصادر لبنانية وإسرائيلية متعددة تتفق على أن ما تحت التلة أهم مما فوقها، وأن القتال انتقل جزئياً من محاولة ضرب المنشآت جواً إلى الوصول إليها ميدانياً. كما أن إعلان إسرائيل السيطرة على المرتفعات في حزيران/يونيو الماضي قابله نفي من الحزب، وهو بحد ذاته يعكس مشكلة تعريف “السيطرة”: هل المقصود القمة؟ المداخل؟ أم شبكة الأنفاق كلها؟ ففي إيو جيما، حدث شيء مشابه رمزياً: رفع الأميركيون العلم فوق جبل سوريباتشي في 23 شباط/فبراير 1945، لكن المعركة في الجزيرة استمرت أكثر من شهر، وبقي المقاتلون اليابانيون يخرجون من مواقع وأنفاق خفية.
كيف يمكن حزب الله استثمار سقوط علي الطاهر سياسياً؟
إن سقطت التلة بيد إسرائيل بعد معركة ضارية، فإن طبيعة النقاش اللبناني ستتغير فوراً: كيف تجروء “السلطة” على مطالبة الحزب بنزع سلاحه بينما إسرائيل تتقدم داخل الأراضي اللبنانية؟ هذه ليست مسألة دعائية بسيطة. إنها جوهر الصراع على شرعية السلاح. فـ”حزب الله” يحتاج دائماً إلى ثلاث ركائز لتبرير استمرار ترسانته: وجود تهديد إسرائيلي، قصور الدولة عن ردع التهديد، واستمرار احتلال أو اعتداء يمكن تقديمه على أنه دليل على ضرورة “المقاومة”. وكل تقدم إسرائيلي جديد يمنحه فرصة جديدة لإعادة إنتاج هذه المعادلة، ولتعزيز الديماغوجيا التي يركميها بوجه بيئته: الدولة تطالبنا بالسلاح ونحن نقاتل، ولا تستطيع منع إسرائيل من التقدم. وهذه الرواية، مهما اختلف اللبنانيون حول صحتها، أكثر فائدة للحزب من صورة أخرى يظهر فيها وهو يحب عناصره المحاصرين في تلة علي الطاهر.
وهنا أيضاً تظهر واحدة من أشد مفارقات الصراع اللبناني – الإسرائيلي تعقيداً. فلا حاجة إلى الحديث عن أي تنسيق بين إسرائيل وحزب الله، فهذا كلام لا دليل عليه. لكن يمكن الحديث عن تلاقٍ موضوعي في المصالح السياسية: إسرائيل تقول إن بقاء سلاح الحزب يبرر استمرار عملياتها ووجودها العسكري والضغط على لبنان، والحزب يقول إن استمرار الوجود الإسرائيلي والاعتداءات يبرر احتفاظه بالسلاح. بهذا المعنى، يحتاج كل طرف إلى سلوك الآخر كي يقنع جمهوره بصحة استراتيجيته.
أي مواجهة دموية في علي الطاهر مفيدة للحزب في مقارعته الدولة اللبنانية العازمة على نزع سلاحه. وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه بيروت. فمشروعها الحالي يقوم على فكرة بسيطة: وقف الحرب، بسط سلطة الجيش، حصر السلاح، ثم مطالبة إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات. لكن، إذا تقدمت إسرائيل عسكرياً خلال هذه العملية “السياسية”، سينجح الحزب في تدمير هذا المشروع من أساسه، والقول إن الدولة طالبت المقاومة بالتراجع من دون أن تكون قادرة على حماية المواقع التي يجري إخلاؤها. لذلك، يمكن سقوط علي الطاهر أن يتحول في الخطاب السياسي إلى دليل يستخدم ضد الحكومة نفسها. وهنا، لا تعود التلة مجرد خسارة عسكرية، بل تصبح ورقة في معركة أوسع على شرعية الدولة.
الحرس الثوري في التلة: أين تنتهي المعلومات وتبدأ الفرضيات؟
ثمة نقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. تتحدث تقارير وروايات إسرائيلية عن وجود عناصر أو ضباط إيرانيين مرتبطين بـ “الحرس الثوري” داخل المنشآت العسكرية في المنطقة أو حولها، بينما ينفي “حزب الله” وجود مقاتلين إيرانيين. حتى الآن، لا معلومات مستقلة كافية تسمح بالجزم بأن عدداً من عناصر الحرس الثوري موجود بالفعل داخل التلة. لذلك، على أي تحليل جدي أن يبقى مشروطاً بعبارة أساسية: إذا صح وجود ضباط أو مقاتلين إيرانيين هناك. أما إذا صح الأمر، فإن أسرهم سيكون أخطر على “حزب الله” وإيران من مقتلهم.
الأسر يمنح إسرائيل مادة استخبارية وسياسية ضخمة: أسماء، شبكات اتصال، تفاصيل تشغيلية، وربما أدلة مباشرة على انخراط عسكري إيراني داخل لبنان. والأهم أنه يُضعف واحدة من أهم الحجج التي يستخدمها الحزب داخلياً: سلاحه شأن لبناني وقراره مستقل عن طهران. لذلك، يصعب تصور أن يكون الحزب راغباً عمداً في تسليم عناصر من الحرس الثوري إلى إسرائيل أو تعريضهم للأسر. والأرجح أن الحزب لا يريد جر إيران إلى حربه الصغيرة من خلال تضحيته عمداً بمقاتليها، لكنه قد يستفيد كثيراً من تحويل أزمة سلاحه من مشكلة لبنانية داخلية إلى جزء من مواجهة إقليمية أكبر، وتخدمه عودة الملف اللبناني إلى المسار الإيراني-الأميركي أو الإيراني-الإسرائيلي، فذلك يجعل نزع سلاحه أكبر من قدرة الحكومة اللبنانية وحدها.
قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن السيناريو الأخطر على “حزب الله” ليس اجتياحاً إسرائيلياً محدوداً، بل هو أن تنسحب إسرائيل، وينتشر الجيش اللبناني، وتتوقف الغارات، ويبدأ الإعمار، فيبقى سؤال واحد لا يستطيع الحزب الهروب منه: ما الحاجة حينها إلى السلاح؟ في هذه الحالة، يخسر الحزب البيئة السياسية التي بنى عليها شرعية ترسانته.
