توثيق يوميات أسامة في غزة بعدسة أحمد حسونة (Coorigines Productions)

 

يرغب أسامة العشي، المُصوّر الصحافي الفلسطيني، في تمكّنه من منح ابنه الوليد حديثاً حياة أفضل وأهدأ وأكثر أمناً، فحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، منذ “7 أكتوبر” (2023)، تنزع من أبناء القطاع وبناته حياة وأحلاماً ومدناً ومنازل وذكريات وأهلاً وأحبّة. أسامة يُظهر حبّاً لمدينة غزة، حيث يعيش مع أهل وعائلة. يحمل آلة التصوير ليوثِّق كلّ لحظة (إن يتمكّن من ذلك)، فالتوثيق البصري يقول للعالم، بعد تسريب المُصوَّر إلى مؤسّسات إعلامية غربية، ما تفعله إسرائيل. هذا يستدعي جرأة، لكن الخوف والفرح، لحظة ولادة ابنه الأول، يجعلانه أقوى في مواجهة الخراب، كما يقول. فالخوف منبثقٌ من قلق فيه إزاء المقبل من الأيام بالنسبة إلى ابنه أولاً، وإلى عائلته وأهله طبعاً؛ والفرح مُتأتّ من ولادة الابن، ولعلّ هذا كافٍ ليتحدّى الخراب نفسه، الذي يحاصره في الجهات كلّها.

وإذْ يوثّق أسامة يوميات فلسطينية في مدينته، تتعلّق به وبعائلته وأهله وزملائه، يوثّق أحمد حسونة ما يوثّقه أسامة، فيُنجز معه وثائقياً غير متكلِّف، يعنونه بـ”المواطن أسامة” (2026، 69 د.)، المعروض للمرة الأولى دولياً في برنامج Venice Open ـ خارج المسابقة، بالدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) لمهرجان فينيسيا السينمائي. اليوميات تلك تجمع تفاصيل العيش في جحيمٍ يزداد عنفاً ووحشية، مع تفوّق إسرائيل على نفسها في ابتكار أشكال كثيرة من الموت. تفاصيل، بعضها يُفترض به أن يكون عادياً وحقّاً، لكن الحرب تحول دونهما: الخبز الذي يؤكل، يُصنع من علف الحمير. الطحين مُسوَّس، لكن لا رائحة عفنة له. هذه المياه غير حلوة، فلن توضع في برميل المياه الحلوة، أو ما تبقى منها. البنزين. حتى المساعدات المرمية من طائرتين، يقع بعضها في البحر، والموج عالٍ، والتيار كثير.

 

 

لكن اليوميات نفسها تتضمّن لحظات ضاحكة، فزملاء أسامة (مصوّرون ومراسلون صحافيون)، أو الأحياء منهم (هناك لقطات توثِّق مقتل بعضهم)، يلتقون غالباً أمام مشفى لمتابعة الحاصل هنا وهناك، فيمنحون أنفسهم مسافة لتبادل نكات، بعضها يُضحك رغم “سخافته” (أو بسببها)، كما يقول أحدهم. في المقابل، هناك قلق الوالدين: يريد أسامة الذهاب إلى جباليا لتحقيق عملٍ له، فيرفض الأب، وتخاف الأم. حوار مقتضب بين الأب وابنه يُلخِّص التناقض الكبير بين مسألتين: أسامة يُدرك أن العمل الصحافي مع الناس يتطلّب وجوداً بينهم ومعهم، لكن الأب غير مكترث البتة، فهذا الوجود يُشكِّل خطراً على ابنه، ما يجعله متشدّداً في رفض ذهابه.

لا ضرورة لسرد كل شيء. “المواطن أسامة”، المختار فلسطينياً للائحة الأولى لأوسكار أفضل فيلم دولي 2027، وثائقي مُبسّط وغير متفذلك، لرغبة صانعيه (إنتاج مشترك بين رشيد مشهراوي ولورا نيكولوف وأحمد حسونة) في توثيق الآنيّ، ببعض تفاصيله وخبرياته وآلامه، ولحظات هنائه النادر: تُصرّ والدة أسامة على الاحتفال بمرور عام على ولادة حفيدها. تقول لابنها إنها قادرة على صنع القليل من المعجنات، أو قالب حلوى: “لنضحك على أنفسنا ولنفعل هذا”. لقطات الدمار، المُكرّر تصويرها في أفلام من غزة وعنها زمن حرب الإبادة الإسرائيلية، يؤكّد مجدّداً أن خراباً يحلّ بأرواح ونفوس وأجساد وعمارات وأزقة ومدينة. صوت المسيّرات، المقصود به إثارة هلع الناس وقلقهم أيضاً، يتكرّر بدوره، لأنه جزءٌ من تلك اليوميات.

بعض تلك اليوميات يحضر في “عفواً سينما”، لحسونة نفسه: فيلم قصير في “من المسافة صفر” (2024، 22 فيلماً قصيراً لـ22 شابة وشاباً من غزة، بإشراف رشيد مشهراوي). كأنه تمهيد لـ”المواطن أسامة”، باشتغاله على التوثيق المتأتي من التقاط نبض الراهن. الوثائقي الطويل ينقل، ببساطة تصويره (مدير التصوير: يوسف المشهراوي) وتوليفه (حسونة ودوني لو بافان)، بعض الحكاية الفلسطينية، التي يجب نقلها بكل الوسائل الممكنة، واشتغالات رشيد مشهراوي مع شباب غزاويين إحدى تلك الوسائل، المصنوعة ببساطة، لا تُلغي توثيق وجع وقهر ومحاولة بقاء وعيش.