منذ أكثر من ثلاثين عامًا وأنا أقرأ واستمع لإبداع الشاعر أحمد فضل شبلول، هذا الإبداع – وهو الأمر المثير للدهشة – الذي سار على خطين متوازيين، خط الشعر وخط الرواية.
خط الشعر؛ بدأ فيه شبلول منذ ظهوره مع نهاية السبعينيات، ومطلع الثمانينيات، والذي بدا جديدًا في وقته، وفريدًا، ووحيد عصره وزمانه، حيث وجدتُه، وهو يقدم لنا شعره الرومانسي بمنحاه الموسيقي الفريد، يخالف ما تطبعنا به وعليه – إن صح التعبير – في شعر معاصريه وقتها مثل فاروق شوشة، وأبوسنة، وجويدة، ودرويش ودنقل .. وجدته يخاطب أطيافًا جديدة؛ هو لم يكتف بمخاطبة البحر، كسكندري أصيل، والنسائم والأصائل والنوارس، كبقية الرومانسيين، لكنني فوجئت به يقدم إلى الساحة الأدبية في حدث كبير ومفاجئ ديوانه الذي أحدث جلبة كبيرة “تغريد الطائر الآلي” فوجدته كرومانسي – وهو حقًّا رومانسي – يخاطب مَنْ؟ تخيلوا .. يخاطب الحاسوب كصديق خائن، يخاطب أيقونات الكمبيوتر، يخاطب الكيمياء والفيزياء ويتعايش معهم، ويعيش في خطابهم لحظات الخيانة والإخلاص، الحب والغيرة، العشق والذَّوْب (التيه الوجداني) مع حرصه الشديد – وهذا ما يميز شبلول طيلة حياته الإبداعية – على “المورف” (الدال) الأصيل، المكوّن لبنيان الشعر، مورف الموسيقى، ودال النغمة مهما اختلفت بنيانها ومحركها النصي، وداعيها الأصيل، ولكن – وخذوا عني هذه الحقيقة النقدية وهي – أن نغمة الشعر عند أحمد فضل شبلول هي المناخ الخارجي المحيط بجوهرية النص، بل هي التي توحد معناه، وتدفعه دفعًا إلى أصولية التماسك النصي وتَجلّيه وقبوله ومعايشته وتماهيه.
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد حصول أديبنا أحمد فضل شبلول على جائزة الدولة التقديرية في الآداب منذ أسابيع، هو: لماذا حصل عليها؟ وكيف فازت به الجائزة؟ والإجابة الواضحة للعيان: لأنه مُنتج جيد على مستويات عدة: الشعر والرواية وأدب الأطفال وغيرها. ففي الشعر وجدناه له منهج الخاص عبر دواوينه الوفيرة، يخاطب فيها موجودات الدُّنَى بلغة جديدة، نراه كما قلت يخاطب حاسوبه، ويصطدم بخيانته، فيقول منذ أكثر من عشرين عاما:
الكمبيوتر الصديقُ خانني ..
لأنني ..
لم أعْطِهِ الإشارة
ولم أُبَدِّل الحروفَ بالأرقام
ولم أُبرمج المشاعر
وأطلق الأوامر
***
الكمبيوترُ الذي ..
علَّمتُهُ الحنان والأمانَ
خانني
لأنني ..
أدخلتُ في اللغاتِ والشرائح الممغنطة
عواطفَ الأزهارِ، والأشجارِ، والأنهارْ
وقصَّةَ العيون ساعةَ السَّحَر
ورقْصةَ الأغصانِ والأحلامِ والمطر
فهذا هو أحمد فضل شبلول يخاطب عوالم الوجود من منطقه الموضوعي والفني، الإنساني والمجازي والموسيقي، حتى عندما كتب للأطفال خاطب موجودات الطبيعة فأخرج لنا ديوانًا رائعًا أسماه “اشجار الشارع أخواتي” (حصل به على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 2007)، وفيه يحرضهم على التعلم والسباحة في أنهار المعلومات فيقول لهم:
كتابي نهر معلومات
به سورٌ
به آيات
به أرقامْ
وموضوعات
به أحلامْ
ومكنوناتْ
عن الماضي
عن الحاضر
عن المستقبل الباهر .. الخ.
