
سعادة كبرى تغمر المرء عندما يتعرف على مشروع ثقافي هائل، يجري تنفيذه بفكر سليم وجهد مخلص وموهبة خلاقة، كمشروع «ألحان الزمن الجميل» الذي يقيمه الفنان اليمني محمود الهندي بالتعاون مع مؤسسة حضرموت للثقافة. بدأ محمود الهندي العمل على هذا المشروع منذ بضع سنوات، وحقق حتى الآن نجاحاً كبيراً، وانتشاراً يزداد اتساعاً، خصوصاً بعد تقديم نسختين من مهرجان ألحان الزمن الجميل. يهدف المشروع إلى أرشفة وتوثيق التراث اليمني، والتعليم من خلال تدريب الأجيال الصاعدة، والإبداع من خلال إعداد التراث وتقديمه بلمسات معاصرة، والتواصل سواء بين الجميع داخل اليمن، أو التواصل بين الثقافة اليمنية والعالم بأسره، وفي مقدمته الوطن العربي بطبيعة الحال، من خلال إقامة الحفلات الموسيقية، وإتاحة المواد الفنية للمشاهدة والاستماع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
محمود الهندي مؤلف موسيقي ومنتج وموزع، ومطرب أيضاً صاحب صوت جميل، سجل مجموعة من الأغنيات بصوته في السابق، لكنه يكرس جهوده حالياً للتأليف الموسيقي، بالتوازي مع مشروع ألحان الزمن الجميل، حيث ألف العديد من الهويات الصوتية للبرامج والمحطات الإعلامية في اليمن، وبعض المسلسلات والأعمال الفنية اليمنية أيضاً. درس الهندسة الصوتية والتأليف في كل من مصر وقطر، بعد أن درس الإعلام والعلاقات العامة في جامعة صنعاء. هو ابن مدينة تريم التاريخية في حضرموت، ولا يخفى الثقل الفني والثقافي والحضاري لحضرموت، فيها ألوان الموسيقى والغناء والإيقاع، ومنها تتصاعد أعذب الأصوات. وتريم حيث نشأ محمود الهندي، هي مدينة المساجد وحلقات العلم وجلسات الشعر، يكاد الإنشاد فيها يتردد على كل لسان، وهناك يربى الطفل منذ المهد على الأهازيج، وتضم وحدها عشرات الإيقاعات والألوان الغنائية.
برهان الفن والحضارة
لليمن حضارة تعد من أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية الضاربة في أعماق التاريخ، حضارة تنوعت أوجهها وتمددت في مجالات عديدة. واليمن أصل اللسان العربي ومرجع اللغة العربية ومهد الشعر، وبقعة من أهم بقاع الموسيقى في العالم، تحتفظ أرضه بأنغام وأصوات وإيقاعات تكونت وتراكمت منذ آلاف السنين، وقد أفاض ببعضها على جزيرة العرب. من منطقة إلى أخرى ومن بيئة إلى بيئة في اليمن، تتنوع الموسيقى وتتعدد الفنون من غناء ورقص، وكلام يرسل شعراً بلهجة كل منطقة من المناطق. هذا ما نعرفه جميعاً عن اليمن، وعن قدره الحضاري والفني، لكن كم منا اقترب من تلك الحضارة، واكتشف ذلك الفن واستمع إلى هذا التراث الموسيقي؟ ربما استمع بعضنا إلى أغنية أو أغنيتين من مشاهير مطربي اليمن، لكن لا يمكن القول إن هذا كان كافياً.
يحول محمود الهندي الحقائق التاريخية الثابتة المحفوظة، والقارة في الكتب والمجلدات إلى واقع حي ملموس حديث، فيقدم البراهين والأدلة على عظمة تراث اليمن الموسيقي، ومدى غناه وثرائه، ويخلق لدى المتلقي دهشة ربما لن تزول، لأنه سيظل متطلعاً إلى هذا التراث متشوقاً إلى اكتشاف المزيد، منتظراً ما سوف يحمله في المرات المقبلة من جواهر ولآلئ ذلك الكنز الثمين. والحق أنه يقوم بعملية من أكبر عمليات إحياء التراث في زمننا المعاصر وأكثرها حداثة، وليس كل إعادة تقديم للتراث يمكن أن توصف بالإحياء، فقد يكون في إعادة التقديم إماتة ومسخاً لروح هذا التراث.
لا يقدم محمود الهندي ما هو شائع ومتداول من تراث اليمن الموسيقي، وإنما يمنح الأولوية لما هو غير معروف وربما يكون على وشك الاندثار، وهذا يزيد من صعوبة مهمته الشاقة والممتعة في الوقت نفسه. فهو في حالة بحث دائم يتقصى الجمال ويقتفي أثره، ويحاول الوصول إلى مصادره الحقة، ثم يمسك بالقطعة التراثية ويعيد صياغتها من جديد في هيئة فنية مكتملة العناصر. فأغلب الظن أن تلك المواد التراثية لا تكون مكتملة أو جاهزة للعرض على الجمهور، ناهيك من إعدادها للتقديم بأحدث التقنيات الصوتية، في إطار معاصر يستطيع أن ينافس وأن يفرض حضوره، وأن يجذب الجمهور من مختلف الأذواق والثقافات. فهي تؤدى عادة من دون آلات موسيقية كثيرة، وتعتمد على الدف والمزمار وربما بعض الآلات الوترية اليمنية العتيقة، وتعتمد على الإيقاع بشكل كبير، لذا يكون على عاتق محمود الهندي تأليف الموسيقى الغنية بالميلودي، وصنع النسيج النغمي المكثف باستخدام العديد من الآلات الموسيقية. وفي بعض الأحيان يكون عليه تأليف الموسيقى بأكملها انطلاقاً من النغم الشعري والإيقاع. يمسك محمود الهندي باللحظة البعيدة الفائتة، ويحتفظ بالماضي ليصطحبه في الحاضر، ويعده للانطلاق نحو المستقبل.
يركز هذا المشروع الطموح في مراحله الأولى على التراث الحضرمي تحديداً، وهو تراث هائل بلا شك يحتاج وحده إلى جهد جبار، وإذا كانت منطقة واحدة مثل حضرموت يتركز فيها كل هذا الفن الموسيقي، فما بالك ببقية مناطق اليمن؟ يتطلع المشروع في ما بعد إلى العمل على تراث اليمن بأكمله، وقد تناول محمود الهندي بالفعل قطعة فائقة الجمال من تراث محافظة أبين. حتى الآن هناك من التراث الموسيقي اليمني ما أدرجه اليونسكو في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، كالغناء الصنعاني والدان الحضرمي، ولا شك أنه سيتم في المستقبل إدراج المزيد من الفنون.
مهرجان ألحان الزمن الجميل
من أجمل ما نجده عند محمود الهندي اهتمامه البالغ بتفاصيل العمل كافة، من جودة الصوت ودقة التصوير، والشكل العام الذي يخرج به مهرجان ألحان الزمن الجميل، هذا المهرجان يمثل جزءاً من المشروع، وليس المشروع بأكمله، هو الجزء الذي يظهر للجمهور ويقدم له خلاصة عمل دائب لا يتوقف. في وقت لا يمر فيه اليمن بأفضل أحواله، ينهض هذا المهرجان ويتم توفير أفضل الإمكانيات الحديثة، وتسخير جميع القدرات لا من أجل الإبهار الكاذب، والضخامة الفارغة التي يبحث المرء فيها عن الفن ولا يجده، وإنما من أجل تقديم الثقافة وإتاحتها للشعب اليمني، وربطه بتاريخه وجذوره، وإحياء روح الفخر بتراثه العريق، وكذلك من أجل تقديم المتعة الحقيقية والإشباع الفني للجمهور العربي، ولمتذوقي الموسيقى في كل مكان من العالم.
في مهرجان ألحان الزمن الجميل وأمام الآلاف من الجماهير، تُفسح مساحة كبيرة في مقدمة المسرح للراقصين، فالغناء لا ينفصل عن الرقص عادة. وراء تلك المساحة يوجد المكان المخصص للفرقة الموسيقية والعازفين، ومن خلفهم يصطف الكورال، وعلى يسار المسرح يقف محمود الهندي ليعزف على الأورغ، وليقوم بدور المايسترو الذي يقود العازفين والكورال، والأصوات الفردية التي يتطلب الأمر حضورها أحياناً لأداء بعض الأغنيات. يرتدي الجميع الملابس التقليدية اليمنية، التي ربما تكون مرتبطة بالحضارم ومنطقة حضرموت على وجه الخصوص، وربما تختلف ملابس الراقصين عن ملابس العازفين والمايسترو في بعض التفاصيل. من أغنية إلى أخرى تختلف الرقصة، وتتغير بما يلائم موضوع الأغنية ويتناسب معها ويعبر عنها، وسط الإبهار الشديد الذي يطغى به الغناء والموسيقى، لا يفقد الرقص قدرته على إبهارنا أيضاً، فضربات الأرجل قد تكون إيقاعاً في حد ذاتها أحياناً، وحركات الأجساد وتمايلها بدرجات محسوبة، يرسل إلينا إشارات ومعاني تثير التأمل والتفكير، ولا شك في أن هناك الكثير من الأسرار في التكوينات التشكيلية التي تنتظم حيناً، وتتعمد عدم الانتظام في أحيان أخرى كالنجوم المنثورة في السماء، وعدم الانتظام المقصود هذا، ربما يتطلب دقة أكثر من الانتظام نفسه، هذا بالإضافة إلى الدورانات والإسراع والإبطاء، ومحاكاة بعض الحركات التي تعبر عن مهنة ما، أو موقف من المواقف، والحماسة والحيوية الشديدة التي تشعل المسرح ونفوس الجماهير، ولا ننسى التصفيق بالأيدي الذي يعد عنصراً مهماً للغاية يمارسه الراقصون والكورال على حد سواء، ونجد أن الكورال يتحرك أحياناً أثناء الغناء، ويؤدي بعض الخطوات البسيطة، كما في أغنية «بو قاسم عزك الله»، ومقطوعة «زامل النوبة والبحرية».
يلعب الكورال دوراً أساسياً بطبيعة الحال، ويتم الاعتماد عليه بشكل كبير حتى في قطع الغناء الفردي، وكذلك في القطع التي تطغى فيها الموسيقى على الكلام المغنى، كما في مقطوعة «عطيته الشحر وعطيته المكلا»، وأغنية «ياهور يابا» التي يؤديها وحده من دون أصوات فردية. يؤدي الكورال باحترافية شديدة تنم عن تدريب سليم ودقيق، فنجد التجانس الشديد والضبط المقامي والدقة الإيقاعية، بالإضافة إلى وضوح النطق وسلامة اللفظ ومخارج الحروف، والانسجام في حس تعبيري واحد. إلى جانب كورال الكبار، يستعين محمود الهندي أحياناً بكورال الأطفال أو اليافعين، الذي لا يقل مهارة أيضاً ويعد بمستقبل مشرق، كما في أغنية «يا سيدي يا رسول الله». وهناك الأصوات الفردية التي يتم اختيارها بعناية شديدة، ويتميز كل مطرب بطبيعة صوته وقدراته ولونه في الأداء، وملاءمته تماماً للقطعة التي يغنيها. أما العازفون فيتنوعون بين من يعزف على الآلات اليمنية التقليدية، كالمزمار الصغير المزدوج الذي يصنع تأثيراً صوتياً مدهشاً، وآلات الإيقاع الكبيرة والصغيرة. وبين من يعزف على الآلات الشرقية العربية المعتادة، كالقانون أو العود الذي ينفرد في كثير من الأوقات بسحر خالص، ويوجد الناي ومجموعات الكمان أيضاً. ومن أجمل ما يتم أيضاً في المهرجان هو ذلك التقديم والشرح المختصر الذي يسبق تقديم كل قطعة فنية.

مواجهة الجمال
يواجهنا محمود الهندي بشحنة جمالية هائلة، ويمنحنا جرعة مكثفة من متعة فنية غير عادية، يستشعرها المتلقي منذ اللحظات الأولى، ثم ينجرف مع موجاتها المتلاحقة التي يسلم لها نفسه ولا يريد أن تتوقف، يتتبع النغم، ويستشعر الإيقاع، ويتلمس جمال الكلام، ويستجيب للرقص، ليدرك في النهاية أن هذا الفنان لا يقدم إليه فناً وحسب، وإنما يقدم إليه تاريخاً عميقاً وحضارة شعب قديم. شعب عاش على تلك الأرض يزرعها ويحولها إلى جنان خضراء، وشعب أبحر وارتحل وتواصل مع بقية الأمم، وشعب بنى وشيد معماره الذي يعلن عن فنه الخاص، وشعب وُهب اللغة فحولها إلى شعر لا ينتهي، وشعب صنع الموسيقى كما لو كانت كل خطوة من خطواته إيقاعاً.
في ما قدمه محمود الهندي حتى الآن نجد تنوعاً كبيراً، فهناك الأعمال ذات الطابع الديني سواء كانت ذكراً لله أم مديحاً نبوياً، وهناك الأعمال ذات الطابع العاطفي، والأعمال التي ترتبط بأجواء معينة، كأجواء الزراعة مثلاً، أو أجواء البحر والسفر، والأعمال ذات الطابع الاجتماعي والفكاهي إلى حد ما، التي تنتقد عن طريق السخرية، وهناك الأغنيات الخاصة بالأعراس والترحيب بالضيف.
«عطيته الشحر وعطيته المكلا» من أشهر أعمال الفنان محمود الهندي وأكثرها سماعاً ومشاهدة، ذلك العمل المثير الشيق الذي يجذب السامع ليلتصق به كما لو كان قوة مغناطيسية. هذا العمل أقرب إلى مقطوعة موسيقية بحتة، فهو لا يضم من الغناء سوى مطلع قصير يغنيه الكورال، يقول هذا المطلع: «عطيته الشحر وعطيته المكلا.. ولو عاد وبغا فوّه القديمة.. بغا يومين مبيات ومضلة.. وإذا جا الموت بكتب له الوصية». الشحر والمكلا وفوه أسماء لمدن يمنية، وهنا تعبر الكلمات عن الرغبة في إعطاء كل شيء للحبيب حتى المدن بأكملها. لا يتكرر الغناء مرة أخرى، ونكون مع الموسيقى فقط، يصحبنا ذلك اللحن السريع الراقص، حيث يتبادل المزمار والعود العزف بشكل مذهل، وينطلق الإيقاع بحيوية لا تهدأ، ثم يتغير الإيقاع في القسم الأخير من العمل. استمع محمود الهندي إلى هذه الأبيات الشعرية القصيرة بصوت امرأة عجوز، فألهمته ذلك العمل الرائع.
من الأعمال المدهشة أيضاً، أغنية «يا هج يا بلا إبل» التي يغنيها صوت فردي بمصاحبة الكورال، ترتبط الأغنية بأجواء الزراعة، موضوعاً ولحناً ورقصاً، فالرقص يحاكي حركات حرث وفلاحة الأرض، حيث يدخل الراقصون متشابكي الأيدي بأداء ديناميكي متصل، واللحن من ألحان الشغل الذي يعين على تحمل الشقاء ويشد الهمة، أما الموضوع الذي يظهر من خلال العنوان، فيرتبط كما يشرح محمود الهندي في أحد حواراته بقصة قديمة، عندما حاول الفلاحون استبدال الثيران بالإبل من أجل حرث الأرض، ولما لم ينجح الأمر قالوا «يا هج يا بلا إبل»، والهج هي الثيران، فالمعنى لن تُحرث الأرض إلا بالثيران وبلاها الإبل.
تبدأ الأغنية بدخول موسيقي هادئ يتصاعد تدريجياً بضربات إيقاعية، ويردد الكورال «هور يا هور يا الله»، ثم يردد «يا هج يا بلا إبل يا هج» بالتقاطع مع بدء الغناء الفردي، الذي يقول: «العظيم الأكبر.. ها بديت بالفرد العظيم الأكبر.. واجعل ذنوبي كلها مغفورة.. أسأله يسامحنا نهار المحشر.. يوم الشفاعة والأمم محشورة». يجري الغناء بشكل حماسي واندفاع قوي، تخفف من وطأته بعد ذلك انفرادات العود الشجية والناي أيضاً. بعد البداية الدينية حيث لا ينفصل الإيمان عن الحياة والعمل، ينتقل الغناء إلى مواضيع أخرى حيث يدعو السامع للإنصات والتفكر ويوجه إليه بعضاً من النصح، ويدعوه إلى استقاء العبر. ويلاحظ السامع أن كلمة «الهج» تنطق «إلهي»، فالجيم تنطق ياء وفق لهجة تريم كما يقول محمود الهندي.
عندما نستمع إلى أغنية «بو قاسم عزك الله»، لا نكون مع عمل مبهر من أعمال المديح النبوي وحسب، بل نكون مع فن تراثي مدهش من فنون اليمن والحضارم وتريم، هو فن الرزيح أو لعبة الرزيح، يؤدي الأغنية المطرب محمد بن عقيل بمصاحبة الكورال الذي يردد «بو قاسم عزك الله يا نجم الصباح»، ويمسك الراقصون بعصي قصيرة هذه المرة هي من شروط فن الرزيح على ما يبدو، الذي يتميز أيضاً وفق الشرح الذي يسبق الأغنية بالهواك الذي يدشن بدء الأداء والانتقال من لحن إلى آخر.
أول ما نسمعه في هذا العمل بعد لحظات قليلة من نغم هادئ، صيحة عالية يطلقها الهواك وتسمى الهوكة على الأرجح، تنطلق هذه الصيحة التي لم نسمع مثيلها من قبل، فتثير الخيال إلى أقصى درجة وتمضي به في كل اتجاه، هل هي صيحة يطلقها رجل وسط الجبال؟ أم هي صيحة تنادي بحاراً ذهبت به الأمواج؟ أم هي لغة سرية مشفرة ونداءات لا يدركها سوى من تُوجه إليه؟ وربما هي ليست أي شيء من كل ما سبق. تتردد الصيحة والنداءات في الخلفية من حين إلى آخر أثناء الغناء، ويبرز إيقاع الرزيح الذي هو إيقاع ضربات الأرجل بشكل كبير، حتى الكورال يتحرك ويؤدي بعض الخطوات الإيقاعية الخفيفة.
لا تتوقف المتعة ولا تنطفئ الدهشة من عمل إلى آخر، وتستطيع أغنية «حني وازجلي وا نوبه» التي يغنيها المطرب حمزة الهيج بمصاحبة الكورال، أن تنقلنا إلى أجواء فنية مغايرة، حيث نكون مع تراث أبين هذه المرة، يختلف الإيقاع واللحن والغناء وكل شيء، يقول مطلع الأغنية: «حسك تستمع للحاسد.. أوبه من كلامه أوبه.. حيرني بذا أسلوبه.. حني وازجلي وا نوبه». الأغنية ذات موضوع عاطفي تشكو المحبوب وتصف له الألم وطول الصبر، في منتصف الأغنية يتغير الإيقاع ويتسارع بشكل كبير وكذلك الغناء وأنغام المزمار المدهشة.
ومن أجمل الأغنيات العاطفية وأعذبها أيضاً، أغنية «من أجل خاطر عين»، التي يغنيها المطرب نجم الدين العرابي بمصاحبة الكورال، وهي لحن من ألحان الدان الحضرمي. تتفرق المتعة ما بين الغناء الجميل واللحن الرائع والكلمات الغارقة في العشق والغزل، حيث يقول العاشق: «من سألني علامك ليش طالع ونازل.. قلت من أجل خاطر عين تكرم مدينة»، ويقول أيضاً: «يوم شفته دهشني بالعيون الكواحل.. والقمر والثريا شارقة عا جبينه». يلعب المزمار دوراً حيوياً في هذا اللحن، ويبرز صوت القانون أيضاً بشكل بديع بالتبادل مع العود.
تعد مقطوعة «زامل النوبة والبحرية» من أطول المقطوعات التي قدمها محمود الهندي، حيث تمتد إلى ما يقرب من 17 دقيقة، وهذا زمن السماع فقط، لكنها تمتد إلى زمن أبعد وأطول في أعماق الماضي. من يستمع إلى هذا العمل ويشاهد الرقص المصاحب له، يشعر بأنه يشاهد قطعة من التاريخ ويستمع إلى قصة حية لا تزال تتردد فيها أنفاس أبطالها. ربما لن نفهم شيئاً من الكلمات المغناة لكننا نستقبل الكثير من الصور والمعاني بلا شك. هذه المقطوعة تثير الإعجاب بشكل كبير والتقدير أيضاً، فهي خلاصة جهد كبير في البحث والإعداد والتأليف الموسيقي، والحفظ وإجادة الغناء، فاللغات التي يغنى بها هذا العمل من لغات السواحل الإفريقية، وهي دليل وأثر من آثار التبادل الثقافي بين اليمن ومحيطها، وانفتاح اليمني منذ القدم على مختلف الثقافات والشعوب. تصور هذه المقطوعة الهجرات الإفريقية إلى حضرموت وهجرات الحضارم إلى إفريقيا، وعلى مدى تلك الدقائق الطويلة نستمتع بالتنوع النغمي والإيقاعي واللغوي، وكذلك الرقص المدهش، وما يؤديه الكورال من حركات أيضاً.
وأي جمال هذا الذي تواجهنا به أغنية «ياهور يابا» التي يغنيها الكورال فقط، وهي تراث حضرمي من أصوات التجلوب على إيقاع النوّح، ويقول محمود الهندي عن فن التجلوب، إنه فن كان خاصاً بالمرأة، حيث كانت النساء تغني عسى أن يجلب الغناء من غابوا. تأخذنا الأغنية إلى أجواء البحر من خلال الكلمات والرقص، حيث يترك الراقصون أجسادهم للماء والريح، أما الكلمات فتبدأ قائلة: «ياهور يابا.. ياهور يابا.. يا الله مع الصاري.. ياهور يابا.. من بحر لغزاري.. ياهور يابا»، «الله يوديهم ياهور يابا.. الله يحميهم ياهور يابا». مع مشهد الوداع هذا ترافقنا أنغام العود والناي بشجن رهيف، ثم يردد الكورال: «اللي يحبوني ساروا وخلوني» ثم «مشتاق حد الشوق» و»دمعي على خدي»، فنكون مع دفقات شعورية متتالية في أغنية لا تتركنا أبداً بعد أن ننتهي من سماعها.
يمكن للحديث عن مقطوعات ألحان الزمن الجميل أن يطول ويطول، تلك القطع التراثية التي يستخرجها محمود الهندي كالماس يعالجه بعناية فائقة، فيصبح أكثر صفاء وجاذبية ويشع بريقاً لا يضاهى، وهكذا يقدم إلينا التراث اليمني على درجة عالية من الرقي والإتقان والحداثة، ويا له من تراث!
كاتبة مصرية
