بيروت ـ «القدس العربي»: تثير العمليات الإسرائيلية المتصاعدة في الجنوب مخاوف متزايدة من احتمالات اندلاع المعركة بدءاً من تلة علي الطاهر تزامناً مع عدم تحديد موعد جديد للجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما.
وقد عمد جيش الاحتلال أمس إلى حرق منازل في بلدة بيوت السياد ونفّذ عملية تفجير عنيفة فيها وفي بلدة مجدل زون ودوحة كفررمان وأطراف صربين. وهزّت ثلاثة تفجيرات إسرائيلية مدينة بنت جبيل، وأفيد عن انفجار مسيّرة مفخخة في أجواء المنصوري. وسقطت مُحلّقة إسرائيلية مزوّدة بصاروخ أمام منزل قيد الإنشاء في بلدة حبوش. وأطلقت دبابة «ميركافا» عدداً من القذائف على بلدة المنصوري بموازاة قصف متقطع على أطراف حداثا.
وكان الطيران الحربي شنّ غارة على محيط حرج علي الطاهر لجهة حي الدير في النبطية الفوقا، واستهدف بسلسلة غارات فجراً محيط الطيبة وديرسريان والنبطية الفوقا والقنطرة، تزامناً مع تحليق الطيران المسيّر فوق الضاحية الجنوبية على مستوى منخفض.
وبعدما كشف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن تواصله مع مقاتلي «حزب الله» على الخطوط الأمامية في الجنوب، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين مطلعين «أن الحرس الثوري استغل حالة الهدوء التي أوجدتها مذكرة التفاهم لتهيئة الأرضية مع التنظيمات الحليفة في المنطقة من أجل تكثيف الهجمات عند الضرورة». وأشارت إلى «أن إيران أرسلت مستشارين إلى لبنان والعراق واليمن لمناقشة الخطط»، لافتة إلى «أن مسؤولي استخبارات عربية رصدوا أدلة تشمل اتصالات بين ايران وأذرعها في تلك الدول».

إيطاليا متقدمة

في غضون ذلك، دخل البحث عن قوة دولية بديلة لقوات «اليونيفيل» في جنوبي لبنان في مأزق، بعدما طلبت دول مرشحة للمشاركة وفي مقدمتها إيطاليا، ضمانات أمنية وسياسية قبل إرسال جنودها أو تحويل قواتها الموجودة حالياً إلى جزء من الترتيبات الجديدة، وفق معلومات حصل عليها «إرم نيوز» من مصادر سياسية لبنانية. وقالت هذه المصادر «إن النقاشات لا تزال في مراحلها الأولى، لكن الدول التي تواصل معها لبنان، وبينها إيطاليا وألمانيا وسويسرا، أبدت موقفاً متقارباً، وهو أنها غير مستعدة للانتشار في بيئة تبقى مفتوحة على الضربات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه لا توجد فيها ضمانات كافية بشأن موقف «حزب الله» من القوات الجديدة وصلاحياتها، خاصةً إذا أُنيطت بها مهمة التحقق من تفكيك بنيته العسكرية».

الاحتلال أحرق منازل وواصل غاراته وتفجيراته وسط بحث عن قوة دولية بديلة لـ«اليونيفيل»

وحسب المصادر، «تطالب الدول المعنية بفترة من الهدوء ووقف العمليات الإسرائيلية تتيح للقوة الجديدة بدء عملها بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لكن إسرائيل ترفض حتى الآن تقديم ضمانات من هذا النوع، كما ترفض وقف عملياتها لفترة تمهيدية أو الانسحاب من إحدى المناطق التجريبية، لتكون الخطة أمام مفارقة أن القوة المفترض أن تتحول إلى جهة ضامنة للاستقرار في الجنوب تبحث هي نفسها عمن يضمن أمنها».
وتشير المعلومات إلى «أن إيطاليا أصبحت الخيار اللبناني الأول، ليس فقط بسبب علاقاتها مع بيروت، وإنما نتيجة تحول روما خلال الأشهر الماضية إلى إحدى ساحات إدارة الملف اللبناني، بعد استضافتها جولتين من المفاوضات، وإجرائها اتصالات ثنائية مع الأطراف المعنية، بالتوازي مع اهتمامها بآلية التحقق والترتيبات التي ستلي انتهاء ولاية اليونيفيل». وكانت مصادر لبنانية كشفت في وقت سابق «أن إيطاليا وألمانيا وسويسرا وإندونيسيا ودولاً أخرى طُرحت للمشاركة في آلية للتحقق من نزع سلاح «حزب الله»، فيما بقيت أسئلة أساسية بلا إجابات، بينها حدود حركة المراقبين، وإمكان دخول القرى والممتلكات الخاصة، وطبيعة العلاقة مع الجيش اللبناني. واقترحت ايطاليا تشكيل قوة متعددة الجنسيات أصغر حجمًا ومصرّحًا بها من الأمم المتحدة، لتحل محل «اليونيفيل»، بحيث تركز هذه القوة على دعم الجيش اللبناني وحماية المدنيين، ومساندة آلية وقف إطلاق النار التي ترأسها الولايات المتحدة وأي ترتيبات مستقبلية لنزع السلاح، وتسهيل خفض التصعيد بين إسرائيل ولبنان، فضلاً عن مراقبة الانتهاكات والإبلاغ عنها.

عون: تفادي الويلات

في المواقف، جدد رئيس الجمهورية جوزف عون التأكيد «أن قرار المفاوضات اتخذ لتفادي الويلات والمآسي التي سببتها الحرب»، معتبرًا «أنها رغم صعوبتها والعراقيل التي تواجهها، تبقى أفضل بكثير من الحرب». وخلال استقباله وفد المجلس العام الماروني برئاسة المهندس ميشال متى، شدد عون على «أن الأهداف المشتركة تتمثل في تحرير الجنوب ونشر الجيش حتى الحدود واسترجاع الأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى «أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها بالحرب، وبالتالي لا خيار إلا التفاوض».
وأوضح رئيس الجمهورية «أن بناء الأوطان مسؤولية مشتركة، وأن مصلحة الوطن يجب أن تبقى أولوية وفوق أي مصلحة شخصية»، لافتاً إلى «أن شباب لبنان وجيله الجديد هم الرافعة الأساسية»، لافتًا إلى «أن صلابة اللبناني وإيمانه بوطنه شكّلا أساس القدرة على تخطي الصعوبات وبقاء لبنان صامدًا».
على صعيد آخر، قال «إن الحكومة بدأت معالجة مسألة الفساد المستشري على مدى سنوات، وإن الدولة تخوض حربًا ضد من يرفض منطق الدولة، وإن الإجراءات الإصلاحية الاقتصادية والمالية التي اتخذتها الحكومة ليست كافية، لكنها حققت نموًا كان متوقعًا أن يزداد هذا العام قبل أن تقضي الحرب على هذا الأمل».

جشي: أضرار اتفاق الإطار

في المقابل، توجه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسين جشي إلى «رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض اللبنانيين التابعين للمشروع الأمريكي الإسرائيلي»، بالقول: «إن السيادة تبدأ بتحرير الأرض ودحر الاحتلال وردع العدوان وحماية الشعب وأرزاقه وتسليح الجيش الوطني بالإمكانات الكافية والقرار السياسي لمواجهة العدو»، مشدداً على «أن التلطي خلف موضوع حصر السلاح في ظل الاحتلال والعدوان يندرج في إطار المؤامرة الوجودية على شعب لبنان الأبي المقاوم، وأن المقاومة لن تسمح بذلك مهما غلت التضحيات، «ولله رجال إذا أرادوا أراد».

عون: قرار المفاوضات اتخذ لتفادي الويلات ومآسي الحرب… والنائب جشي عدّد أضرار «اتفاق الإطار»

وأكد جشي من بلدة الشهابية «أن السيادة كلٌ لا يتجزأ»، مذكراً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة «بأن الأوطان تبنى بالتمسك بالوحدة بين المؤسسات والشعب والتعاضد في مواجهة العدو الخارجي، وأنه لا يحق للسلطة الاستقواء بالخارج ضد أكثرية الشعب المؤيد لمقاومة الاحتلال والذي يريد العيش بكرامة»، وقال «لا يحق للسلطة العاجزة عن حماية اللبنانيين وأرزاقهم أن تجرم المقاومة مع وجود الاحتلال الذي يوغل في القتل والهدم والتدمير والتفجير يومياً، فيما هذه السلطة تكتفي أحياناً بالاستنكار الاعلامي وتتفرج على قتل الأطفال والنساء والشيوخ بدون اتخاذ أي موقف عملي، بل للأسف فإن السلطة تستمر في المفاوضات المباشرة العقيمة والعبثية التي تشكل غطاء لجرائم العدو بحق أهلنا».
وأكد نائب «الحزب» «أن اتفاق الاطار تترتب عليه أضرار كبيرة، بدءاً من خطورة مقاربة الصراع مع العدو من صراع وجودي عقائدي وصولاً إلى ربط الاحتلال، المدان قانوناً، بمشكلة وجود السلاح الذي تصنفه السلطة الحالية على أنه غير شرعي، وتشجيع العدوان على لبنان الذي بدأ في عام 1948 تاريخ إنشاء هذا الكيان الموقت من مجزرة حولا 1948، إلى مجزرة مسجد العباسية عام 1978 فضلاً عن الأطماع الإسرائيلية المعلنة في لبنان ومنها كلام «نتنياهو» أكثر من مرة أنه في مهمة روحية لإنشاء دولة «إسرائيل الكبرى» التي تشمل لبنان كله».
واستعرض النائب جشي «الأضرار التي تترتب على اتفاق الإطار»، قائلاً: «إنه تجاوز لاتفاقية الهدنة مع العدو عام 1949، وتجاوز للمبادرة العربية لإنهاء العداء مع «إسرائيل» التي انبثقت عن القمة العربية عام 2002 في بيروت، وتجاوز لاتفاق الطائف الذي يؤكد العداء للإسرائيلي ويشرع للبنان استخدام كل الوسائل لطرد الاحتلال، وتجاوز للقانون الدولي الذي يجرم الاحتلال من قبل أي دولة لأراض في دولة أخرى، ولا علاقة للعدو بالسلاح الموجود في لبنان، ثم التواصل المباشر مع العدو الذي تترتب عليه مخالفة للقانون اللبناني الصادر عام 1955 والذي يجرم كل أشكال التواصل مع العدو الصهيوني، إضافة إلى إيقاف حق لبنان بمقاضاة العدو على الجرائم التي ارتكبها بحق اللبنانيين قتلاً وهدماً للبيوت وتدميراً للأرزاق والاقتصاد، وإعطاء العدو الإسرائيلي والامريكي حق تقييم أداء الجيش في تنفيذ ما يطلب منه في المناطق التجريبية وفرض إجراءات في بلدات لم يدخلها الاحتلال أصلاً مثل فرون والغندورية وصريفا، ومنع الأهالي من العودة إلى ديارهم.
أما الأضرار غير المباشرة لهذا الاتفاق فهي الانقسام الحاد بين اللبنانيين، فيما عبّر أكثر المعنيين في لبنان عن معارضتهم لاتفاق الاطار، وشرعنة وجود الاحتلال وقد شكر «نتيناهو» حكومة لبنان أكثر من مرة على ذلك».