تتسلل سينما الذكاء الاصطناعي إلى المهرجانات من مساحات موازية للمسابقات الرسمية، مدفوعة بآلاف الأفلام التي يمكن إنتاجها من دون ممثلين أو مواقع تصوير، في مسار يشبه ذلك الذي اتبعته أفلام المنصات التي قوبلت بالرفض قبل أن تصل إلى أكبر الجوائز.

وجاءت أحدث إشارات هذا التحول من مهرجان “ريبلاي لأفلام الذكاء الاصطناعي” (Reply AI Film Festival)، الذي أقيمت دورته الثالثة على هامش مهرجان فينسيا  السينمائي، واستقبل أكثر من 3 آلاف فيلم قصير من 76 دولة، قبل اختيار عشرة أعمال للقائمة النهائية.

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

ولا ينتمي مهرجان “ريبلاي” إلى مسابقات مهرجان فينسيا  الرسمية، لكنه أقام حفل جوائزه في جزيرة ليدو، حيث يجتمع صناع السينما والصحافة والموزعون خلال المهرجان العريق. ويمنح هذا القرب الجغرافي والمهني أفلام الذكاء الاصطناعي موطئ قدم على هامش المؤسسة السينمائية، حتى إن ظلت خارج أبواب مسابقاتها الكبرى.

وفاز المخرج الكندي روبرت غوديت بالجائزة الأولى عن فيلمه القصير “وجه لا تحبه إلا أم” (A Face Only A Mother Could Love)، خلال الحفل الذي نظمته شركتا “ريبلاي” و”ماستركارد”، الأحد 6 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع الدورة الـ83 من مهرجان فينسيا .

بطل لم يقف أمام الكاميرا

يروي الفيلم قصة مارسيل، وهو شاب فرنسي وُلد بتشوّه في الوجه ويعيش منعزلا عن الآخرين، قبل أن تتغير حياته عندما تقترب منه امرأة وتنشأ بينهما صلة إنسانية عميقة، لكن أهمية الفيلم لا تقتصر على حكايته، بل تمتد إلى الطريقة التي تحول بها السيناريو إلى صور وشخصيات وحركة، فقد استخدم غوديت أدوات “غروك” (Grok) و”نانو بانانا” (Nano Banana) و”سي دانس” (Seedance)، من دون الاستعانة بطاقم تقليدي من الممثلين والفنيين.

وقال المخرج إن الذكاء الاصطناعي وفر له الوسيلة الوحيدة القابلة للتنفيذ لتحويل السيناريو إلى فيلم، بعدما حالت محدودية الميزانية دون توفير ممثلين وطاقم تصوير. وأضاف أنه بدأ المشروع من باب التجريب، ولم يكن يخطط لإرساله إلى المهرجانات أو يتوقع فوزه بجائزة.

أرقام تتجاوز حدود التجربة

قد يبدو الفيلم الفائز تجربة فردية، لكن مشاركة أكثر من 3 آلاف عمل من عشرات الدول تجعل الظاهرة أكبر من قصة مخرج واحد، فقد كشف العدد الكبير للأفلام المشاركة عن نشوء قطاع سريع الاتساع، يختبر أدوات جديدة للكتابة وتصميم الشخصيات وتوليد الصور والأصوات والمؤثرات ومرحلة ما بعد الإنتاج.

اشترطت مسابقة “ريبلاي” أن يكون الفيلم مولّدا أو مطوّرا باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع تقديم وثيقة تشرح كيفية توظيف التقنية في إنتاجه، وتسمح باستخدام الأدوات الجديدة وحدها أو دمجها بالوسائل السينمائية التقليدية، وهو ما يعكس انتقال النقاش من الفصل بين الإنسان والآلة إلى بناء نماذج إنتاج هجينة.

وترأس لجنة التحكيم المخرج الإيطالي غابرييلي سالفاتوريس، الفائز بجائزة أوسكار، وقال إن الأفلام أظهرت قدرة المخرجين الشباب على الجمع بين الأفكار والشاعرية والتكنولوجيا. وأضاف أنه وصل إلى المسابقة بشيء من الشك، لكنه غادرها بأمل متجدد.

وحصل فيلم الرسوم المتحركة الأميركي “لو دريب” (Le Drip)، للمخرجين أليكس ناغافي وإزرا لي، على المركز الثاني، فيما ذهب المركز الثالث إلى “روضة المعمرين” (Centenarian Kindergarten)، لتجمع الفنانين الصيني “تو إكس لابس” (2xLabs).

وتدور أحداث “روضة المعمرين” عام 2090، في عالم لم يعد يشهد ولادة أطفال، حيث يحاول أربعة أشخاص تجاوزوا المئة الهرب من منشأة تفرض فيها مساعدات الذكاء الاصطناعي سعادة إجبارية، سعيا إلى استعادة ما تبقى من نقائصهم الإنسانية.

من نتفليكس إلى الذكاء الاصطناعي

يستعيد هذا الحضور المتنامي جانبا من المعركة التي خاضتها أفلام المنصات قبل أقل من عقد، عندما واجهت المؤسسات السينمائية حول تعريف “الفيلم السينمائي” الذي لم يعرض في أي دار عرض، وبلغ الخلاف ذروته في مهرجان كان عام 2017، عندما اختار فيلمي نتفليكس “أوكجا” (Okja)، للمخرج بونغ جون هو، و”حكايات مايرويتز” (The Meyerowitz Stories)، للمخرج نواه بومباك، للمنافسة على السعفة الذهبية، رغم عدم وجود خطة لعرضهما تجاريا في دور السينما الفرنسية.

وقوبل ظهور شعار نتفليكس في بداية عرض “أوكجا” بصيحات استهجان، وسط اعتراض موزعين وأصحاب دور عرض على منح أفلام البث الرقمي المكانة نفسها التي تحصل عليها الأفلام السينمائية التقليدية.

واستجاب مهرجان كان للجدل بإقرار قاعدة تطبق منذ دورة 2018، وتشترط حصول الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية على عرض تجاري داخل فرنسا.

وأصبحت استراتيجية نتفليكس، القائمة على إتاحة أفلامها سريعا للمشتركين، غير متوافقة مع شروط المسابقة ومع القواعد الفرنسية التي كانت تفرض فترة طويلة بين العرض السينمائي والبث عبر الاشتراك، لكن إغلاق باب “كان” لم يوقف أفلام المنصات، بل نقل مركز الصعود إلى مهرجانات أكثر مرونة. فقد منح مهرجان فينسيا، فيي العام التالي، جائزة الأسد الذهبي لفيلم “روما” (Roma)، للمخرج ألفونسو كوارون، ليصبح أول فيلم توزعه نتفليكس يفوز بالجائزة الكبرى للمهرجان.

ونالت أفلام المنصات الشرعية التي كانت تبحث عنها، وتحولت إلى منافس دائم في موسم الجوائز، حيث وفاز فيلم “قوة الكلب” (The Power of the Dog)، الذي عرضته نتفليكس، بجائزة الأسد الفضي لأفضل إخراج لجين كامبيون في فينسيا عام 2021، قبل انتقاله إلى سباق الأوسكار.

التاريخ يعيد نفسه

تشبه سينما الذكاء الاصطناعي أفلام نتفليكس، إذ بدأت بتحدي تعريف قديم للسينما، وواجهت اعتراضات وغضبا واختلافا حول مكان مشاهدة الفيلم وموعد عرضه، بينما وصل الخلاف الجديد إلى هوية من صنع الفيلم، ومن كتب السيناريو، ومن أدى الشخصية الظاهرة على الشاشة.

وإذا كانت المنصات قد غيرت طريقة وصول الفيلم إلى الجمهور، فإنها ظلت تعتمد على المخرجين والكتاب والممثلين وفرق التصوير، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي التدخل في الكتابة والتصميم والصوت والصورة والأداء، وهو ما يثير الجدل حول حقوق الملكية، ومصادر المواد المستخدمة لتدريب النماذج، ومستقبل الوظائف الإبداعية.

وأطلق مهرجان كان عام 2024 مسابقة الأعمال الغامرة، ثم عرض في دوراتها التالية أعمالا تستخدم الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والوسائط المختلطة، باعتبارها أشكالا جديدة للسرد تتجاوز الشاشة التقليدية.

الذكاء الاصطناعي في كان

وفي دورة 2026، ظهر الذكاء الاصطناعي بقوة داخل سوق كان السينمائية والفعاليات التقنية الموازية، بينما ظلت الأعمال التي تعتمد عليه بصورة أساسية خارج المنافسة على السعفة الذهبية. وقال مدير المهرجان تييري فريمو إن التقنية لا يمكن أن تكون بديلا عن الموهبة، في وقت اتجه فيه مخرجون إلى قبول استخدامها بحذر في المؤثرات وعمليات ما بعد الإنتاج.

2- جيانكارلو إسبوزيتو وتيلدا سوينتون في فيلم "أوكجا" © 2017 - Netflixجيانكارلو إسبوزيتو وتيلدا سوينتون في فيلم “أوكجا” (نتفليكس)

وتبنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، في قواعد الدورة الـ99 لجوائز الأوسكار المقرر إقامتها عام 2027، موقفا يفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة وبين حلوله محل المبدع البشري. وأوضحت أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يفيد فرص العمل في الحصول على ترشيح ولا يضرها تلقائيا، على أن يُنظر في مدى بقاء الإنسان في قلب عملية التأليف الإبداعي. واشترطت أن تكون الأعمال المرشحة لفئات الكتابة بشرية التأليف، وأن تكون الأدوار المرشحة لفئات التمثيل مؤداة فعليا بواسطة أشخاص، وبموافقتهم، كما احتفظت بحق طلب معلومات إضافية عن طبيعة استخدام التقنية في كل عمل.

لا يعني إقامة مهرجان “ريبلاي” بالتزامن مع مهرجان فينسيا أن أفلامه أصبحت جزءا من المسابقة الرسمية، كما لا تضع جائزته الفيلم الكندي في مرتبة الفائزين بالأسد الذهبي، لكن وجود 3 آلاف فيلم وحضور لجنة يرأسها مخرج حاصل على الأوسكار يشيران إلى أن المجال تجاوز مرحلة العروض التقنية الصغيرة.

ويبدو هامش مهرجان فينسيا وكأنه تخصص في نحت تعريفات جديدة للعمل السينمائي، وقد لا تسلك أفلام الذكاء الاصطناعي الطريق نفسه الذي سلكته نتفليكس، لأن الاعتراض عليها يرتبط بجوهر العملية الإبداعية، وليس بطريقة التوزيع وحدها، لكن تجربة المنصات توضح أن الحدود التي ترسمها المهرجانات لا تبقى ثابتة عندما تتغير الصناعة ويزداد عدد الأفلام والجمهور والاستثمارات.