لا يخفى  على “حزب الله” أن خصومه يركزون منذ انتهاء حرب الـ66 يوماً أنه فقد الكثير من مزايا الحضور والتأثير والفعل التي حصلها وتحصن بها قبل أن يقرر خوض مغامرة اسناد غزة التي عادت عليه بالخسارات، وأنه استطراداً وبفعل هذا الوضع. اضطر الى التراجع نحو مربع الدفاع المستميت عن الوجود. 

واقع الحال، أمر أقرّ به الحزب في أكثر من محطة ومناسبة في سياق إقراره بالتحولات والتغيرات التي عصفت به وببيئته، وفرضت عليه كإثبات إعادة هيكلة منظومته العسكرية، وإجراء تبديلات في هرميته القيادية والادارية، مضافاً الى ذلك عنصر إثبات آخر تجلى أخيراً بالخطاب “الانفتاحي” الخارج عن السياق الذي وصل به الى حد الإعلان أن أبواب الحوار مع الولايات المتحدة ليست مقفلة.

والثابت أن الخسارة الأكبر التي مني بها الحزب، ولم ينكرها يوماً، هي خسارة أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله الذي مثل للحزب وبيئته الحاضنة قيادةً تاريخية استثنائية، فرضت على الحزب في مرحلة من المراحل أن يعلق العمل بمادة أساسية  في نظامه الداخلي تفرض تداول منصب الامانة العامة (لولايتين فقط).

وعليه، كان التحدي الاكبر عند الحزب ملء الفراغ المدوي الذي أحدثه غياب نصرالله قبل نحو عامين.

 

مناصرون لحزب الله يرفعون صورة نعيم قاسم (أ ف ب).

مناصرون لحزب الله يرفعون صورة نعيم قاسم (أ ف ب).

 

 

بطبيعة الحال لم يكن خليفته الشيخ نعيم قاسم، مفأجاة أو استثناء، فهو كان يشغل منصب نائب الأمين العام منذ مطالع التسعينات، وحمل ملفات حسّاسة ووازنة، فضلاً عن أنه من جيل الآباء المؤسسين للحزب منذ مطالع الثمانينات. ومع ذلك، فإن كل هذا الرصيد الكبير الذي حصّله بفعل أدوار ومهمات شغلها، فإن الحزب قيادةً وقاعدة، ظلّ مقيماً عند حالة من الخشية والشك من نتائج هذا الاختبار الصعب الذي كان عليه أن يخوضه والذي كان مرسوماً له أن ” يهدّ” بنيان الحزب، وفق قول أطلقه قاسم نفسه في أول ظهور له بعد تسميته أميناً عاماً.

وليس غريباً القول أن التحدي الاكبر في سياق تحديات تلك اللحظة التي تلت إعلان نبأ سقوط نصرالله في مخبئه في حارة حريك، تجسّد أكثر ما يكون في مدى التفاعل العام مع الاطلالات والظهورات الإعلامية للشيخ قاسم، إذا ما شاء أحد أن يقيسها،  بإطلالات سلفه التي كانت في ذاتها حدثاً مدوياً يشغل الرأي العام ويبنى عليها الكثير، حتى أن ثمة في بيئة الحزب من اعتبر تلك الاطلالات عنصراً أساسياً من  عناصر صعود الحزب، وحجز مكان له في واجهة المشهد الداخلي والاقليمي.

ومع دنو الذكرى الثانية لغياب نصرالله، فإن ورشة تقييم انطلقت داخل مناخات الحزب وخارجه حول أداء خليفته. ومع الاقرار الجماعي  بأن خسارة السيد نصرالله ليست من الخسارات التي تُعوَّض في مدة زمنية محددة، ولكن ثمة رأياً داخل أروقة الحزب يعتبر أن إطلالات الشيخ قاسم بمثابة التعويض المقبول الى حدّ ما عن الفراغ الذي تركه رحيل نصرالله، فضلاً عن تجربته في إدارة قيادة شؤون الحزب، قد نجحت في الحدّ من مسلسل الخسائر الكارثية المتتالية التي مني بها الحزب في النصف الثاني من حرب الـ66 يوماً.

ومع الجهود الجبارة التي تقول قيادة الحزب إنها تبذلها للحؤول دون نجاح خطة أعدائه في شطبه بمفعول رجعي، إلّا أنّ الحزب يقر بأنه لايزال يعيش “السنوات العجاف” وخصوصاً أنه مقتنع بأن خسارته الكبرى لم تكن في فقدانه القائد الاستثنائي فحسب، بل أيضاً في خسارة الموقع والدور والأهم قدرة الردع التي بناها في سنوات الجمر.