يعود عالم “لوني تونز” إلى السينما من خلال فيلم “كويوت ضد أكمي” (Coyote vs. Acme)، وهو فيلم يجمع بين الرسوم المتحركة والأداء الحي، من إخراج ديف غرين، وكتابة سامي بورش، بالاشتراك مع جيمس غان وجيريمي سلاتر، ومستند إلى مقال ساخر للكاتب إيان فريزر نشرته مجلة “نيويوركر” عام 1990. يضم الفيلم في بطولته ويل فورتي، وجون سينا، ولانا كوندور، وتون بيل، إلى جانب عدد من أشهر شخصيات “لوني تونز”.
يحمل الفيلم أهمية خاصة نتيجة قصة إنتاجه، فبعدما اكتمل بميزانية تقدر بنحو 70 مليون دولار، قررت “وارنر براذرز” إلغاء طرحه عام 2023، ثم أعيد إحياؤه بعد استحواذ شركة “كاتشب إنترتينمنت” على حقوق توزيعه.
أكمي.. مثال واقعي في فيلم غير واقعي
يستعيد “كويوت ضد أكمي” عالم شخصيات “لوني تونز” من زاوية مختلفة، وهو عالم تعيش فيه الشخصيات الكرتونية إلى جانب البشر، وتظهر شركة “أكمي” على أنها قوة اقتصادية تنتج تقريبا كل شيء يحتاج إليه هذا العالم.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
نتعرف في بداية الفيلم على وايل إي. كويوت، الشخصية الكرتونية التي قضت سنوات عمرها في مطاردة الطائر رود رنر باستخدام منتجات “أكمي”، ثم يكتشف أن سلسلة الكوارث التي يتعرض لها واعتاد المتفرج أنها جزء من كوميديته يمكن أن تكون في الواقع قضية قانونية متكاملة.
يحدث ذلك بعدما ينقلب عليه أحد منتجات أكمي مجددا، ويتوجه كويوت إلى مكتب المحامي كيفن أفري (ويل فورتي)، الذي يتولى القضايا الصغيرة للشخصيات الكرتونية، ويعرض عليه مجموعة ضخمة من منتجات أكمي التي تسببت في إصاباته المتكررة. في البداية، لا يرى كيفن في القضية فرصة حقيقية، فهو محام متعثر اعتاد إنهاء القضايا بالتسويات، ومواجهة شركة بحجم أكمي انتحار مهني له، لكنه يتورط في القضية ويكتشف أن كويوت يمتلك تاريخا طويلا من المنتجات التي فشلت في أداء وظيفتها وألحقت به الضرر.
يحول الفيلم “أكمي” من الشركة التي تقدم منتجات فاسدة لـ”كويوت” لتوليد الكوميديا، إلى مؤسسة رأسمالية كاملة، مؤسسة تواصل بيع منتجاتها رغم سلسلة النتائج الكارثية التي تنجم عنها، وتعامل كويوت كمشكلة ينبغي التخلص منها بأقل تكلفة ممكنة.
“أكمي” لا تمثل الرأسمالية لمجرد أنها شركة تحقق الأرباح، وإنما لأنها تجسد مجموعة من الآليات التي تجعل المؤسسة قادرة على تحقيق المكاسب مع نقل تكلفة الأخطار إلى الطرف الأضعف، تنتج أدوات خطرة وتبيعها للمستهلك، ثم عندما تفشل هذه الأدوات لا تتحمل النتيجة.
وهذه النقطة تجعل أكمي أقرب إلى نموذج للشركات التي تستطيع الاستفادة من اختلال ميزان القوة بينها وبين المستهلك. فكويوت لا يملك مختبرات الشركة ولا معلوماتها ولا محاميها ولا قدرتها على إدارة الأزمات. وكلما وقع حادث جديد، يبدأ من الصفر، بينما تظل المؤسسة قائمة وتستمر في إنتاج وبيع المنتجات نفسها.
الفيلم الذي عاش نفس قصته خارج الشاشة
تزداد المفارقة في “كويوت ضد أكمي” حين نكتشف أن الفيلم نفسه عاش، خارج الشاشة، تجربة تشبه القضية التي يخوضها بطله، فالفيلم الذي يدور حول شخصية ضعيفة تحاول مواجهة شركة عملاقة كاد يختفي بسبب قرار اتخذته شركة عملاقة حقيقية، فبعد اكتماله، قررت “وارنر براذرز” عدم طرحه للجمهور والاستفادة من خصم ضريبي بدلا من إصداره، في قرار جعل فيلما مكتملا شارك فيه مئات العاملين يتحول إلى أصل مالي يمكن للشركة التخلص منه بدلا من منحه فرصة الوصول إلى الجمهور.
ومن ثم أصبحت حالة الفيلم نموذجا للظلم الرأسمالي الذي ينتقده، ففي عالمه تواجه شخصية صغيرة مؤسسة ضخمة، وخارج الشاشة وجد الفيلم الوضع ذاته قائما، وأصبح مصيره خاضعا لحسابات شركة أكبر منه، ولم يكن السؤال وقتها متعلقا بجودة الفيلم أو نسب نجاحه المحتملة، وإنما بقيمته داخل حسابات الشركة وميزانيتها.
لم تنته قصة الفيلم عند قرار الإلغاء، فبعد حملة واسعة من صناع الفيلم والجمهور للمطالبة بإتاحته، دخلت شركة “كاتشب إنترتينمنت” في مفاوضات للحصول على حقوق توزيعه، وانتهى الأمر بإعادة الفيلم إلى السينما، مما يجعل تاريخ إنتاج “كويوت ضد أكمي” جزءا من معنى الفيلم، وليس مجرد حكاية طريفة خلف الكواليس، فلو اختفى الفيلم كما كان مقررا، لكان الأمر بالضبط كما لو أن أكمي انتصرت على كويوت داخل القصة.
الكوميديا أداة لمواجهة الرأسمالية
ينتقد “كويوت ضد أكمي” الرأسمالية لينضم في ذلك إلى عدة أفلام رسوم متحركة حديثة قامت بتفكيك الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، بداية من “وول – إي” (WALL-E) الذي انتقد الاستهلاك المفرط للموارد، إلى “زوتوبيا” (Zootopia) الذي استخدم مجتمع الحيوانات لمناقشة التمييز والبنى الاجتماعية، ومن ثم تحولت الرسوم المتحركة إلى مساحة تسمح بطرح أسئلة سياسية واقتصادية يصعب تقديمها بالوضوح نفسه في الأفلام الحية.
تكتسب هذه المساحة أهمية من الإمكانيات الواسعة لأفلام الرسوم المتحركة، سواء في الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور من أعمار مختلفة، أو حتى قابليتها لتمرير الرموز والأفكار والمجازات، فأكثر الأفكار تعقيدا تبدو بسيطة. في حالة فيلم “كيوتوت ضد أكمي”، يسهل وضع الكثير من الكيانات الاقتصادية العملاقة محل شركة “أكمي”، مع تحويل آليات الرأسمالية إلى مادة ثرية بالكوميديا دون أن تفقد حدتها.
يمكن النظر إلى كويوت هنا بوصفه نموذجا قابلا للاستبدال بأي شخص يقف في الطرف الأضعف من المعادلة؛ فلو أزلنا ملامحه الكرتونية ووضعنا مكانه عاملا فقيرا، أو امرأة، أو مهاجرا، أو أي فئة مهمشة تواجه مؤسسة أكبر منها، فلن يتغير جوهر الصراع كثيرا.
تظل المؤسسة تملك المال والموارد والنفوذ، بينما يظل الفرد مطالبا بإثبات أنه ليس المسؤول عن الأضرار التي لحقت به. وهذه إحدى نقاط قوة الرسوم المتحركة في تناول القضايا السياسية والاجتماعية؛ إذ تستطيع أن تمنح الشخصيات المستحيلة ملامح إنسانية، ثم تستخدم عالمها الخيالي لتجريد علاقات القوة من تعقيداتها ووضعها أمام المتفرج في صورتها الأكثر مباشرة.
لذلك لا يحتاج “كويوت ضد أكمي” إلى تسمية الشركات أو الفئات التي ينتقدها؛ إذ يكفي أن نرى كائنا صغيرا يحاول مقاومة مؤسسة ضخمة، لندرك أن كويوت يمكن أن يكون أي شخص لا يملك القوة الكافية لمواجهة النظام الذي يعيش داخله.
