استهل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، عروضه بمسرحية “حياة” للمخرجة كريمة بدير. وهي مسرحية تنتمي إلى مسرح الرقص الحديث، الذي قطعت فيه المخرجة كريمة بدير شوطاً كبيراً، منذ أن تتلمذت على يد المخرج الرائد وليد عوني، في فرقة “الرقص المسرحي الحديث” التابعة لدار الأوبرا المصرية، التي أسسها عوني عام 1993.
قدمت بدير كثيراً من اللوحات، التي اعتمدت فيها على مواضيع مصرية وعربية تراثية، ألبستها من خلال الرقص المسرحي، ثوباً معاصراً، لتعيد إحياءها واكتشاف الطاقات الكامنة في داخلها، وتقديمها عبر حركة الأجساد وحواراتها، مستعينة بقليل من الكلمات المفتاحية. شاهدنا لها “حتشبسوت”، و”ريا وسكينة”، و”زنوبيا”، و”إيزيس الشرق” و”بهية” وغيرها من الأعمال، التي انفرد فيها الجسد بالتعبير عن أعمق القضايا وأكثرها أثراً في الإنسان.
راهن عرض “حياة” (دراماتورجيا محمد فؤاد) على لغة الجسد، القادرة أكثر على تخطي حواجز اللغة المنطوقة. فالجسد، هنا، ليس مجرد أداة للحركة، بل هو لغة قائمة بذاتها، تحمل الذاكرة والخوف والتوق إلى الحرية، والعيش الآمن، بعيداً من ويلات الحروب والصراعات التي تعصف بالإنسان. أي إن الجسد يعبر، وحده، عن أدق مشاعر الإنسان، في العصر الراهن.

من العرص المستوحى من “كتاب الموتى” الفرعوني (خدمة الفرقة)
وإذا كانت غالب عروض كريمة بدير، اعتمدت على حكايات شعبية معروفة، بمعنى وجود مرجعية مشتركة بينها وبين المشاهد، مما ييسر من عملية التلقي، فقد تجاوز عرض “حياة” تلك المرجعية، وانطلق ليعبر عن قضايا فلسفية وإنسانية عامة، تتعلق بالميلاد والموت وما بينهما من حياة، وتشكل الإنسان عبر هذه الدائرة، خيراً وشراً، حباً وكرهاً، تشكل تحدده اختياراته هو، وإلى أي جانب يميل أكثر.
بدت حركة الممثلين والراقصين متوافقة ومستجيبة لرؤية المخرجة، وطريقتها في البناء والهدم، من مشهد إلى آخر، وقد تكونت من الصور المتلاحقة والسريعة. وإن شابت العرض بعض المشكلات المتعلقة بالأداء الصوتي ومخارج الحروف، الذي لم يأت منضبطاً، على خلاف انضباط الرقص، فهو يعود إلى كون معظمهم راقصين لا ممثلين، باستثناء الممثل المخضرم حمادة شوشة.
تدريب وارتجال
غلبت الحركة على معظم عروض المهرجان، التي تنتهي الإثنين المقبل، باعتبارها لغة عالمية تناسب مهرجاناً دولياً تجريبياً، تشارك فيه دول منتمية إلى ثقافات مختلفة.
شهد المهرجان العرض المسرحي “قصة حب غولدوني بفنيسيا”، إنتاج مصري إيطالي، وهو نتاج ورشة القناع وكوميديا ديلارتي، دراماتورجيا وإخراج أليسو ناردين. هذه التجربة انتقلت من مساحة التدريب والارتجال إلى خشبة المسرح، معتمدة على الجسد والحركة وبناء الشخصية وتفاعل مجموعة من المشاهد المرتجلة داخل بنية درامية واحدة.

الجو المسرحي التجريبي والإحتفالي (خدمة المهرجان)
مشاهد ارتجالية حرة وأفكار قدمها المتدربون خلال الورشة، انطلاقاً من دوافع الشخصيات وتقنيات كوميديا ديلارتي، قبل أن يتولى أليسو ناردين إعادة صياغة هذه الارتجالات وربطها معاً، ليحولها من مشاهد منفصلة إلى بنية درامية متكاملة. وقد استند إلى شخصيات كارلو غولدوني وإلى الشخصيات التي تنتمي إلى تقاليد كوميديا ديلارتي.
لم ينطلق العرض من سرد حكاية تقليدية، بقدر ما اعتمد على عملية صناعة المشهد نفسها، بحيث أصبحت الارتجالات التي خرجت من الورشة مادة أساسية للتأليف. وقد أعيد ترتيبها وربطها من خلال خيوط درامية تمنح العرض مساره الخاص، وصولاً إلى بداية ونهاية متماسكتين، تتبلور من خلالهما الرؤية والبنية البصرية النهائية للعرض.
احتل الجسد موقعاً أساساً في هذه التجربة، فاعتمد المشاركون على الحركة بوصفها وسيلة للتعبير والتأليف، وتكونت العلاقات والمواقف من خلال الأداء الجسدي وتفاعل الشخصيات. ودارت المادة الدرامية حول مشاعر الحب والبحث عن الشريك، من خلال الشخصيات والعلاقات التي تتشكل داخل العرض.
تأويل معاصر
في تأويل معاصر لـ”كتاب الموتى” الفرعوني، جاء عرض المخرج المصري عزت إسماعيل “البحث عن كتاب الموتى” بحيث تحول النص القديم من بردية صامتة إلى عالم نابض تتحرك فيه الروح عبر الجسد والصوت والضوء. هي محاولة لاستعادة جوهر الفلسفة المصرية القديمة حول العبور والنور، من خلال رؤية معاصرة تمنحها حضوراً جديداً في العالم، من خلال لغة مسرحية وبصرية معاصرة.
العرض الأردني “أنت منذ الأمس”، إخراج عبدالسلام قبيلات، أعاد قراءة رواية “أنت منذ اليوم” للأديب والشاعر الأردني الراحل تيسير سبول، ليضع عالم الرواية وأسئلتها في مواجهة مباشرة مع الزمن الراهن.

العصر الراهن في التجريب المسرحي (خدمة المهرجان)
سعى قبيلات إلى إجراء مقاربة بين زمن الرواية وزمننا الحالي، من خلال استدعاء فتاة من الأجيال الجديدة، تقرأ رواية تيسير سبول وتواجه بطل روايته “عربي”. أثناء قراءتها للرواية، تبدأ رحلة تتداخل فيها الأزمنة والشخصيات والذكريات، ويصبح الماضي حاضراً فوق الخشبة، لا بوصفه حكاية انتهت، وإنما باعتباره سؤالاً لا يزال مفتوحاً. فرواية “أنت منذ اليوم” ظهرت في أعقاب حرب عام 1967، بطلها “عربي” صدمته تلك المرحلة، بما حملت من إحساس بالهزيمة والاغتراب والشك في الأفكار والمؤسسات التي كان الإنسان يعتقد أنها قادرة على حمايته وصناعة مستقبله.
كلاسيكيات إسبانية
أعاد العرض الإسباني العرائسي “الكلاسيكيات الإسبانية” تقديم مشهد الطواحين من “دون كيشوت”، إلى جانب مشهد الأريكة من “دون خوان تينوريو”، مع الحفاظ على النص الأصلي دون تغيير. تنتقل هذه المشاهد من صفحات الأدب إلى فضاء العرض المسرحي من خلال فن العرائس.
اعتمد العرض على تحريك العرائس بوصفه عنصراً أساساً في بناء المشهد، بحيث تتجاور الشخصيات الأدبية المعروفة مع الصورة المسرحية الجديدة، ويصبح النص الكلاسيكي مادة لإعادة التجربة بصرياً وأدائياً، دون المساس بالكلمات الأصلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن خلال هذا الاختيار، وضع العرض الأدب والمسرح والعرائس في مساحة واحدة، بحثاً عن إمكانات جديدة للتعبير، وعن كيفية إعادة تقديم نصوص أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للجمهور الإسباني بلغة مسرحية مختلفة.
قام العرض على فكرة الجمع بين ما يبدو متناقضاً، فالمسرح الكلاسيكي بما يحمل من نصوص وشخصيات راسخة، يلتقي مع عالم العرائس وتقنياته، ليصبح هذا التداخل نفسه وسيلة للبحث عن لغة مسرحية جديدة.
لم يتعامل العرض مع النصوص المختارة بوصفها مادة أدبية مغلقة، وإنما أعاد نقلها إلى فضاء بصري وأدائي يسمح للجمهور باستعادة الشخصيات والمشاهد المعروفة، من زاوية مختلفة، مع الحفاظ على النص الأصلي كما هو.
مصريون في الخارج
احتفل المهرجان بنجاحات المخرجين المصريين في الخارج، من خلال عرض “سلمى حبي أنا”، في تجربة إنتاجية وفنية جمعت بين عناصر مصرية ودولية. وقد فتحت مساحة للتعاون بين الفنانين والمؤسسات من دول مختلفة، بما يعكس امتداد تجارب المخرج المصري خارج الحدود، وما تتيحه الشراكات الدولية والإنتاج المشترك من تبادل للخبرات، وطرح رؤى وأساليب فنية وإنتاجية متنوعة.
العرض قدمه المخرج أحمد العطار، الذي يعمل منذ أعوام على مجموعة من المفردات الأساسية في عروضه المسرحية. وفي مقدمها العائلة بوصفها مثالاً مصغراً للمجتمع، باعتبار أن العلاقات وديناميكيات القوة والسلطة وعلاقات القهر الموجودة داخل العائلة، يمكن أن تكون انعكاساً للديناميكيات السلطوية الموجودة في المجتمع.
جاء عرض “سلمى حبي أنا” في الإطار نفسه الذي عمل عليه العطار في عدد من أعماله السابقة. لكن موضوعه الأساس يرتبط بالأجيال الجديدة، وتحديداً جيل “زد”، وكيف يتأثر هذا الجيل بالوضع العالمي الراهن، وبالأحداث التي يشهدها العالم، خاصة في ظل ما يحدث في غزة من إبادة جماعية، وانعكاس ذلك على رؤيته للمستقبل.
ينظر العرض إلى هذه التحولات من خلال الأسرة، بما يجعل العلاقات داخلها مساحة لقراءة أوسع لعلاقات القوة والطبقة والسلطة. وكذلك التحولات التي تطرأ على الأجيال الجديدة وطريقة نظرها إلى العالم الذي تعيش فيه.
