يواظب المخرج كريستوفر نولان على تقديم أفلام إشكالية، حيث يسعى دائماً إلى تبني مقاربات – قد تبدو إلى حد ما- فلسفية، رغم المرجعيات الواقعية، أو التاريخية، أو الأسطورية، أو العلمية. ولعل خير ما يتميز به نولان من هذه الناحية عدم حصر نفسه في نمط معين من الأفلام، ففي فيلمه الذي يُعرض حالياً على شاشات السينما بعنوان «الأوديسة» – صدر في يوليو/تموز 2026 – نجد صيغة تختلف بصورة واضحة عن فيلمه السابق «أوبنهايمر»، بداعي المرجعية الأدبية للأوديسة التي يعيد المخرج تقديمها برؤيته الإخراجية الخاصة، ولكن مع ميل واضح إلى إضافة طبقات من الدلالات والمعاني التي تتجاوز متعة الفرجة.
سينما نولان
وعلى الرغم من أن كريستوفر نولان ينتمي إلى سينما هوليوود، غير أنه يسعى، بكل الطرق والوسائل إلى أن يجعل من أفلامه حاملة لبصمة إخراجية مغايرة إلى حد ما. ولكن يبقى التساؤل مطروحاً: ما الذي أراد نولان أن يقدمه في «الأوديسة»؟ فكما هو معلوم، فثمة معالجات سينمائية وتلفزيونية متعددة لهذه الملحمة، وقد قُدمت للمشاهد بصيغ مختلفة على مدار عقود، ما يجعل من فعل إعادة إنتاجها محكوماً بالمقارنة، كما سؤال الإضافة، ومن أهم تلك الأعمال التي خضعت لمعالجات متعددة تفاوتت في درجة اقترابها من النص الهوميري فيلم «أوليس» للمخرج ماريو كاميريني سنة 1954، ثم «الأوديسة» سنة 1968، فضلاً عن معالجة أندريه كونشالوفسكي سنة 1997، وصولاً إلى صيغ أكثر تحرراً من الأصل، كما في فيلم الأخوين كوين «يا أخي، أين أنت؟» سنة 2000، الذي استعاد بنية الرحلة في سياق أمريكي مغاير. كما قدم فيلم «العودة» سنة 2024 قراءة ركزت على عودة أوديسيوس إلى إيثاكا، وما خلفته الحرب في شخصيته من آثار نفسية وإنسانية.
ومن هنا، فإن قيمة معالجة نولان لا تنهض على مجرد استعادة الملحمة، أو اكتشاف أبعاد لم تتطرق إليها السينما، بقدر ما تتصل بالطريقة التي يعيد بها تنظيم عناصرها ضمن رؤية أخلاقية وفلسفية تطال مفردات: الحب، والبطولة، والانتصار، والذنب، والاختيار، والإرادة بوصفها مجتمعة جزءاً من مساءلة أوسع لفعل الإنسان، ونتائجه. ومع ذلك فإن المشاهد لا يجد تمايزا حقيقياً في هذا الفيلم عن سائر الأفلام التي تحمل النمط عينه، وهنا أتحدث عن البناء السينوغرافي والتكوين البصري للمشهد، إذ يبقى الفيلم في جانب منه ضمن النمط الإخراجي الشائع الذي يعتمد على الفضاء الملحمي الطبيعي، كما العناية بالتفاصيل المعنية باستعادة حقبة زمنية بعيدة، بالإضافة إلى الملابس والإكسسوارات، ومشاهد القتال. فعلى الرغم من قيمة الفيلم على المستوى الإخراجي، ولا سيما من ناحية الحشود، وضخامة الإنتاج، والجهد التقني الكبير، غير أنه يبقى في هذا المستوى قريباً من تقاليد هوليوود، غير أن هذا لا يعني غياب الإضافة كلياً، إذ يمكن التمييز هنا بين تقليدية الشكل الملحمي من ناحية، وجدة القراءة الأخلاقية الدلالية التي يقترحها نولان من ناحية أخرى؛ فالفيلم لا يرغب في أن يعيد اختراع الصورة الملحمية، بقدر ما يعيد توجيه معناها، بحيث تتحول الفرجة من غاية في ذاتها إلى مساءلة قضايا فلسفية، وما يترتب عليها من كلفة إنسانية، فالتمايز الحقيقي يتحدد بالرؤية التي يريد نولان أن يُخضع من خلالها الحكاية لأسئلة الإنسان المعاصر.
ولعل أول ما يلفت الانتباه اختيار طاقم تمثيل يكاد يجمع عدداً كبيراً من نجوم هوليوود؛ إذ يؤدي مات ديمون شخصية أوديسيوس، ملك إيثاكا، في حين يؤدي توم هولاند شخصية ابنه تيليماخوس، وتؤدي آن هاثاواي شخصية بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، بينما يظهر روبرت باتينسون في شخصية أنتينوس، أحد أبرز الخطّاب، بينما تؤدي زندايا شخصية أثينا، في حين تظهر تشارليز ثيرون في شخصية كاليبسو، وغيرهم؛ ما يجعل الفيلم قائماً على حشد تمثيلي يوازي إلى حد كبير ضخامته الإنتاجية التي هي إحدى سمات أفلام نولان.

الإضافة

إنّ القيمة الحقيقية للفيلم ربما تتلخص في تلك الرسائل التي ضمّنها كريستوفر نولان في هذه المعالجة، ويمكن أن نقسمها إلى مستويين: يتمثل الأول بالأبعاد الشائعة التي تتصل بالقيم الإنسانية، من ناحية الوفاء والحب والشجاعة والخيانة والاستغلال، وهي ما تجسده شبكة العلاقات التي تربط الشخصيات بعضها ببعض، في حين تنهض طبقة أخرى، ربما تبدو أشد قيمة، ومعنى، وتتصل برؤية نولان لفعل الإنسان تجاه أخيه الإنسان، ولا سيما حين يصبح الذكاء والقوة والقدرة على الابتكار أدوات لإنتاج الخراب أو الموت.
يستعيد مخرج الفيلم حرب طروادة، ولا سيما حيلة الحصان التي ينسب التقليد الأسطوري تدبيرها إلى أوديسيوس، غير أن نولان لا يتعامل معها على أنها حيلة عسكرية ناجحة، إنما ينظر إليها من خلال منظور أخلاقي أعمق. فالحصان في الفيلم يتجاوز معنى الانتصار إلى سؤال يتصل بقانون الضيافة أو «Xenia» الذي ينعته الفيلم بـ«قانون زيوس»، وبذلك تتحول الحيلة من علامة على ذكاء أوديسيوس، إلى فعل يفتح الباب أمام المجزرة والنهب، وانهيار الثقة بين البشر. وقد أوضح نولان نفسه، أن الحصان يمثل «الخطأ الأكبر» لأوديسيوس في قراءته للشخصية، ولهذا يبدو خراب طروادة وما رافقه من قتل وعنف، جزءاً أساسياً من شعور البطل بالذنب.
يعمد نولان إلى إحداث نوع من الإزاحة في مفهوم البطولة، إذ لا يعود الانتصار في الحرب كافياً لمنح البطل قيمته، ولكن ما ترتب على هذا الانتصار من تداعيات، ربما يقوض معناه من الأساس. فأوديسيوس يعود من طروادة منتصراً، غير أنه يبدو في الآن عينه مهزوماً، ولا سيما أمام ذاكرته، وذاته، فهل يمكن قراءة ذلك في معطى أو إشارة معاصرة نقدية للقيم، ولا سيما جزئية الخديعة على أنها علامات على انهيار القيمة الإنسانية أمام منطق القوة والمصلحة. ومن هنا يمكن أن تُقرأ رحلة أوديسيوس الطويلة، لا بوصفها عقاباً إلهياً مباشراً على جرائم طروادة، بالمعنى الذي تقرره ملحمة هوميروس، إنما بوصفها – في رؤية نولان- مساراً للعقاب الداخلي، أو التكفير تجاه أعدائه، وحتى رفاقه، فالحرب في معناها الحقيقي لم تكن سوى إحالة على نزوات بشرية، ومن هنا تحديداً تبرز واحدة من أهم إضافات الفيلم؛ إذ يصبح أوديسيوس، الذي طالما احتُفي بدهائه بوصفه أحد أسباب الانتصار، مطالباً بمواجهة الوجه الآخر لهذا الدهاء الذي تحول إلى أداة للخراب، ما يفسر مشاعر الصدمة والذنب تجاه ما حدث في طروادة على شكل استرجاعات، وهو بعد يتجاوز إلى حد كبير ما تنهض عليه الشخصية الهوميرية الأصلية.
قد لا تبدو العودة إلى إيثاكا استعادةً للمكان أو الحكم، بداعي أثر حضور بينيلوبي في المعادلة، ونعني تلك الحياة التي تركها أوديسيوس قبل الحرب، ونعني المعنى في جزء منه، ويتخلص بقيمة الحب، والوفاء، ولعل إقامة أوديسيوس في جزيرة كاليبسو قد اكتسبت – في رؤية نولان- معنى يتجاوز مجرد تعطيل رحلة العودة، فهذه الجزيرة قد تبدو جزءاً من النسيان بداعي زهور اللوتس، التي تعمل على إضعاف حضور الذاكرة لديه، ولكن في عمق آخر قد يبدو أوديسيوس ـ في لا وعيه – متردداً أمام العودة، لا بداعي التخلي عن إيثاكا أو بينيلوبي، ولكن خشية من عودة الوعي بالفعل المرتكب، أو ذلك المثقل بالموت، والدمار، وبالتحديد ألم الذاكرة، ما يناقض المعنى الملحمي الذي يربط عدم العودة بالرغبة في الخلود، وبناء على ذلك ربما نرى شيئاً من الإسقاط التأويلي لنقد الحرب في إطار معاصر. ولعل هذا المعنى يتعزز في عدد من المقاطع الحوارية، كما في الاستعادات المشهدية التي يقوم بها أوديسيوس للحرب، حيث يبدو كأنه يسعى إلى تبرير أفعاله حيناً، ومساءلتها حيناً آخر. وبهذا لا يعود السؤال متعلقاً بمن انتصر في طروادة، ولكن بمعنى ماذا تبقى من ذلك الرجل بعد ذلك الانتصار المكلف؟ وهكذا نخلص إلى نتيجة مفادها أن كريستوفر نولان ينتقل من إعادة إنتاج الملحمة إلى مساءلة مفهوم البطولة نفسه ضمن سياق أقرب للمسألة القيمية بالمعنى الإشكالي، أو بعبارة أخرى كيف نرى القيم التي لا تبدو مطلقة حقيقة حسب فلسفة نيتشه.

رؤى الذات

من ناحية أخرى، يعالج الفيلم علاقة الإنسان بمعتقداته، كما رؤيته للقدر ودور الآلهة، وهي صيغة تشكل جزءاً من الفلسفة الوجودية للإنسان بصورة أو بأخرى، غير أن نولان يتعامل مع حضور القوى المتعالية في الفيلم بقدر من الالتباس المتعمد؛ إذ يتيح للإنسان أن يرى أثرها في الطبيعة والريح والبحر، كما في الأشخاص المحيطين به، من غير أن يحسم دائماً الحدود بين الوجود الإلهي، والإدراك الإنساني لهذا الوجود، فتحدي «بوسيدون» بدا جزءاً من خيار الإنسان، أو خياره الذاتي، وعليه فإن التداخل بين الوجود البشري والإلهي يدفع لأسئلة عميقة تتصل بمعنى الإنسان، وقدرته على تحديد مصيره، ولا سيما في قراءة لسياق ذلك الزمن، وفهم الإنسان لتلك القوى، ومن ذلك الطبيعة عينها التي تبدو حاملة لإشارات الآلهة، وقواها، والأهم مواقفها تجاه الإنسان وأفعاله.
أما على المستوى النفسي، فقد يبدو الفيلم أكثر اهتماماً بتقديم أوديسيوس على أنه أقرب إلى شخصية مثقلة بالتجربة، والذاكرة، والذنب، ولعل هذا العمق يتجاوز عدداً من المعالجات السابقة التي اكتفت بالجانب المغامر من الشخصية، ما يمنح قراءة نولان قدراً من الخصوصية، حيث يمكن أن نلاحظ نسقاً ما، ونعني الصلة بين فيلمي: «الأوديسة» و«أوبنهايمر»؛ ففي الفيلمين ثمة إنسان يملك قدرة استثنائية على الابتكار، أو الذكاء، لكنه يكتشف لاحقاً أن القدرة على إنجاز شيء ما لا تعني بالضرورة أن إنجازه كان صحيحاً، فضلاً عن التوابع الأخلاقية التي تنتج عن هذا الفعل، وبذلك فثمة تداخل جميل أو ذكي بين الجريمة، والذنب، والعقاب، والأخلاقي… ما يجعلنا نشعر بثقل الدلالات وتشعبها في هذا الفيلم.
إن فيلم «الأوديسة» كما فيلم «أوبنهايمر»، أو حتى «إنترستيلر» لا تقتصر القيمة فيها على الحدث، أو المغامرة، أو الفرجة البصرية التي باتت تحصيل حاصل، بقدر ما تتصل بإضافة طبقات دلالية تنحو نحو مساءلة الإنسان، ومسلكياته في هذه الحياة، وربما لهذا السبب يتميز نولان عن سائر المخرجين، ولا سيما الذين يعملون ضمن نموذج الفيلم الجماهيري بهذه السمة، أو الخصلة؛ فهو لا يكتفي باستثمار الحدث التاريخي، أو الأدبي، أو التخييلي بمقدار ما يسعى إلى أن يجعل من القصة الخام، جزءاً من معادلة صعبة أحد أهم أطرافها الإنسان، أو الإنسان الإشكالي، ولا سيما في عالم تحكمه سياقات، ورؤى مغايرة، فما يراه البعض صائباً قد يبدو للآخرين فعلاً شنيعاً أو جريمة، وبذلك يمكن القول إن أفلام نولان أقرب إلى أفلام تمزج بين الوعي والجمالي، ولكنها في الوقت عينه تنطوي على الكثير من القيم والإشكالات الفلسفية، مع انحياز واضح للإنسانية.

كاتب أردني فلسطيني