لطالما كانت وظيفة الفن وطبيعة أهميته في حياة البشرية، محل نقاش وأخذ ورد، بين المتخصصين والمفكرين والنقاد والفلاسفة والمعنيين بنتاجات صنوف الفنون (من الأفراد والجهات المتنوعة).

فكثير زعم، خاصة مع بروز المدارس الفنية الإبداعية الفرنسية ذات الطابع الغرائبي في القرنين الفائتين، أن دور الفن/الأدب (وهو يضم تحت مظلته: الرواية والقصة والدراما والموسيقى…إلخ)، لا يتعدى الجانب والنطاق الجمالي الإمتاعي البحت، ولا يمكنه اكتناز محمولات رسالة تأثيرية موجّهة وقائدة في المجتمع.

وفي مقابل هذا الرأي برزت، وتستمر، أصوات ورؤى أخرى مغايرة، تجزم أن الفن محال أن يكون خاوياً من الرسالة القيمية، وأن وظيفته الجمالية لا يمكن أن تنفصل عن الوظيفة المضمونية الفكرية التي يجدر أن ينطوي معها على ذخائر وثمار إيجابية بنّاءة، تجدي في حياة المجتمعات تنويراً وارتقاء وتطوراً.

ليست بسيطة أو قليلة النقاشات والجدالات التي دارت حول هذي المسألة الإبداعية في المعمورة، طوال عقود، إلا أن بريقها وحضورها خفتا، وربما تلاشيا في الوقت المعاصر، بلا شك، ذلك بينما غدت سياقات الفن وألوانه وثماره ومدارسه المتطورة تتجلى وتشخص في دبي، الحاضرة العالمية الملهمة، في صيغ خلاقة، مجدية ومؤثرة في حياة الناس، لا تنحصر في الطابع التنظيري النخبوي.

إذ راحت المدينة ترسم، بجدارة وثقة، خرائط الإبداع والتقدم في عالمنا وكذا تغرس في أجساد الصنوف الفنية/الأدبية أرواحاً ومضامين تجعلها جزءاً رئيساً من مفردات الحياة اليومية، لا سياقات وأطراً تسكن أبراجاً عاجية تحضر معها بقوالب جافة جامدة متعالية وعصية على استيعاب أو تقبل المتلقي العادي غير المتخصص بحقول الآداب.

ولم يكُ نجاح دبي في هذا القبيل سطحياً أو عرضياً، بل طال جواهر وجذور المسألة، ما أهلها لتحترف إبداع أقنية وتوجهات فذة في مسارات تحوّل الفنون إلى مفردات حياتية مجتمعية مباشرة في ملامستها ومواكبتها مفاهيم واحتياجات الناس بشرائحهم وفئاتهم كافّة، وكذا في إعادة تعريف قيم الإبداع لتغدو بسيطة خاوية من التعقيدات، وجزءاً من المنظومة المفاهيمية والإنتاجية الاقتصادية والمجتمعية العامة.

 الفن في دبي أصبح مفردة حياتية فاعلة مؤثرة تحاكي أذواق وأمزجة الجمهور

أرشيفية

الفن في دبي أصبح مفردة حياتية فاعلة مؤثرة تحاكي أذواق وأمزجة الجمهور

روح المدينة

إن الفن أصبح في ضوء تأثيرات دبي التي تقود وتلهم في المجال عالمياً، مكوناً رئيساً من مكونات ووقائع يوميات حياة الناس، وبذا بات حاضرا مؤثرا في مقرات عملهم وفي منازلهم، يحفزهم ويوفر لهم أنواع رفاهية كثيرة ويسهل حصولهم على ما يبغون بسرعة وانسيابية.

كما أنه غدا ملمحاً جوهرياً في البنية التحتية، ضمن الشوارع والساحات والحدائق ومراكز تسوق والحقول الأخرى العديدة.

وهكذا، فإنه لم يبقَ قصياً عن العامة ومحصوراً بالمثقفين، بل أصبح حالة جماهيرية تدخل في مفاصل وحيثيات ومشاهد الحياة اليومية، ضمن المرافق شتى، فتلهم الناس وترتقي بذوائقهم وتمدهم بجرعات الإيجابية والتفاؤل والحرص على العمل والإنتاج والتمسك بالمحبة والتواصل الحضاري مع الآخر، ذلك خاصة بفضل سمة الانفتاح والتنوع الثقافي التي تتسم بها الإمارة، حيث أفرز ذاك صوغ بانوراما نتاجات فنية إبداعية تثوي فيها ومضات وتراثات وقصص الحضارات الإنسانية بمجملها.

قيم وزخم

لا شك أن استراتيجية عمل وتوجهات دبي في الصدد، تحمل في أبعادها ورؤاها المستقبلية، مشروعاً قيمياً يعني ويمس البشرية جمعاء، ففي ثنايا كل فعالية أو مهرجان أدبي وتشكيلي وموسيقي ومسرحي، نلمس زخم قيم إنسانية ثراً، مصيره أن يحوك نسيج تقدم الشعوب وألفتها وتناغمها، ومن أمثلة ذلك مفاعيل ومؤديات كل من: «آرت دبي»، «طيران الإمارات للآداب»، «سكة»، ملتقيات وجلسات الأدب والفن في مكتبة محمد بن راشد، «مترو دبي للموسيقى»، المهرجان الإماراتي الدولي للملصق.

وليس بسيطاً أو عادياً، أيضاً، دور وجهات دبي وشوارعها وساحاتها وأنحائها.. ومناطقها العصرية والتراثية، في الخصوص، إذ إنها أمست متاحف مفتوحة، غنية بالجداريات والمنحوتات والأشكال الإبداعية الأخرى التي تصافح الناس وتنثر في أنفسهم أعطار الخير والوئام، وتحفزهم على العطاء والجد والتآخي.

علاقة وثيقة

نعم، إن دبي أفلحت في إعادة تعريف قيمة الفنون ووظائفها في عالمنا، بل أهدتها أنفاساً وأرواحاً جديدة، خلاقة، فصارت تنبض بحكايات الناس وتلامس أفكارهم وترشدهم وتثري وعي كل منهم، علاوة على كونها أخذت تنضوي في دوائر العملية الاقتصادية الإبداعية، الوطنية والإنسانية العامة، فتنعكس وفرة وتنمية وسعادة في حيوات المبدعين والمجتمعات.