على مسرح المجمع الثقافي في قلب العاصمة الثقافية أبوظبي، عاشت النساء، مساء أول من أمس، ليلة استثنائية بقيت في الوجدان، مع الإطلاقة الأولى لمبادرة “رياحيات” الثقافية، التي أُقيمت تزامناً مع يوم المرأة الإماراتية، احتفاءً بإنجازاتها ومسيرتها ودورها في المجتمع.

فمنذ اللحظة الأولى، تحولت القاعة إلى فضاءٍ من الطرب والفرح والحنين، جمع النساء حصرياً حول الأغنية العربية الأصيلة، في أمسية “من صنع النساء وللنساء” أطلقتها شركة Highways Arabia بشراكة مؤسِّستيها سناء القزي وكالين ناصيف، لتكون أولى تجاربهما مع حدثٍ جماهيري مفتوح، ومساراً جديداً نقلتا فيه خبرتهما في صناعة القصص من الشاشة إلى المسرح، فصنعتا تجربةً حيّة جمعت الأصالة بالمتعة وجعلت الجمهور جزءاً من الحكاية.

وقادت الأمسية الفنانة التونسية لمياء الرياحي، مؤسِّسة أول نادٍ نسائي للغناء في العالم العربي، التي أحيت الحفل بمشاركة “كورال العرب” وموسيقيين مقيمين في الإمارة، فصُنعت الليلة على مسرح أبوظبي وبمشاركة مواهبها في آنٍ واحد.

وافتتح الحفل قسم الأطفال في “كورال العرب” بأداء النشيد الوطني الإماراتي، وضم هذا القسم أطفالاً وأطفالاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، في لحظةٍ حملت معاني الانتماء والإصرار معاً، ومنحت الأمسية بُعداً إنسانياً منذ لحظاتها الأولى.

جسدت “رياحيات” في عرضها الأول في مدينة أبوظبي رغبة سناء القزي في أن تُقدَّم، من قلب المدينة، تجربةٌ تجمع الثقافة بالترفيه على تماسٍ مباشر مع الجمهور، بعد النجاح الذي حققته تجربة لمياء الرياحي الأصلية في تونس ومصر.

وجاءت الليلة تزامناً مع يوم المرأة الإماراتية تقديراً لما تقدمه دولة الإمارات من دعمٍ وتمكينٍ للمرأة الإماراتية ولكل امرأةٍ تعيش على أرضها.

وكانت القزي قد لفتت إلى أن المرأة تستحق أن تخوض تجارب ثقافية وفنية تجمعها وتتيح لها أن تغني وتفرح وتعبّر عن نفسها بعيداً من أدوارها وضغوطها اليومية، وهو ما تحقّق في مساحةٍ آمنة ومريحة للتعبير.

وبالنسبة إلى لمياء الرياحي، لم تكن الليلة للاحتفال فحسب، بل “تقديراً لمسيرة المرأة وإنجازاتها ودورها في بناء المجتمع”، إذ قالت: “كامرأةٍ عربية وفنانة، يسعدني أن أكون جزءاً من هذا الاحتفاء في هذا اليوم بالتحديد”.

وحملت هذه الانطلاقة رمزية خاصة لدى سناء القزي وكالين ناصيف، فكانت رسالة امتنان ورد جميل لإمارة أبوظبي التي احتضنتهما ومنحتهما أولى فرصهما المهنية، ورسالة أملٍ وفرح من النساء إلى النساء، واحتفاءً بما تمثله المرأة من قوةٍ وإبداعٍ وقدرةٍ على الاستمرار وصناعة المستقبل.

تميّزت الأمسية بأنها نمط فني تشاركي، لم يكن فيه الفنان وحده صاحب اللحظة الفنية، بل انفتح الباب أمام الجمهور ليكون جزءاً من التجربة، إيماناً من لمياء بأن الموسيقى ليست فقط ما نسمعه بل ما نعيشه ونشاركه — فجاءت الليلة ترفيهية واستشفائية في آنٍ واحد، ساعدت الحاضرات على التخلص من الطاقات السلبية، في مساحةٍ شعرت فيها كل امرأة أنها تستطيع أن تغني وتشارك من دون أحكامٍ أو حواجز.

وتنقل برنامج الحفل بين روائع كبار الفنانين العرب — من وردة وعبدالحليم حافظ إلى أم كلثوم وحسين الجسمي، وسميرة سعيد وماجدة الرومي وصولاً إلى ناظم الغزالي ـ في برنامجٍ جمع أغاني تراثية من مختلف البلدان العربية، بما واكب التنوع الفني والثقافي الذي يميز جمهور الإمارات.

فكانت الأغنية الواحدة كفيلة بأن تجمع أجيالاً مختلفة، وأن تجعل نساءً لا يعرفن بعضهن يغنين في اللحظة نفسها كأن بينهن تاريخاً مشتركاً، لتؤكد “رياحيات” أن التجربة الثقافية العربية الأصيلة يمكن أن تكون معاصرةً وممتعةً وقريبة، عابرةً للأجيال والثقافات.

وعلى الرغم من أن المبادرة تقودها النساء، فقد آمن بها رجال كثيرون، وفي مقدمتهم الدكتور أحمد عبدالستار، مؤسس ومدير “كورال العرب” والمدير الموسيقي للعرض، بما عكس أن قيادة المرأة لا تعني العمل بمعزلٍ عن محيطها، بل قدرتها على بناء مجتمع يؤمن برؤيتها ويساند نجاحها.

واختُتمت الليلة وسط تفاعل كبير وتصفيق حار، لتكون “رياحيات” بدايةً لمشروعٍ يسعى إلى الاستمرار والنمو في دولٍ أخرى، مع الحفاظ على جوهره القائم على الطرب والمشاركة واحتضان أصواتٍ نسائية متنوعة.

وبناء ثقة وعلاقة طويلة الأمد مع الجمهور تنمو من نسخة إلى أخرى. فقد كانت أمسية فنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها مساحة شعرت فيها المرأة أنها حاضرة ومسموعة وقادرة على التعبير عن نفسها بحرية وفرح، وليلة من العمر لن تنسى.