للريادة أفضالها بالتأكيد، وللسبق مكافآته. ولكنْ للمتأخّرين أيضاً ميزاتٌ ما، وتكافئهم الحياة بطريقتها.
نأتي، نحن السوريين، إلى الدنيا متأخّرين، ندخل القرن الجديد متأخّرين عن بقية العالم ربع قرن على الأقلّ، بل في بعض المجالات ندخل ستينيّات القرن العشرين في العام 2026. كلّ شيء في هذا العالم الحديث نعرفه، لكنّنا نعرفه نظرياً، إمّا شاهدناه وإمّا قرأنا عنه، أو حكاه لنا الأصدقاء والأقارب الذين جرّبوه واستخدموه في مغترباتهم، ونحن الآن نلتقيه وجهاً لوجه.
تصل إلى أسواقنا بضائعُ جديدة، تشبه الأعاجيب، غسّالات سوداء، وعلب بسكويت محشو بدبس القصب، وأجهزة بديلة للسكائر، وهرّاسات ثوم من النيكل، وملاقط غسيل تلقط من الداخل والخارج، ورفوف براد تعمل بالمغناطيس، وشيخ مصري يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عبر توزيع ملابس سوداء تغطّي أجساد النساء، ونساء، وسيارات مستعمَلة تعمل بالبنزين وبالمازوت وبالكهرباء، وبتهجين اثنين منها. وكلّها استخدمها آخرون في عوالم أخرى سنواتٍ طويلةً، وروّضها وألجمها قبل أن تصل إلينا. حين بدأت سيارات هجينية تصل، تعمل على الكهرباء والبنزين معاً، كان قد فاتنا ربع قرن على انتشار هذا الاختراع، صحيح أنّنا شاهدناها في شاشات التلفاز، وقرأنا عنها على السوشيال ميديا، وسمعنا صديقنا القادم من الخارج يحكي تجربته معها، ولكنّ ذلك لم يحمنا من أن نتجمّع حولها لنشاهد هذه الأعجوبة، ندور ونمرّر أيدينا على جسمها الحديدي الذي يشبه جسم أيّ سيارة أخرى، نلمس بتردّد قبضة الباب التي تخرج من مكانها كهربائياً، وحين نجرّبها عند بائع أو صديق، نربّت على دوّاستها برفق وحذر خوفاً من أن تطير. نجرّبها أصلاً في ساحات ترابية سُوّيت على عجل لتكون صالات بيع مرتجلة للسيارات.
تمشي خطوات رفع العقوبات الأميركية واحدة تلو الأخرى، ويخرج المحلّلون والخبراء ليقلّبوا جوانب الموضوع القانونية والسياسية والاقتصادية، وكلّهم يمتلكون ميزةً واحدةً تجعل كلامهم حكيماً وصحيحاً، وميزتهم أنّهم يتكلّمون في شيء معروف للغاية، ومجرَّب ومتكرِّر. فما أسهل أن تشرح لجمهورك في عام 2026 كيف يعمل نظام السويفت، وكم ستبدو خبيراً اقتصادياً نحريراً وأنت تحظى بجمهور لم يرسل حوالة مصرفية عبر تطبيق في حياته، ويستمع إليك باهتمام، ستبدو وكأنّك وزير الخزانة الأميركي في 1944، أو ستيف جوبس في 1989.
الخبراء اليوم، والمسوّقون والصحافيون، يتحدّثون لجمهور لم يشترِ أغنيةً إلكترونياً، ولا ترقية لاشتراك في تطبيق، ولم يحجز تذكرة طائرة، لأنْ لا طائرة ستسمح له بالصعود على متنها. صحيح أنّ ملايين السوريين سافروا إلى بلاد الله الواسعة، لكنّ أغلبهم عبر الرحلة بقوارب مطاطية وبالسير عبر الغابات.
نبدأ الحياة ونحن نعرف كثيراً عن الأمر، شاهدناه في الأفلام، سمعناه من أصدقاء وأقارب، عشنا فيه ومعه مثل الآخرين تقريباً، حتّى إنّنا نظنّ أنّنا نعرفه حقّاً، إلى درجة أنّ من يقرأ هذا العمود سيشعر بالاستياء قليلاً، لأنّه يقدّم السوريين بوصفهم متأخّرين متخلّفين، وقد يسمّيه جلداً للذات. والأرجح أن يشعر أنّه غير مقصود، لأنّه يعرف، فقد دفع مرّة إلكترونياً لركن سيارة في الجميرة، واشترى اشتراكاً في تطبيق لتعديل صور بالذكاء الاصطناعي بعد أن شغّل “في بي إن” (سايفون المجّاني تحديداً). وأهدته أخته من السويد شهرَيْن في “كلاود”، وجرّب النسخة المجّانية من أحد تطبيقات التداول بالأسهم، واشترى وباع نفطاً ونحاساً وأسهماً في “كوكا كولا”، وتاجَر بالعملات الرقمية.
يقولون إنّ ظاهرة “ديجافو” التي تختصر شعور الإنسان بأنّه عاش الموقف بتفاصيله من قبل، هي آلية دفاع عقلية أو خدعة نفسية تساعدنا على حسن التصرّف في المواقف المباغتة والأحداث الطارئة. ونحن الآن دخلنا جماعياً في هذه الحالة، نجرّب وصول الدنيا إلينا، ووصولنا إليها، ونحن نظنّ أنّنا نعرفها، وأنّنا عشناها سابقاً. ومن أجل ذلك، ومن أجل هذا الشعور، قلت إنّ للمتأخّرين ميزاتهم، وإنّ الحياة ستكافئهم بطريقة ما، وها هي تكافئنا بجعل الأمر أسهل وأسرع، عبر وهم أنّنا نعرف.
