متحدّثاً عن مفهوم الزمن يشرح خورخي لويس بورخيس بأنّ “الماضي هو مجرّد ذاكرة، والمستقبل مجرّد توقعات. الحاضر هو الزمن الوحيد الذي نعيشه”.

كم بوسع هذه اللحظة الحاضرة أن تمتدّ، كم بوسعها أن تحوي بداخلها من مراحل الحياة وتغيّراتها.

في نصه الروائي المعنون “ثلاث مرات في الفجر” الصادر عن دار الكرمة بترجمة أماني فوزي حبشي، يتحدى الإيطالي أليساندرو باريكو مفهوم الزمن.

إذ أننا نرى شخصيّتين تتشاركان معاً ثلاث مراحل من حياتهما وهذه المراحل متفاوتة في العمر الفردي لكل شخصية، كأنّ الزمن الذي نتحدّث عنه لا يشابه الزمن الواقعي رغم أن كلّ ما بداخل الرواية هو واقعي حتى النخاع ولكن الزمن الذي نعايشه بداخلها ليس ممتداً إلى الأمام، وليس عائداً في طريق عكسي كما جاء في قصة ف. سكوت فيتزجيرالد (الحالة الغريبة لبنجامين بوتون) هو أيضاً ليس دائرياً، بل يبدأ تماماً من المنتصف ثمّ يمضي نحو المستقبل ليعود بعدها إلى الماضي الأبعد. تتفاوت أعمار الشخصيتين في كلّ لقاء لهما فمرة تكون أعمارهما متقاربة وفي أخرى يتحوّل الرجل الأربعيني إلى هيئة عجوز ستيني لتصير المرأة فتاة في السادسة عشرة ثمّ يعود عمر الشاب أدراجه إلى الثالثة عشرة فيكون عمر المرأة الآن ستينياً. يتبادلان الأعمار والقصص والمواقف ويتغذيّان على التجارب التي عايشاها.

هذا العالم الذي يطوف بداخل جدران الرواية قد يبدو للقارئ غرائبياً ولكن فقط عليك أن تضع منظوراً مختلفاً نصب عينيك (ما رأيك بمنظور بورخيس!) لترى الواقعية برُمّتها تقف أمامك.

فقط قبيل لحظات من اختفائها ندرك لذّتها، الأشياء الحاضرة، كأنما قد أُزيل غبش الخوف الذي كان قد تمكّن من حواسنا ومنعنا من الانخراط في قلب اللحظة، ولكن عند حدوث ما يُرتقب، حين يصير حالة متماثلة أمامنا ويطنُّ كأبواق سيارة الشرطة ورؤية الشخصية لرجال الشرطة يهمّون بالدخول إلى الفندق، فقط حينها ينمسح الخوف، خوفنا ممّ سيقع لأنه وقع بالفعل، تنجلي الحواس، وتتشرّب الأشياء من حولها بصفائها وشفافيتها، الأشياء التي كانت الشخصية الرئيسية حتى اللحظة الراهنة تضع حدّاً بينها وبين التفاعل معها، كلّ ذلك ينقشع، وببراءة الفهم والحنين إلى مظاهر الجمال والسعادة المتبديّة أمامه، الحنين الآنيّ للحاضر إلى ما سوف يختفي بعد لحظات. “فقط في تلك اللّحظة لاحظ عينيها، كانتا فاتحتين، ولكن رماديتين… وأدرك أين كان يبدأ جمالها”.

تخاطبُ الشخصية الرئيسية والمتمثلة برجل أربعيني المرأة الغريبة التي دخلت بهو الفندق عند الرابعة صباحاً وها هما جالسان الآن على سرير في غرفة، بقوله: “كنت أريد الرحيل ولكنني لم أستطع”.

هل هكذا نذهب نحو أقدارنا؟ هل للأقدار تلك اللّذة بالفعل في أن تتحقّق في النهاية؟

لا مهرب. الجلوس على المقعد وعدم التمكن من الوقوف يحيلنا إلى مسرحية جان بول سارتر (لا مخرج). عالق في المقعد، عالق في اتخاذ قرار بالهرب أو البقاء.

وتلك المحاولات للتهرّب من المرأة كانت بحدس كبير قد بدأ ينبض بداخله ويتمدّد إلى حركات جسمه، حدس بأنها النهاية وبأنّه لا مفر.

تحملُ كلّ واحدة من هذه القصص الثلاث ثيمة النظر ناحية الضوء (ضوء الفجر)، الضوء كنقاء للعودة إلى البيت، البيت الذي يتجرّد من مفهومه منحازاً صوب المجاز. البيت بصفته ما نشكّله منزلاً لأرواحنا.

تتولّد الروابط حين تحكي كلّ شخصية قصتها. فتجيء القصص بما هي عامل إنقاذ ينتشل الأشخاص من الخوف المسيطر والفجيعة التي عايشوها ويصنع جسراً من الألفة والتعاطف الإنساني. الفضول إلى الحكاية، بما هي دافع للفهم والتعلم من تجارب الغير، كان هو المحرّك الأساسي في الرواية.

رواية تفيضُ بالإيحاءات العدمية، جاء الحوار كاشفاً لأدقّ المشكلات الوجودية التي يحملها الإنسان على عاتقه في مواجهة الحياة. تقول المرأة: “لا يستطيع المرء أن يبدل أوراق اللعب الخاصة به” الأوراق التي تعني الأيام التي منحت للمرء لكي يسير بها في الحياة، ما هو مقدّر لنا حمله سنحمله، لا مجال إلا “الانتقال إلى طاولة لعب أخرى” الذي قد يتمثل بتغيير الأمكنة واللباس والمظهر والاسم وكلّ ما في الوسع تغييره، ولكننا نظلُّ محكومين أبداً بحصيلة أيامنا أو حصيلة كينونتنا الفردية.

لم يغفل أليساندرو باريكو تفصيلاً واحداً، فالمسدس الذي عاش الابن حياته وهو يراه أمام أبيه على الطاولة كما لو أنه يعطيه قوة ويجعله صاحب القرار، استطاع في مرحلة لاحقة أن يرفعه ويطلق النار منه.

وفي مرحلة الرجل العجوز كانت المنشفة غير المبلّلة بالدماء، دلالة على إنقاذ روح مقابل أخرى قد أطلق الرصاص عليها قبل 13 عاماً. كأنه أخيراً قد تحرّر. ولكن لم يتحقق الخروج له بشكل كامل إذ أنه عاد إلى الفندق.

المرأة أيضاً التي تركت خلفها ابناً، اكتملت دائرتها الشخصية في مساعدتها للشاب (الشخصية الثانية معها) في الهرب. وتحرّرت هي الأخرى من هذا الثقل.

حملت اللغة لذّة التجوال داخل مشهديّة سينمائيّة، تنضحُ بالحركة، محاكية لحاسّة التخيّل. فالوصف الدقيق للتفاصيل في تأسيس المشاهد من بهو الفندق إلى الغرفة وفي السيارة، يمحي الفاصل الدقيق بين القراءة والمشاهدة ليشعر القارئ أنه في خضمّ متابعة فيلم.

في اللقاء الثالث يتحقّق للشخصيتين الخروج معاً من الفندق والهرب في طريق طويل ومعتم مستدلّين بضوء الفجر باتجاه أجمل شيء في العالم.