مروة البرغش – سوريا
هبة سكر، شابة من سوريا في الثانية والثلاثين من عمرها، من ذوي الهمم، اختارت أن ترى العالم بطريقتها الخاصة، وأن ترسم ما تراه بيديها. في “صف الأميرات” تعلّمت الأحرف وبعض مبادئ الرياضيات البسيطة، لكن موهبتها الحقيقية وجدت طريقها في عالم الأشغال اليدوية؛ تعلّمت الصوف والكروشيه والخرز، قبل أن يصبح الأخير شغفها الأبرز ومساحتها الخاصة للتعبير.
اليوم، تجلس هبة أمام لوحاتها، وتضع خرزة تلو الأخرى بعناية ودقة، حتى تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أعمال فنية تحمل بصمتها الخاصة. بعض اللوحات تنجزها خلال يوم واحد، فيما تحتاج أخرى إلى عدة أيام من العمل، بحسب حجمها وتفاصيلها.
دقيقة واحدة غيّرت كل شيء
تروي شهيناز سكر، والدة هبة، أن قصة ابنتها مع الرسم بالخرز بدأت بطريقة لم تكن تتوقع أن تقود إلى ما وصلت إليه اليوم.
فقد أرسل والد هبة من هولندا لوحة لتتعلم من خلالها طريقة الرسم بالخرز. جلست هبة أمامها لتتعلم، ولم تستغرق عملية الشرح سوى دقيقة واحدة، قبل أن تفاجأ والدتها بأنها فهمت الطريقة وأتقنتها.
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الخرز مجرد هواية بالنسبة إلى هبة، بل أصبح عالماً تصنعه بيديها، ولوحات تحمل رؤيتها الخاصة.
“سندريلا” التي اختارت أن تكون أميرة
هبة لا ترى نفسها كما قد يراها الآخرون، بل كما تحب هي أن ترى نفسها: أميرة. تطلق على نفسها اسم “سندريلا” و”ساندي بل”، وتعيش جزءاً من عالمها على طريقة أميرات ديزني. حتى في تعاملها مع الآخرين، تعرف هبة جيداً كيف تضع حدودها؛ فهي لا تسمح لأحد بأن يناديها إلا “الآنسة هبة”.
هذه الشخصية القوية، كما تقول والدتها، لم تولد بين ليلة وضحاها، بل كانت ثمرة سنوات من التعب والعمل والإيمان بقدرات ابنتها.
وتشير شهيناز إلى أن العائلة بذلت جهداً كبيراً في سبيل بناء شخصية هبة وتعزيز ثقتها بنفسها، وإنها لطالما آمنت بأن ابنتها قادرة على أن يكون لها عالمها الخاص ودورها في المجتمع.
وتضيف أن هبة، وضمن كل ما يميز شخصيتها، تحمل قلباً كبيراً تجاه الآخرين؛ فهي تمنح من حولها الحب والكرم بلا تردد. وحتى عندما تقول لها والدتها إنها لم تعد تملك المال، لا تتردد هبة في فتح محفظتها وإعطائها كل ما تملك.
“تعبت كثيراً حتى أوصل هبة إلى هنا، وما بدي هذا التعب يضيع”، تقول والدتها، التي ترى أن ما وصلت إليه ابنتها اليوم هو نتيجة إصرار العائلة على دعمها وصقل شخصيتها.
خرزة وراء خرزة.. تبني هبة مستقبلها
بالنسبة إلى هبة، اللوحات ليست مجرد قطع فنية للعرض، بل هي عالمها الخاص الذي ترى من خلاله الدنيا.
تقضي ساعات طويلة في العمل، تضع خرزة إلى جانب أخرى، بعناية وصبر، حتى تكتمل اللوحة. ومع الوقت، بدأت هذه الموهبة تأخذ شكلاً أكثر جدية؛ فهبة اليوم تعرض لوحاتها للبيع، على أمل أن يتحول شغفها إلى مشروع خاص بها.
الحلم لا يتوقف عند بيع لوحة هنا أو هناك. تطمح العائلة إلى أن يصبح عمل هبة مهنة حقيقية ومصدر دخل آمناً ومستداماً لها، يرافقها في المستقبل ويمنحها قدراً أكبر من الاستقلالية والأمان.
“لا نريد الشفقة.. نريد فرصة”
من قصة هبة، تفتح شهيناز باباً أوسع على واقع ذوي الهمم ومستقبلهم، خصوصاً عندما يفقدون السند الذي رافقهم طوال حياتهم.
وتقول في حديثها لـ”النهار” إن ذوي الهمم بحاجة إلى دعم أكبر من الدولة، وإلى مشاريع حقيقية لا تقتصر على المساعدة الآنية، بل تؤمّن لهم مستقبلاً ومصدر دخل ثابتاً.
وتقترح إنشاء أراضٍ كبيرة تُقام عليها شقق سكنية مخصصة للإيجار، بحيث يعود ريعها إلى ذوي الهمم، مع وضع آلية قانونية وإشراف مناسب يضمن استمرار الاستفادة من هذه الموارد، خصوصاً في حال فقدانهم ذويهم.
حين تصبح الموهبة طريقاً إلى الأمان
قصة هبة ليست حكاية فتاة وجدت هواية فحسب. إنها حكاية عائلة آمنت بابنتها، وتعبت لتبني شخصيتها وتمنحها الثقة، وحكاية موهبة وجدت في الخرز لغة خاصة بها.
هبة لا تحتاج إلى أن ينظر إليها الناس من زاوية الإعاقة فقط. هي “الآنسة هبة”، و”سندريلا”، والفنانة التي تصنع لوحاتها بيديها، خرزةً بعد خرزة.
وربما يكون ما تحتاجه اليوم أبسط مما يبدو: أن يُرى فنها، وأن تُمنح موهبتها فرصة حقيقية، وأن تتحول تلك اللوحات التي تصنعها بصبر إلى مهنة تحفظ لها مكانتها ودخلها وأمانها.
فهي لا ترسم اللوحات فحسب… هبة ترسم، خرزةً خرزة، مستقبلاً تتمنى ألا يضيع.
