في التسعينيات، عرف ملايين الأطفال العرب مسلسل الرسوم المتحركة «الكابتن ماجد». بدا بطلا لكرة القدم، يقود فريقه في مباريات طويلة ويتحدث مع رفاقه بالعربية الفصحى. وبالنسبة إلى جيل كامل، لم يكن ثمة سبب يدعو إلى التفكير في أن الشخصية قادمة من اليابان، أو أن اسمها الأصلي هو تسوباسا.
هذه الحكاية هي المدخل الذي يختاره الباحث عمر سايفو في كتابه «الرسوم المتحركة العربية: صور الهوية»، الصادر عن دار جامعة إدنبرا. فالكتاب لا يتعامل مع الرسوم المتحركة باعتبارها مادة ترفيهية للأطفال فحسب، وإنما يضعها داخل تاريخ أوسع يتعلق بالإعلام والثقافة والسياسة وصناعة الهوية في العالم العربي.
يفتتح سايفو كتابه من ذاكرته الشخصية. يتذكر طفولته في التسعينيات، حين كان «توم وجيري» من أكثر الأعمال شعبية، فيما كان هو وأصدقاؤه يفضلون «الكابتن ماجد». ويكتب أنه لم يكن يعرف في ذلك الوقت أن البطل اسمه في الأصل تسوباسا، وأن المسلسل ياباني. ويتذكر أيضا الصيف الذي كان يقضيه في سوريا، حيث كان الإنتاج العربي المحلي محدودا مقارنة بما يصل إلى الشاشات من أعمال أجنبية مدبلجة. من هذه الذكرى يتساءل المؤلف، ماذا يحدث عندما تنتقل الرسوم المتحركة من مجتمع إلى آخر؟ وكيف استطاع عمل ياباني أن يتحول إلى جزء من الذاكرة العربية؟
حالة «الكابتن ماجد» تقدم مثالا واضحا. فخلال الحرب الباردة، ارتبطت خيارات الاستيراد بدرجة ما بالتوجه السياسي لكل دولة. سوريا والعراق وليبيا فضلت منتجات فرنسية وأعمالا من دول الكتلة الشرقية، بينما استوردت السعودية ودول الخليج أعدادا أكبر من المسلسلات الأمريكية. ومع ذلك، عبرت بعض الأعمال هذه الحدود السياسية، ومنها «توم وجيري» والرسوم اليابانية. كان الإنتاج الياباني جذابا للمحطات العربية لأسباب عملية. كلفة شرائه بدت منخفضة نسبيا، وكثير من قصصه اعتمد قيما أخلاقية واضحة، جعلت التعامل معه رقابيا أكثر سهولة. وكان «غرندايزر» من أوائل الأعمال اليابانية التي حققت انتشارا واسعا، ثم أصبح لاحقا مرجعا لمنتجين عرب كانوا يبحثون عن نموذج يمكن أن يستفيدوا منه في ابتكار بطل عربي أو مسلم.
في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، توسعت عملية دبلجة الرسوم اليابانية. وهنا يركز سايفو على مفهوم مهم، هو التعريب الثقافي. فشركات الدبلجة لم تكتف بنقل الحوار من اليابانية إلى العربية. تغيرت الأسماء، وأعيدت صياغة بعض العبارات، وظهرت تعبيرات أكثر قربا من البيئة التي سيشاهد فيها الطفل العربي العمل.
«كابتن تسوباسا» هو النموذج الأشهر.. فقد دبلج الموسم الأول في استوديو الشرق الأدنى للإنتاج الفني في السعودية، بينما تولت شركة الزهرة السورية دبلجة الموسم الثاني. وهذه التفاصيل تكشف أن الطفل العربي لم يشاهد تسوباسا مترجما فحسب. لقد شاهد نسخة أعيد تركيبها لغويا وثقافيا بين السعودية وسوريا، ثم انتقلت عبر القنوات العربية إلى جمهور واسع. وهكذا حدث أمر لافت في تاريخ الثقافة الشعبية العربية. الشخصية ولدت في اليابان، ثم تحولت تدريجيا إلى شخصية مألوفة بالنسبة إلى المشاهد العربي. اسم «ماجد» حل محل تسوباسا، وأعيدت تسمية شخصيات أخرى، واختفت اللغة اليابانية، ودخلت المباريات إلى فضاء لغوي عربي مشترك. ظل الرسم يابانيا، وظلت بنية القصة يابانية، لكن الصوت الذي تكلمت به الشخصيات كان عربيا. يرى سايفو في هذه العملية نموذجا لقدرة الإعلام العربي على توطين الشكل العالمي. فالمنتج الأجنبي لا يصل دائما إلى الجمهور بالصورة نفسها التي أنتج بها في بلده الأصلي. يمكن ترجمة عناصره، وإخفاء بعض علاماته الثقافية، وإضافة عناصر محلية حتى يصبح أكثر قربا من المشاهد. وهي الفكرة نفسها التي يعتمد عليها المؤلف لاحقا في تحليل الإنتاج العربي نفسه.

«الكابتن ماجد» والقوميون العرب

من اللقطات الممتعة في الكتاب علاقة القوميين العرب بأفلام الكرتون، وبالأخص في سوريا والعراق، وهما الدولتان اللتان وضعتا الخطاب القومي في مركز رؤيتهما السياسية.
في الحالة العراقية، يعود سايفو إلى السنوات الأولى لصناعة الرسوم المحلية. ويذكر أن بدايات التحريك في العراق ترجع إلى عام 1968، عندما وصل إلى بغداد خبير من اليونسكو، وشكل فريقا من العاملين في الإعلام والسينما لإجراء تجارب في الرسوم المتحركة. وبعد سنوات قليلة، ظهر عام 1972 فيلم قصير بعنوان «كرة القدم الأمريكية» من إخراج فيكتور حداد ورسوم بسام فرج. يتخيل الفيلم فريقا عربيا موحدا يلعب ضد فريق أمريكي، فيما تظهر على المدرجات أعلام فلسطين وسوريا والعراق ومصر. وعندما يسجل الأمريكيون، تظهر على لوحة النتائج أرقام تحيل إلى عامي 1948 و1967، أي إلى محطات الهزيمة العربية والصراع مع إسرائيل. وفي النهاية ينتصر الفريق العربي.
أما المثال الأكثر وضوحا على توظيف الرسوم في عهد صدام فهو فيلم «الأميرة والنهر» الصادر عام 1982. ظاهريا، نحن أمام حكاية أسطورية عن ملك وبناته الثلاث وامتحانات صعبة لاختيار وريثة العرش. على الأميرة أن تعبر النهر، وتجتاز الصحراء، وتصل إلى الشجرة التي تحمل التفاحة الذهبية. تموت أختان، وتنجح الأميرة الثالثة، سونان.، في النهاية تصبح ملكة بلاد ما بين النهرين. وخلف هذه الحكاية تظهر قصة سياسية واضحة. فممالك سومر متنازعة. سومر وأكاد تتقاتلان رغم أنهما شقيقتان. وهناك قوة خارجية شريرة تستفيد من الانقسام، ويحمل حاكمها اسما يحيل بوضوح، حسب قراءة سايفو، إلى إيران. وتتكرر عبارات تدعو السومريين إلى الوحدة. وفي النهاية تدعو الملكة إلى إنهاء الخلافات واستعادة وحدة بلاد الرافدين ومجدها القديم، استعدادا لمواجهة العدو المشترك.

ولعل ما يدعم هذا الاستنتاج أن الفيلم أنتج عام 1982، في خضم الحرب العراقية الإيرانية. ومن هنا تحولت الأسطورة السومرية إلى وسيلة للحديث عن الحاضر. ويربط سايفو ذلك بسياسة أوسع اتبعها نظام صدام في بناء الهوية العراقية. فقد أعطى النظام أهمية كبيرة للحضارات العراقية القديمة، خصوصا بابل وسومر، وحاول تقديمها بوصفها جزءا من سلسلة تاريخية تنتهي بالعروبة الحديثة. وبذلك أمكن استخدام الماضي العراقي القديم في مشروع قومي عربي معاصر. وأدت الرسوم المتحركة هنا وظيفة قريبة من الوظيفة التي كانت تؤديها الكتب المدرسية والنصب والاحتفالات الرسمية، أي إنتاج تاريخ يمكن توظيفه سياسيا.
أما في الحالة السورية، فنرى أن الرسوم السورية لا يمكن فصلها عن بنية الصناعات الثقافية والإعلامية في سوريا البعثية. المؤسسات الحكومية وضعت الإطار العام للإنتاج، وقدمت أحيانا التمويل، بينما شارك القطاع الخاص في التنفيذ. ولهذا نشأت صيغة تجمع المنتج الخاص بالمؤسسة الرسمية. ومن الأمثلة المهمة فيلم رسوم متحركة «الجرة» عام 2001. الفيلم مأخوذ من حكاية شعبية قديمة. يعثر رجل يدعى أمين على جرة مليئة بالذهب في أرض اشتراها من رجل اسمه صالح. يرفض أمين الاحتفاظ بالمال، لأنه يعده أمانة يجب إعادتها إلى مالك الأرض السابق. يظهر جار طماع يدعى عناد ويحاول سرقة الكنز، ثم تدخل الشخصيات في سلسلة من الأحداث تنتهي بانتصار الأمانة على الجشع. وحتى الأسماء مصممة أخلاقيا. أمين يمثل الأمانة، وصالح الصلاح، وعناد يمثل العناد والشر.

لكن سايفو يلتقط تحت الحكاية الأخلاقية مفردات تنتمي إلى التربية البعثية. تظهر أغان تمجد العمل والزراعة وإعادة البناء، وتستخدم صياغات شبيهة بما كان موجودا في الكتب المدرسية السورية. وتندمج الإشارات الإسلامية في القصة من دون تقديم الإسلام بوصفه برنامجا سياسيا مستقلا. هناك الحرام والنار والشيخ والحجاب، لكنها تدخل في إطار منظومة أخلاقية عامة.. وهذه ملاحظة مهمة في قراءة علاقة البعث بالدين. فالدين موجود، لكن بعد إدخاله في سردية اجتماعية أوسع. الشيخ سلطة أخلاقية، والعمل قيمة، والأسرة قيمة، والأمانة قيمة، والفلاح الذي يعمل في أرضه شخصية إيجابية. وفي الوقت نفسه يستخدم الجميع الفصحى. وهكذا، رغم أن الحكاية صنعت في سوريا، يصعب تحديد مكانها داخل سوريا. الشخصيات عربية أكثر مما هي سورية، والبيئة شرق أوسطية عامة.

ويقدم فيلم «خيط الحياة» عام 2007 مثالا آخر على طريقة صناعة الرسوم في سوريا في تلك المرحلة. فالحكاية تقع في بيئة إسلامية شرق أوسطية من القرون الوسطى، وتوحي الصور بأن زمنها يعود إلى مرحلة الغزو المغولي للعالم العباسي. ومرة أخرى تبدو الفصحى أساسية، فيما تدور الحكاية حول تقبل مشقات الحياة والصبر عليها والاحتفاظ بالكرامة في مواجهة الفقر، يضع المؤلف هذه الرسالة داخل سياق سوريا عام 2007، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف السكن ووصول أعداد كبيرة من اللاجئين العراقيين، وهكذا يمكن للرسوم المتحركة أن تقول شيئا عن المجتمع، من دون أن تتحول إلى نقد مباشر للنظام. ومن مقارنة العراق وسوريا، نرى أن حزب البعث حمل الاسم نفسه والقومية العربية موجودة في خطاب النظامين، والفصحى مستخدمة في الحالتين، لكن تحويل هذه الأفكار إلى رسوم متحركة لم يجر بالطريقة نفسها. ففي العراق خلال الحرب مع إيران، كانت الرسوم أكثر مباشرة ومعبأة بالتاريخ السياسي. الماضي السومري يتحول إلى مجاز للعراق المعاصر، والعدو الخارجي حاضر، والوحدة شرط للنصر.

أما في الحالة السورية، خصوصا منذ التسعينيات وما بعدها، فقد عملت القومية بصورة أقل صراحة، لا تحتاج القصة إلى شعار حزبي مباشر. يكفي أحيانا أن تتحدث الشخصيات بالفصحى، وألا يكون لها انتماء قطري واضح، وأن تعيش داخل فضاء بصري عربي، وأن تقدم التاريخ الإسلامي والعربي باعتباره ذاكرة مشتركة. وهذا ربما أحد المفاتيح الأكثر إثارة في كتاب سايفو. فالهوية في الرسوم المتحركة لا توجد في القصة وحدها. توجد في اسم الشخصية، وطريقة كلامها، وملابسها، وشكل البيت، والمنظر الطبيعي، والتاريخ الذي تستحضره، والجهة التي تمول العمل، والقناة التي تعرضه، والسوق التي تريد الوصول إليها.. كما نكتشف أن الرسوم المتحركة التي تعبر الحدود لا تبقى بالضرورة كما كانت. تعيد المجتمعات ترجمتها وتسمية أبطالها وإلباسها لغتها، وفي المقابل تستخدم الشكل نفسه لكي ترسم لنفسها صورا عن الوطن والدين والتاريخ.

كاتب سوري