يحيل قرار مجلس الأمن إنهاء انتداب قوات الأمم المتجددة الموقتة في لبنان (يونيفيل) على حالة من الفراغ الجيوسياسي والقانوني حين يتكثف البحث عن مشاريع السلام الجزئية منها و”الكلية” في المنطقة، ويثقل الأمر على لبنان، بأن يترك الجنوب وسكانه عرضة للحرب العدوانية الإسرائيلية المستمرة بلا نهاية، وفي تعبئة غير مسبوقة لقدراتها العسكرية في القتل والتدمير والتجريف. ذلك أن نهاية عمل القوة الدولية، يأتي في الوقت الذي تجري فيه بين التهديدات والوعود مفاوضات الإطار بين البلدين العدوين. لكن لم تحصل بيروت على أي مكاسب لمطالبها بوقف إطلاق النار، وقف التدمير، توسيع المناطق التجريبية، انسحاب تدريجي مع جدول زمني، ما يضعف رصيد الحكومة اللبنانية الساعية إلى تجاوز إشكالية سلاح حزب الله، وتنفيذ إسرائيل القرارات الدولية بزوال الاحتلال.
يفترض التطبيق عبر المناطق التجريبية التزامن والتلازم بين الانسحاب وتفكيك سلاح الحزب، ويجب أن ينسحب أيضاً على “يونيفيل”، لأن الاتفاق يرمي إلى إنهاء الوضع الذي نشأت واستمرت بسببه، أي وقف نهائي للاجتياحات المتعاقبة منذ العام 1978، إلى آخر السلسلة التي حكمت بتجديد مجلس الأمن للقوات الأممية، وانتهاءً بخروجها نهاية العام الجاري. ما يعني إنهاء الاحتلال والسلاح معاً، أي تجاوز عقبات كثيرة في اتفاق الإطار الذي لا يمكن أن يكون بعيداً عن مضاعفات معلقة على التزام إسرائيل بتنفيذ اتفاقيات الهدنة العربية – الإسرائيلية عام 1948، والتي رسَّخت اتفاقية الهدنة عام 1949، وهي اليوم، بالنسبة إلى لبنان أهم كل القرارات الدولية الأخرى وأكثرها فعلاً.
لذلك تقدمت فكرة مستقبل “يونيفيل” في محادثات الرئيس جوزاف عون مع البابا لاوون الرابع عشر في الفاتيكان، ومع رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في سياق المبادرة الفرنسية الإيطالية لتشكيل قوة دولية بديلة متعدّدة الجنسيات، تحل محل”يونيفيل” (نافذة إيمانويل ماكرون المتبقية على لبنان). وكان قرار إنهاء المهمة في أغسطس/ آب 2025، قد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرتس إلى تقديم خيارات بشأن مستقبل تنفيذ القرار 1701(2026)، والسعي إلى تأمين بدائل تمنع قيام فراغ خلال المرحلة الانتقالية، ومعها عناصر الحماية السياسية للبنان في تثبيت حقوق الدولة ودعم الجيش واستكمال الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، فقرار مجلس الأمن 426 الذي حدّد صلاحيات القوات الدولية وأطر عملها، بما فيها الإطار الزمني، نصّ صراحة أنه فور إنهاء مهمتها، يعود العمل باتفاق الهدنة، فيما يسعى لبنان إلى الإبقاء على مهمة المراقبين العسكريين وتدعيمهم بقوات أوروبية.
خيارات البدائل عن “يونيفيل”، والحصول على تفويض لمهمة دولية جديدة تشبه بعثة هايتي ليست سهلة
يدرك لبنان أن المشكلة الأساسية تكمن في حقيقة أن المفاوضات حالياً رهينة للمناخ الانتخابي في إسرائيل، وإذا لم تنجح الجهود التفاوضية الدبلوماسية، ولو من زوايا جزئية، بتعزيز مصير الوطن والدولة، وبمستوى من الشمول لدقائق الأوضاع وتجاذباتها غير المفصولة عن التسوية الإقليمية لمضيق هرمز، وحيث لكل طائفة علاقتها الخارجية مع العواصم الممكنة، والبلاد رهينة للتدخلات الخارجية، ولا تنفكّ فيها استراتيجية حزب الله عن إيران، فممّا يزيد التحدّيات في المدى المنظور لجهة فاعلية القرارات السيادية، وأساليب التعامل مع ظروف المرحلة الفاصلة عن نهاية السنة الجارية لإرساء مسار تتطوّر فيه المبادرة السياسية في التفاوض المباشر. والدولة، التي لا تظهر رغبة في الغوص في تعقيدات الداخل، الطرف الأكثر إرباكاً والأقل تاثيراً في معادلة هي رهن شروط التسوية الأمنية الإقليمية التي ترعاها أميركا في المنطقة.
خيارات البدائل عن “يونيفيل”، والحصول على تفويض لمهمة دولية جديدة تشبه بعثة هايتي ليست سهلة، تحتاج إلى تعريف المهمة وتشريعها، وتعيين طرف ثالث للإشراف على الآلية. وهنا تبرز إشكالية عمل القوات الأوروبية، التي تحتاج إلى ضمانات لسلامة المراقبين على جغرافيا متغيّرة، وإنْ تقبل بما اتفق عليه في اتفاق الإطار برئاسة أميركية مرجعية تعود إليها الأمور الأمنية حصراً، وتضاف إشكالية أخرى تتعلق بتدريبات الجيش اللبناني على أيدٍ أميركية ودولية تفترض تنسيقاً لاحقاً مع القوات الإسرائيلية، ومخافة التعاطي السلمي مع جيش العدو، فقد تسهم بعثة أوروبية في تعزيز جهود واشنطن، شرط تنسيق الأوروبيين مقترحاتهم معها في السيادة ونزع سلاح حزب الله (تقرير معهد واشنطن). علماً أن اتفاق الإطار أقرّ بحاجة لبنان إلى شركاء دوليين لإرساء سيادته الكاملة على أراضيه، وعبرت عن ذلك مجموعة السبع في بيان طالب بـ “صون السلامة الإقليمية للبنان وسيادته مع ضمانات أمنية دولية ملائمة”، من خلال فرض تسوية ترغم إسرائيل على الانسحاب الشامل وإنهاء مسألة سلاح حزب الله، والدخول في مسارعملية الإعمار وإعادة البناء.
مع هذا، ليس واضحاً عما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية في ظروف تغيرت منذ “طوفان الأقصى” في غزّة وما تبعه. ويبرُز هنا تعنت قادة إسرائيل في إعلان بقائها في المناطق الأمنية التي احتلتها في لبنان وسورية وغزّة ورفضها الضغوط الأميركية للانسحاب منها قبل الانتخابات المرتقبة. في المقابل، تحاول الرئاسة اللبنانية المطالبة بإبقاء “يونيفيل” حتى عام 2030، ما لم يلق ردوداً إيجابية من البيت الأبيض، رغم أن 14 عضواً في مجلس الأمن يؤيدون تأجيل سحبها بحسب “هيومن رايتس ووتش”.
لقد نجحت حملات الدولة العبرية في اختلاق الحجج والذرائع لتشوية صورة عمل القوة الدولية، وإيجاد ظروف لانسحابها، وتحريض المجتمع الدولي إزاء فشلها في التعامل مع ترسانة حزب الله العسكرية، وابتدعت عدة ذرائع ساقتها في معرض تبرير رفضها استمرار وجودها، شاهداً دقيقاً وموثقاً لوقائع الاجتياحات المتكرّرة، وجرائم القتل وتهجير السكان والتدمير الشامل الممنهج للبنى التحتية والمنازل، وكل ما يؤكد مطامع إسرائيل الاستراتيجية في الأرض والمياه والنفط والغاز، مخالفة بذلك مبادئ القانون الدولي وقواعدها، والالتزامات التي ترتبها الاتفاقيات الدولية.
لبنان في مأزق الاستمرار في مفاوضات تتعلق بطريقة لملء الفراغ في غياب تقدّم في تنفيذ الاتفاق الإطاري
ويظهر إسفاف الموقف الأميركي في الضغط المتواصل على لبنان الرسمي من دون ضمان كيفية الانسحاب الإسرائيلي، لكي تبدو الدولة ذات مصداقية. والمفاوضات حول تنفيذ الاتفاق تبدو متعثرة، وأدّت إلى تخريب اتفاقية الهدنة وتمكين إسرائيل من تحقيق أهدافها التوسعية، فيجري العمل على ترتيبات أمنية أخرى عبر نزع الصفة الدولية المحافظ عليها في أكثر قرارات المنظمة الدولية المتعلقة بلبنان، ولا سيما في قرار مجلس الأمن 425.
لبنان في مأزق الاستمرار في مفاوضات تتعلق بطريقة لملء الفراغ في غياب تقدّم في تنفيذ الاتفاق الإطاري، مع الحرص الأميركي على كسر التوتر السياسي، والحفاظ على صورة المفاوض اللبناني الذي لا يمكنه تقديم الضمانة الأساسية للسلام والاستقرار، وفرض سيطرة كاملة ودائمة على الجنوب اللبناني، أو في محاربة إيران وحزب الله، ولا هو قادر على إعلان فشل جهوده في المفاوضات، أو الإقرار الفعلي بضعفه عن ضمان النموذج الدولي المطروح، وآلية التحقّق معلقة على تدخل واشنطن، أو الدعوة إلى مفاوضات بين الأطراف المتحاربة الفعلية.
هل سيضغط الأميركيون لإنقاذ العملية الدبلوماسية ومساعدة لبنان عسكرياً ومالياً لصالح احتكار الدولة للسلاح وفي ديناميات تفاوضية متغايرة في الموعد المقرّر في الأول من سبتمبر/ أيلول في روما (لا يزال غير مؤكد)، بمواكبة دولية، أم تكتفي وزارة الخارجية الأميركية بتحميل حزب الله المسؤولية الكاملة عن وجود إسرائيل على الأرض اللبنانية، فتتعمّق أزمات لبنان أكثر، والحرب مشكلة واحدة من أزمات خطيرة أخرى؟
