بقلم : رانية فؤاد مرجية
– كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
هناك أناس نعبر حياتهم كما نعبر محطة عابرة، وهناك أناس يدخلونها بهدوء، ثم نكتشف بعد سنوات أن حضورهم لم يكن عابرًا، وأنهم تركوا في أرواحنا شيئًا لا يمحوه الزمن.
عماد فرو واحد من هؤلاء.
ولأنني أكتب عنه من موقع الصداقة، لا من موقع المتفرج، أعرف أن الكتابة عن إنسان قريب من القلب ليست سهلة. فحين يكون الشخص صديقًا نعتز به، تصبح الكلمات أقل من أن تفيه حقه، ويصبح المديح عاجزًا عن لمس الحقيقة التي نعرفها عنه في التفاصيل الصغيرة، وفي المواقف التي لا يراها الجمهور.
لذلك، لن أكتب عن عماد الفنان فقط.
سأكتب عن عماد الإنسان.
عن صديق أعتز به، وعن رجل عرفت فيه قيمة نادرة في زمننا: أن يكون الإنسان موهوبًا دون أن تستولي عليه موهبته، ومعطاءً دون أن ينتظر المقابل، ومتواضعًا دون أن ينتقص من قدر نفسه.
الإنسان قبل الفنان
عرفت عماد إنسانًا قبل أن أعرفه فنانًا.
وهذه بالنسبة لي ليست مسألة عابرة.
فالفن يمكن أن يمنح صاحبه حضورًا، والشهرة يمكن أن تمنحه اسمًا، والموهبة يمكن أن تفتح له الأبواب، لكن كل ذلك لا يصنع بالضرورة إنسانًا جميلًا.
الإنسانية هي الامتحان الأصعب.
وعماد نجح في هذا الامتحان بصمته، وبسلوكه، وبطريقة تعامله مع الناس.
هو من أولئك الذين لا يجعلون من عطائهم مناسبة للحديث عن أنفسهم. يعطي من وقته، ومن اهتمامه، ومن معرفته، ومن محبته، وأحيانًا يعطي من نفسه، وهي أثمن الأشياء التي يمكن أن يمنحها الإنسان لغيره.
والأجمل أنه لا يجعلك تشعر بأنك مدين له.
وهنا، في رأيي، تكمن عظمة العطاء.
فليس كل من يعطي كريمًا؛ هناك من يعطي ليُرى عطاؤه، وهناك من يعطي لأن العطاء أصبح جزءًا من تكوينه.
وعماد من النوع الثاني.
العطاء عنده ليس موقفًا عابرًا، بل طبع.
التواضع الذي لا يحتاج إلى شهادة
ما يلفتني في عماد أكثر من أي شيء آخر هو علاقته بموهبته.
فهو يعرف قيمة ما يملك، لكنه لا يجعل الآخرين يشعرون بصغرهم أمامه.
وهذه هي قمة التواضع.
التواضع الحقيقي ليس أن ينكر الإنسان قدراته، بل أن يعرف قيمته دون أن يحتاج في كل لحظة إلى إثباتها.
أن ينجح ولا يتعالى.
أن يُعرف ولا ينسى من حوله.
أن يكون قادرًا على الوقوف في الصف الأول، لكنه لا يرى في الصفوف الأخرى مكانًا أقل قيمة.
وعماد يمتلك هذا النوع النادر من التواضع؛ تواضعًا لا يبدو مصطنعًا، ولا يحتاج إلى كلمات كبيرة، لأنه يظهر في التفاصيل.
في الإصغاء.
في الاحترام.
في بساطة التعامل.
وفي قدرته على أن يرى الإنسان قبل أن يرى مكانته.
الفن الذي يسكن صاحبه
عماد فنان، ولا يمكن الحديث عنه دون الحديث عن الموسيقى.
لكنني لا أراه ممن يمارسون الفن فقط؛ أراه ممن يعيشون الفن.
في علاقته بالعود والموسيقى شيء يتجاوز الأداء.
هناك ذاكرة، وحنين، ومكان، وروح شرقية، وإحساس بأن الموسيقى ليست مجرد نغمات، بل لغة أخرى للإنسان حين تعجز الكلمات.
وربما لهذا تصل موسيقاه إلى الناس ببساطة؛ لأنها لا تأتي من التقنية وحدها، بل من إحساس حقيقي.
لكن أجمل ما في الفنان، في رأيي، ليس ما يفعله أمام الجمهور، وإنما ما يبقى منه بعد أن ينتهي التصفيق.
وعماد، بعد كل الأضواء، يبقى عماد.
الإنسان الذي يجلس مع الناس ببساطته، ويصغي إليهم، ويحترمهم، ويمنحهم من وقته وحضوره.
وهنا تصبح قيمة الفن أكبر.
فالفن الحقيقي لا يزيّن الإنسان من الخارج فقط؛ بل يكشف ما في داخله.
صديق أعتز به
قد يبدو الحديث عن الصداقة أمرًا شخصيًا لا يخص القارئ، لكن بعض الصداقات تستحق أن تُقال علنًا لأنها تذكرنا بقيمة العلاقة الإنسانية في زمن أصبحت فيه العلاقات سريعة، كثيرة، وقليلة العمق.
عماد صديق أعتز به.
والصديق الحقيقي، بالنسبة لي، ليس من نلتقيه في المناسبات فقط، ولا من تكثر معه الصور والعبارات الجميلة.
الصديق الحقيقي هو من تعرف أنك تستطيع أن تراه بعيدًا عن كل شيء:
بعيدًا عن المسرح،
بعيدًا عن الأضواء،
بعيدًا عن المجاملات،
ثم تبقى مطمئنًا إلى قلبه.
وهذا ما أشعر به تجاه عماد.
هناك أصدقاء نحبهم لأنهم يشاركوننا الذكريات، وهناك أصدقاء نعتز بهم لأن وجودهم نفسه يمنحنا شعورًا بالأمان.
وعماد من النوع الثاني.
ما لا تراه الكاميرات
في حياة كل إنسان مواقف صغيرة لا تصلح للصحافة، ولا تُكتب في السيرة الذاتية، لكنها ربما تكون أكثر صدقًا من كل ما يُكتب عنه.
كلمة قيلت في وقتها.
وقفة إلى جانب شخص محتاج.
مساعدة لم يُعلن عنها.
سؤال صادق عن إنسان غائب.
اهتمام لا يعرفه أحد.
هذه التفاصيل لا تصنع شهرة، لكنها تصنع إنسانًا.
وأنا، لأنني عرفته عن قرب، أعرف أن خلف الصورة العامة إنسانًا كثير العطاء، لا يتعامل مع الخير كصفقة، ولا مع المحبة كدين، ولا مع الصداقة كحساب.
وهذا تحديدًا ما يجعلني أقدّر وجوده في حياتي.
العطاء في زمن الحسابات
نعيش في زمن صار فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للحساب.
كم أعطيت؟
ماذا أخذت؟
ماذا استفدت؟
من وقف معك؟
ومن لم يقف؟
حتى العلاقات الإنسانية أصبحت عند البعض دفتر حسابات.
وفي وسط هذا كله، يأتي أشخاص يذكّروننا بأن هناك عطاءً لا يُقاس.
أن تعطي لأنك تستطيع.
أن تساعد لأنك ترى حاجة الآخر.
أن تمنح وقتك لأنك تحترم الإنسان.
أن تقف إلى جانب صديق دون أن تسأله ماذا سيضيف ذلك إلى رصيدك.
هذه ليست سذاجة.
هذه قوة أخلاقية.
وعماد، في نظري، يمتلك هذه القوة.
أجمل ما يمكن أن يقال عن إنسان
كثيرون يسعون وراء الألقاب.
الفنان.
المثقف.
المبدع.
المشهور.
لكنني أؤمن أن هناك لقبًا واحدًا يتفوق على كل هذه الألقاب:
أن تكون إنسانًا جميلًا.
قد تتغير الأذواق.
وقد تخفت الأضواء.
وقد تنسى الذاكرة بعض الأعمال والأسماء.
لكن الإنسان الذي ترك أثرًا طيبًا في قلوب من عرفوه لا يختفي بسهولة.
تبقى سيرته في كلمة.
وفي موقف.
وفي دعوة صادقة.
وفي شخص يقول بعد سنوات:
كان عماد إنسانًا جميلًا.
وهذا، بالنسبة لي، أكبر من أي شهادة يمكن أن يحصل عليها فنان.
كلمة لصديق
يا عماد،
ربما لا نقول للأصدقاء الذين نحبهم كل ما نشعر به تجاههم.
نؤجل الكلام الجميل، وكأن الوقت مضمون، وكأن المناسبات ستأتي دائمًا، وكأن الإنسان يعرف وحده مكانته في قلوبنا.
لكنني لا أريد أن أؤجل هذه الكلمة.
أريد أن أقولها الآن:
أنا أعتز بك صديقًا.
أعتز بإنسانيتك قبل فنك، وبعطائك قبل إنجازاتك، وببساطتك قبل حضورك، وبذلك القلب الذي ما زال يعرف كيف يمنح دون حساب.
شكرًا لأنك من الأشخاص الذين يجعلوننا نؤمن أن الخير لم ينقرض، وأن التواضع ما زال ممكنًا، وأن الصداقة يمكن أن تكون مكانًا آمنًا وسط عالم كثير الضجيج.
وشكرًا لأنك تذكّرني بأن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما ينجزه، بل بما يتركه في نفوس الآخرين.
قد تنتهي الأغنية.
وقد يهدأ التصفيق.
وقد تُغلق المسارح أبوابها.
لكن ما يتركه الإنسان في قلوب من أحبوه لا ينتهي بسهولة.
ولهذا أقول لك، يا عماد:
ربما يعزف الفنان على العود، لكن الإنسان الجميل يعزف على قلوب الناس.
وأنت تركت في قلوب من عرفوك لحنًا لا يحتاج إلى موسيقى كي يُسمع.
لأن بعض الألحان لا تُعزف…
بل تُعاش.
