ثلاثة أسماء من شعراء الحداثة العربية تضعهم ذائقتي المتواضعة في مرتبة عليا، وتتعامل مع قصائدهم باهتمام بالغ، وسعي حثيث إلى متابعة أعمالهم، وهم: الآشوري العراقي الراحل المهاجر الأبدي سركون بولص، والبحريني المتفرد قاسم حداد، واللبناني وديع سعادة القابع في منفاه الاختياري بأستراليا، بعيدا عن وطنه، يمارس الوحدة وكتابة الشعر.
هؤلاء الثلاثة لا يمتحون من معين واحد، وتختلف قصيدة كل منهم عن الآخر، إنهم ينضوون تحت تيار واحد هو فرادة الكتابة. لكل منهم مشروعه المختلف، المتصاعد تدريجيا مع تحولات القصيدة، لكن يجمعهم طريق واحد، طريق يصل بصاحبه في النهاية إلى اجتراح أرفع ما نظمه جيل السبعينيات العربي من أعمال شعرية، وإلى منصة تتويج الأكثر تميزا.
وأنا هنا لست بصدد الكتابة عن الشعراء الثلاثة، وإنما أسجل حالة إعجاب من قارئ عربي محب للشعر في أنقى صوره، قبل الدخول في قراءة أحد هؤلاء الفرسان، وهو الشاعر قاسم حداد، وديوانه «المنسيات» على وجه الخصوص.
قاسم حداد الذي بدأ الرحلة مبكرا، منذ صدور ديوانه الأول «البشارة» عام 1970، وهو في الثانية والعشرين من عمره، ليواصل بعدها، مؤكدا موهبته اللافتة، وجدارته في هذا الاتجاه بأعمال كثيرة، مثل:
«خروج رأس الحسين من المدن الخائنة» ــ 1972
«الدم الثاني» ــ 1975
«قلب الحب» ــ 1980
«القيامة» ــ 1980
«شظايا» ــ 1981
«انتماءات» ــ 1982
«النهروان» ــ 1988
«يمشي مخفورا بالوعول» ــ 1990
«عزلة الملكات» ــ 1992
«أخبار مجنون ليلى» ــ 1996، بالتعاون مع الفنان ضياء العزاوي
«قبر قاسم»
«علاج المسافة» ــ 2000
«أيقظتني الساحرة» ــ 2004
«لست ضيفا على أحد» ــ 2007
«طرفة بن الوردة»
«ثلاثون بحرا للغرق»
«المنسيات، منسيات الآلهة» ــ 2023.
عطاء مثمر وفارق، يؤمن بأن الحداثة ليست أن تقول شيئا لم يقله السابقون، فهذا أمر عادي، أو أن تكسر الوزن، أو أن تستبدل البيت بالمقطع، والقافية بالصمت، فقد تم تجاوز هذه التفاصيل منذ أمد بعيد.
وهذا ما فطن إليه قاسم حداد مبكرا؛ فالحداثة، في أعمق معانيها، هي جعل المعنى لا يطمئن إلى صورته. نحن نرى شاعرا يوزع نفسه على الآخرين، صوتا ممكنا له أن يتنكر أو يتحول، ويستعير أصواتا لا حصر لها: الحسين، أو مجنون ليلى، أو طرفة، أو مدينة، أو امرأة… إلخ.
إنه يتحول، ثم يعود مجددا لضبط إيقاع قصيدته.
يقول في أحد مقاطع قصيدة «على لبن في التراب»:
«بكينا
حيث لا ندم ينفع في مستهل النهايات
لنا رعشة،
خشية من صفير الحرس
كلما امتدت يد لتمس النحاس
انتبه الجرس الذي لا ينام
واهتزت الجفنات المستعارة من صفحة في كتاب
ماذا يفيد
إذا ما بكينا على لبن في التراب؟
من سيقرأ قصتنا في كل باب؟
ومن سيكترث اليوم
مما سنجني غدا؟».
إنه لا يحكي حكاية، ولكنه يحدثنا عن الخوف والفقد وتأجيل الندم، وعن تحول الإنسان إلى كائن مُراقب حتى في لحظات الحزن. يتناص مع المثل العربي الشهير «لا تبك على اللبن المسكوب»، لكنه يجعله في التراب؛ انسكابا غير عابر، فهو انتقال من الحياة إلى الموت. اللبن في الثقافة العربية يعني الحياة، والغذاء، والأمومة، والبدايات. وهو يحاول في بقية النص إعطاء الكتابة مكانتها كفعل مقاومة للنسيان، ومنح الفقد حياة رمزية جديدة داخل اللغة.
أما في قصيدة «لا تغفل»، فهو يجرب مجددا مراوغة النسيان، منشدا ومنبها:
«وإذا نسيت
سيذكرك الطريق
وخطاك التسعون المنسية
نحو حجارة الباب الذي ينساك
يذكرك الرماد قبيل تنفس الوردة
ويحترق انتشاء بالحياة
حين تموت
تذكرك الفاقدات نساءها
وتنفس الليل الذي دل الهواء عليك
إذا نسيت
انتبه
تذكر وانتظر
يأتي إليك طريقك المنسي
يذكرك».
ثم يعاود تذكير المُخاطب بأن تسعين ليست جمة، وأن وردة الرماد سوف تموت كالفينيق، وسوف يذكره الجمر تحت الرماد، محذرا إياه في خطوة أخيرة: إذا خطوت إلى سرير الأرض، تذكر وانتظر.
إنه لا يواجه النسيان بالذاكرة، لكنه يقلب العلاقة بينهما. الذي ينسى لا يختفي، إنما يكتسب قدرة على العودة. الطريق يتذكر الخطى، والحجارة تحفظ العابر، والرماد يستبقي سر الحاضر، حتى الليل يتنفس في الاتجاه الذي دل عليه الهواء، كأن الإنسان، في أعمق معنى له، ليس ما يتذكره عن نفسه، ولكن الأهم هو ما تركه في الأشياء دون أن يدري.
في نوع من اللعب والتجريب، ينسج الشاعر عدة قصائد شذرية، واضعا العنوان كسطر أول، ثم يكمل الكتابة، متلقيا خيط القصيدة من هذا العنوان، على النسق التالي:
«شربت الشمس كأسها
واستراحت
دخلت زنزانتها البحرية
وسحبت أحلامها مثل شال
وشاح يتدفق بما يبقى من الضوء فيها
شمس لها الجمر سقفا وعافية أو ستارا».
ونموذج تال:
«قالت الآلهة
لم نخلق البشر
هم من فعل ذلك
ولا يزالون».
وشذرة أخرى:
«كادت السماء
أن تمسح الأرض
أن تجعل الماء أرجوحة للهواء».
في هذه النصوص، وغيرها، المتناثرة في نهايات الديوان، لا يكون العنوان تعريفا لقصيدة، لكنه يصبح بداية المتن. فالشاعر يتعامل معه كأنه بذرة سردية ألقيت في فضاء اللغة، ثم يستخرج منها ما لم يكن مكتوبا فيها صراحة، حتى نكاد نشعر أن مركز القصيدة كلها موجود داخل الجملة الأولى، وما يأتي بعدها تفجير لاحتمالاتها، وليس شرحا لها.
ومن خلال هذه الحيلة الشكلية، تصبح الكلمات نتيجة سببية للبداية، مع العنوان التوليدي الذي يأتي على عكس ما يفعله الشعراء عادة، حين يضعون النص ثم يبحثون عن عنوان له.
أما في قصيدة «أيها المطمئن» فيقول:
«يصح لك ليل القلق
فالهدوء الذي يوقظ الفتن
يستثير الخروج في العتمة،
يفقد النائم حكمته،
ويستعيد الساهرون ذكرياتهم عن المدينة
وهي تحبس القرى
فلا يعود النبيذ يكفي
وليس في ممرات الغيم
قنديل يؤنس قصف الحانة
قلق يحرس القرى بفهارس منسية
والخيالات تسبق الخطى
وإذا صح لك ليل ماجن
ستصد الثعالب الصهباء
وهي تتبع خط الشواء
لئلا يثق الساهرون
في حكاية اللحم النيء مع الثعالب
فالحيوان لا يصدق حكاياتنا عنه».
يمكننا قراءة النص على أنه اشتغال على الوحدة الداخلية، والتوتر، والمفارقة، وكثافة الصورة. فهو يتقدم عبر توالد الصور، كل صورة تستدعي التي تليها، حتى نشعر أن هذا الانتقال ضرب من الإيقاع الداخلي، ما يمنح القصيدة وحدتها، رغم التفتت الداخلي. والصور تتحرك في اتجاه واحد، قريب من زعزعة الاطمئنان، حتى نكاد نشعر أن القلق هو الذي يشكل حياتنا.
في هذا الديوان، يبدو لنا أن قاسم حداد أقل اهتماما بأن يقول لنا شيئا نهائيا. فالقصيدة عنده ليست مكانا للإجابة، وإنما هي الحيز الذي يستعيد فيه السؤال قدرته على الحياة. ربما لهذا يظل شعره قابلا للقراءة المتجددة؛ فهو لا يمنح المتلقي المعنى الذي يرجوه، تاركا في داخله شيئا ناقصا، يتحرك وينتظر. وهنا تكمن حداثته، وهو يواصل إعادة توزيع الذاكرة على العالم في كتاب يتحدث عن النسيان.
يقول الشاعر في قصيدة «النهاية»:
«بلا معنى
انتهينا في يد وزجاجتين
وطائر تاه البريد به.
رسائل أخوة يتكاسرون على الطوابع
كي تضيع رسائل الأسرى
مكدسة أمام الماء
عطشى،
وشبه يد مضمخة بعطر الغائبين
رسائل أخوة يبكون في لغة
بلا معنى،
انتهينا، أو نسينا الشمس
والريح التي انكسرت على أسوارنا
تاهت سدى
أحلى رسائلنا سدى ضاعت
بلا معنى
تحاجزنا على أجسادنا
وبكى لنا شجر
وضاع الزيزفون بنا
فصرنا بعض أخطاء ملفقة
وكدنا أن نموت،
وربما متنا».
إنه نص عن استحالة الوصول: رسائل لا تصل، وطائر يتيه، وريح تنكسر، وزيزفون يضيع، وشمس تنسى، وفي النهاية لا يبقى للإنسان سوى احتمال غامض، مثل «ربما متنا».
فقاسم حداد هنا يبدو كأنه لا يكتب عن النهايات، ولكنه يكتب عن اللحظة التي يصبح فيها المرء عاجزا عن إثبات أنه ما زال حيا. فالموت لديه لا يعبر عن انطفاء الجسد بقدر ما هو فقدان الإنسان قدرته على منح وجوده معنى.
قاسم حداد: «المنسيات»
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
160 صفحة.
