إن الحرس الثوري يخطط لتنفيذ عمليات تخريبية في مياه شرق آسيا، وإنه جنّد ثلاثة أشخاص لتنفيذ هذه المهمة عبر ثلاثة رجال دِين من تايلاند وإندونيسيا.
وبحسب مصدرين مطلعين وقريبين من الحرس الثوري، بدأ قائد الوحدة 4000، رحمان مقدم، التخطيط لتنفيذ هذه العمليات في مضيق ملقا، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، ومضيق بانغكا، وهو ممر حيوي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى ميناء في إندونيسيا وميناءين في الصين.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أعلنت في وقت سابق أن رحمان مقدم قُتل في 4 مارس (آذار) الماضي خلال الهجمات الإسرائيلية.
وبعد يوم واحد من نشر هذا الخبر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، أطلقت إيران طائرتين مسيّرتين باتجاه نخجوان في أراضي جمهورية أذربيجان. وعلى الرغم من أن إيران لم تعلن مسؤوليتها عن الهجمات، أفادت شبكة “سي إن إن” بأن إطلاق هاتين الطائرتين كان انتقامًا لاغتيال رحمان مقدم في هجوم اعتقد الحرس الثوري أن إسرائيل نفذته انطلاقًا من أراضي الجارة الشمالية لإيران.
وتُظهر المعلومات، التي قدمتها المصادر المطلعة الآن، خلافًا لتقييم وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن العميد الثاني رحمان مقدم نجا من هذا الهجوم، وأنه يخطط حاليًا لمرحلة جديدة من عمليات الإرهاب العابر للحدود التي ينفذها الحرس الثوري في المياه الدولية.

وقبل توليه رئاسة معاون العمليات الخاصة للحرس الثوري، المعروفة باسم الوحدة 4000، كان يشغل منصب نائب منسق حماية المعلومات في وزارة الدفاع الإيرانية. وهو الآن على رأس وحدة تُعد مسؤولة عن الاغتيالات وأعمال التخريب ضد معارضي النظام الإيراني والأهداف الإسرائيلية خارج حدود إيران.
التخطيط لإطلاق النار على السفن في المياه الإندونيسية والصينية
قال مصدران مطلعان لـ “إيران إنترناشيونال” إن هدف الوحدة 4000 هو السفن التجارية والعسكرية والخاصة التي تعبر أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق ملقا، وكذلك مضيق بانغكا. وقد خطط العناصر الذين جندتهم الوحدة لتنفيذ هجمات على ميناء تانجونغ بريوك في إندونيسيا، وميناءي نينغبو تشوشان وشنغهاي في الصين.
ومنذ اندلاع الحرب التي استمرت 40 يومًا، أغلقت إيران مضيق هرمز، كما تسبب الحوثيون، وهم ميليشيا مسلحة مدعومة من طهران في اليمن، في اضطراب حركة مرور السفن عبر باب المندب.

لماذا “ملقا” و”بانغكا”؟
قبل شهرين، قال مستشار المرشد الإيراني وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، لشبكة “سي إن إن” إنه إذا استمرت الحرب ولم يُرفع الحصار البحري، فإن إيران ستنقل الحرب إلى المحيط الهندي والبحر المتوسط.
وفي الوقت نفسه، قال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري،إ سماعيل قاآني، إن “جبهة المقاومة” لديها، إلى جانب مضيقي هرمز وباب المندب، أهداف بحرية أخرى؛ وهي تصريحات تكتسب، في ضوء المعلومات الجديدة حول العمليات في شرق آسيا، معنى أكثر تحديدًا.
وخلال الأشهر الأخيرة، تكرر ذكر مضيق ملقا إلى جانب مضيق هرمز. وحذّر مسؤولون أميركيون من أن تحويل هرمز إلى أداة للضغط قد يشكل سابقة للممرات المائية الدولية الأخرى، كما اقترحت عُمان نموذج مضيق “ملقا” لحل النزاع حول هرمز.
ويُعد مضيق “ملقا” أقصر طريق بحري بين مصدّري الطاقة في الشرق الأوسط وأسواق شرق آسيا، وخلال النصف الأول من عام 2025، مر عبره 23.2 مليون برميل من النفط يوميًا، أي نحو 29 في المائة من تجارة النفط البحرية العالمية. ويمكن أن يؤدي الاضطراب المتزامن في مضيقي “هرمز” و”ملقا” إلى الضغط على حلقتين رئيسيتين من مسارات نقل الطاقة من الشرق الأوسط إلى آسيا، وزيادة تكلفة مسارات السفن، ورفع مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية.
وأما مضيق “بانغكا”، الواقع بين سومطرة وجزيرة بانغكا في إندونيسيا، فلا يتمتع بالأهمية العالمية نفسها التي يتمتع بها مضيق ملقا، لكنه يشكّل جزءًا من شبكة الملاحة الإقليمية. ويُعد هذا الممر المائي أقصر طريق بين مضيق سوندا وسنغافورة، وقد يؤدي انعدام الأمن فيه إلى الحد من خيارات الملاحة في المياه الإندونيسية، وزيادة الضغوط الناجمة عن أي اضطراب محتمل في مضيق ملقا.
ارتباط ثلاثة رجال دين في تايلاند وإندونيسيا باستخبارات الحرس الثوري الإيراني
بحسب مصادر “إيران إنترناشيونال”، لجأ الحرس الثوري منذ فترة إلى تجنيد عناصر غير إيرانيين لتوسيع نطاق الإرهاب البحري إلى شرق آسيا، بحيث يتمكن، في حال انكشاف عمليات التخريب، من التنصل من المسؤولية. وبعد تجنيد هؤلاء العناصر، تلقوا تدريبات في إيران، ثم أُرسلوا إلى شرق آسيا لتنفيذ العمليات.
ولأجل تجنيد عناصر شيعة غير إيرانيين في تايلاند، لجأ رحمان مقدم إلى سيد مؤمن ساكيتيتشا، وهو مسؤول بارز في أوساط الشيعة في هذا البلد. وكان قد سافر إلى إيران قبل عامين للتفاوض، تحت إشراف مسؤولي النظام في طهران، مع ممثلين عن حركة حماس من أجل إطلاق سراح 31 رهينة تايلاندية في غزة.

وفي ذلك الوقت، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن إيران حاولت الضغط على تايلاند لإخراج 40 ألف عامل من مواطنيها من إسرائيل، مقابل إطلاق سراح الرهائن.
ويُعد سيد مؤمن ساكيتيتشا أقرب الشخصيات إلى سليمان حسيني، وهو رجل دِين تايلاندي من أصول إيرانية يبلغ من العمر 64 عامًا، وكان زميلًا دراسيًا للأمين العام السابق لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، في الحوزة العلمية بمدينة “قم”.

ويتعاون حسيني، بصفته رئيس مؤسسة المهدي في تايلاند وإمام مسجد روح الله في مدينة ناخون سي تامارات، مع جامعة المصطفى. وقد أُطلق على سليمان حسيني لقب “نصر الله تايلاند”.

وتُعد جامعة المصطفى العالمية، وهي إحدى المؤسسات التعليمية الدينية في مدينة قم، واحدة من أهم مؤسسات النظام الإيراني لتجنيد عناصر للفرع الخارجي للحرس الثوري ونشر الأيديولوجية التي تتبناها السلطة خارج حدود إيران.
وفي عام 2020 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على جامعة المصطفى، بتهمة ارتباطها بأنشطة عسكرية واستخباراتية تابعة لطلـ “فيلق القدس” في الحرس الثوري. وأشارت وزارة الخزانة الأميركية في بيانها إلى جهود جامعة المصطفى في تسهيل أنشطة قوة القدس التابعة للحرس الثوري في مجال التجنيد.
وقبل 14 عامًا، عندما وقعت عدة تفجيرات استهدفت دبلوماسيًا إسرائيليًا في بانكوك، نسب حسيني تلك التفجيرات إلى “الموساد”. لكن ثلاثة إيرانيين مرتبطين بوزارة الاستخبارات اعتُقلوا لاحقًا وأُدينوا بتنفيذ هذه العملية الإرهابية.
وبحسب هذه المصادر، تتركز الأنشطة الرئيسية للوحدة 4000 لتنفيذ عمليات تخريب بحري في شرق آسيا في إندونيسيا. وقالت هذه المصادر لـ “إيران إنترناشيونال” إن رحمان مقدم جنّد عناصره العملياتيين من خلال رجلَي دين إندونيسيين.
ويُعد سيد زهير يحيى، رئيس منظمة “أهل البيت” في إندونيسيا وأحد أتباع المرشد الراحل، علي خامنئي، الشخص الموثوق به لدى الحرس الثوري في إندونيسيا لتجنيد العناصر. وقد حضر زهير يحيى، بدعوة من النظام الإيراني مراسم تشييع جنازة خامنئي في طهران.
وأما الذراع الثانية لرحمان مقدم في إندونيسيا، فيُدعى عبد الله سقّاف. وهو رئيس حوزة “أمير المؤمنين” العلمية في مدينة بوغور الإندونيسية، التابعة لجامعة المصطفى، وعضو البرلمان ورئيس جمعية شباب أهل البيت في إندونيسيا. ويسافر سقّاف بانتظام إلى طهران وقم.

وقال مصدران لـ”إيران إنترناشيونال” إن هذين الرجلين، إلى جانب سيد مؤمن ساكيتيتشا في تايلاند، قدموا إلى الحرس الثوري أسماء أشخاص للتعاون مع الوحدة 4000. وبعد تقديم الأسماء، تولى محسن آقازاده ووحيد يَكه دهقان، من جانب هذه الوحدة، مسؤولية تجنيد وتدريب العناصر الجديدة.
ووحيد يَكه دهقان هو شقيق علي يَكه دهقان، الضابط الكبير في وزارة الاستخبارات، المعروف بالاسم المستعار “دكتور”. وقبل سبعة أشهر، أُلقي القبض في تركيا على ستة أعضاء في شبكة مرتبطة بعلي يَكهدهقان، بتهمة التجسس على قاعدة إنجرليك ومحاولة تهريب طائرات مسيّرة إلى قبرص.

هوية الإرهابي الذي جنّده الحرس الثوري لتنفيذ عمليات ضد السفن في شرق آسيا
تمكنت “إيران إنترناشيونال” من تحديد هوية ثلاثة من العناصر الذين جندتهم الوحدة 4000 بالحرس الثوري لتنفيذ عمليات تخريب بحري في شرق آسيا.
وأحدهم يُدعى باندو يودهاوِيناتا؛ وهو عضو رسمي في حزب الله اللبناني، وقد طُرد من إحدى الجامعات في إندونيسيا بعد ثلاث سنوات من ثورة 1979، ثم سافر إلى طهران، حيث جرى تجنيده من قِبل الأجهزة الأمنية للجمهورية العلمية. وكان مسؤولاً عن الهجوم الانتحاري الفاشل على السفارة الإسرائيلية في بانكوك قبل 32 عامًا. كما ظهرت آثاره في سلسلة التفجيرات التي وقعت في سريلانكا.

وقد تلقى، إلى جانب مواطنين إندونيسيين اثنين آخرين، هما أرديانتا موتوها ومحمد حسين، تدريبًا خلال سفرهم إلى طهران، استعدادًا لتنفيذ عمليات سرية في الموانئ والممرات المائية في شرق آسيا.

وفي 26 أغسطس (آب) الجاري كتب وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، على منصة “إكس” أن واشنطن أتاحت، خلال أسبوعين، إمكانية عبور 130 مليون برميل من النفط عبر مضيق هرمز، في حين أن إيران، بحسب قوله، لم تتمكن من تصدير النفط عبر هذا الممر.
وفي هذه الظروف، يتجه الجزء الأكبر من النفط العابر لمضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، كما يُعد مضيق ملقا أحد أهم طرق نقل الطاقة إلى شرق آسيا.
وفي حال تنفيذ العمليات، التي أشارت إليها مصادر “إيران إنترناشيونال” في “ملقا” و”بانغكا” والموانئ الصينية والإندونيسية، فإن اضطراب حركة الملاحة البحرية قد يمتد إلى حلقة أخرى من مسارات نقل النفط والسلع إلى الأسواق الآسيوية.
وقد يؤدي مثل هذا الوضع، ولا سيما بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، إلى زيادة الضغط على طرق التجارة البحرية الرئيسية بين الشرق الأوسط وآسيا.
