داخل غرف العمليات تُنسج حكاية مسلسل “بنج كلي” المصري، الذي يتناول حالات طبية وأسرارًا وصراعات مهنية وإنسانية، في عمل من 15 حلقة كتبها محمد سليمان عبد المالك وأخرجته نادين خان.
حقق المسلسل حضورًا لافتًا في قوائم المشاهدة في مصر، لكنه أثار في الوقت نفسه جدلًا داخل الوسط الطبي، مع اعتراضات على دقة بعض التفاصيل والصورة التي قدمها لبعض العاملين في المستشفى.
وليس “بنج كلي” أول عمل درامي يتناول مهنة بعينها ويواجه انتقادات من العاملين فيها. وبين نجاح المسلسل والجدل الذي رافقه، عاد سؤال قديم بصيغة جديدة: عندما تستند الدراما إلى مهنة ووقائع حقيقية، إلى أي حد يمكنها تغيير الواقع لخدمة الحكاية؟
من غرف العمليات إلى الشاشة
تبدأ الحكاية مع دعاء، طبيبة التخدير التي تؤدي دورها سلمى أبو ضيف، والتي تترك مستشفى والدها بحثًا عن تجربة مهنية خاصة بها، لتجد نفسها في بيئة جديدة تضعها منذ البداية أمام اختبارات وصراعات لم تكن تتوقعها.
وهناك تلتقي عزازي، الطبيب الذي يؤدي دوره دياب، وتتغير علاقتهما عندما يكتشف أحد المرضى، بعد استيقاظه من التخدير، سرًا يدفعهما إلى البحث عن الحقيقة، فيما تتقاطع حكايتهما مع حالات طبية مختلفة.
وتستند بعض هذه الحالات إلى وقائع حقيقية؛ إذ استُلهم المسلسل من كتاب “حكايات من غرف العمليات” للدكتورة دعاء جلال، أستاذة التخدير في جامعة المنصورة، فيما تولى محمد سليمان عبد الملك كتابة القصة والمعالجة الدرامية والسيناريو والحوار.
لكن الانتقال من الواقع إلى الشاشة فتح باب الانتقادات، إذ اعترض أطباء على ضعف دقة بعض التفاصيل الطبية، فيما أقرت صاحبة الكتاب بوجود أخطاء، وقالت إن بعضها كان يمكن تداركه بالرجوع إلى الرأي الطبي.
وامتد الجدل إلى صورة التمريض، مع اعتراضات على مشاهد اعتبرها عاملون في المهنة تهميشًا لدورهم، لينتقل النقاش من مدى دقة الإجراءات الطبية إلى الطريقة التي تقدم بها الدراما أصحاب المهن على الشاشة.
في المقابل، دافع الكاتب محمد سليمان عبد الملك عن الحالات التي قدمها المسلسل، مؤكدًا أنها واقعية ومستمدة من الكتاب، لكنها خضعت للمعالجة الدرامية.
ووجد “بنج كلي” نفسه بذلك في منطقة شائكة بين متطلبات الدراما وضرورة الحفاظ على صورة دقيقة للمهن التي يتناولها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمهنة الطب وما يرتبط بها من مسؤوليات وتفاصيل متخصصة.
يطرح المسلسل، في النهاية، معادلة تتكرر في الأعمال التي تستند إلى الواقع:
كيف تحافظ الدراما على حقها في الحكاية، من دون أن تفقد صلتها بالواقع الذي تستمد منه قصصها؟
“بنج كلي” يعيد الدراما الطبية إلى الواجهة
وفي هذا الإطار، ترى أستاذة الدراما الدكتورة نسرين عبد العزيز أن مسلسل “بنج كلي” يمثل تجربة متميزة أعادت تسليط الضوء على الدراما الطبية، التي ترى أنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي مقارنة بأنماط درامية أخرى، مشيرة إلى أن العمل جمع بين البعدين الطبي والإنساني، ونجح في بناء علاقة مع الجمهور من خلال الشخصيات والحالات التي تناولها.
وتقول عبد العزيز، في حديث إلى برنامج “ضفاف” عبر شاشة العربي 2، إن “بنج كلي” سلط الضوء على عالم الأطباء والمرضى وفريق التمريض، إلى جانب تناوله حالات مختلفة قد لا يكون المشاهد على دراية بها، لافتة إلى أن بعض الحلقات تضمنت قصة أو قصتين تستند إليهما الحبكة الدرامية.
وتضيف أن العمل قدم أيضًا فرعًا طبيًا لا يحظى عادةً باهتمام كبير في الدراما، وهو طب التخدير، مؤكدة أهميته في العمليات الجراحية، إلى جانب تسليط المسلسل الضوء على حضور المرأة في المجال الطبي.
من الحالات الواقعية إلى الصراع الدرامي
وحول استلهام المسلسل حالات من كتاب “حكايات من غرف العمليات”، أوضحت أستاذة الدراما أن الانتقال من الحكاية الواقعية إلى الشاشة يقتضي اختيار القصص القابلة للبناء الدرامي، مشيرة إلى أن الكتاب تضمن عددًا كبيرًا من الحكايات، لكن المؤلف اختار منها ما يمكن أن تُبنى حوله الشخصيات والصراعات وتؤثر في الجمهور.
وتشير إلى أن بعض القصص تناولت المراهقين والأطفال وكبار السن، وحملت رسائل توعوية، إلى جانب قصص إنسانية تتناول الألم والعلاقات الأسرية، معتبرة أن حسن اختيار هذه الحكايات أسهم في خلق رابط بين الجمهور والعمل.
وبشأن اعتماد المسلسل على حالات طبية متغيرة إلى جانب خط درامي ممتد للشخصيات، تقول عبد العزيز إن هذه الحالات تمثل أدوات لتطوير الأحداث وبناء الصراع، لكنها في الوقت نفسه تتيح التعرف إلى قصص وتحديات جديدة.
ورأت أن بناء قصة كاملة حول كل حالة طبية سيكون أمرًا صعبًا، خصوصًا أن العمل يتابع دخول الحالة إلى المستشفى والإجراء الطبي الذي تخضع له ومآلاته.
وتضيف أن المسلسل حاول كذلك كسر الصورة النمطية المرتبطة بالخوف من المستشفيات، من خلال تقديمها بوصفها أماكن تشهد إنقاذ الأرواح إلى جانب فقدانها، وحيث تستمر الحياة بالتوازي مع الألم.
بين الدقة الطبية وحرية الدراما
وعن الانتقادات التي وجهها أطباء وممرضون إلى بعض تفاصيل العمل، تقول عبد العزيز إن الأعمال الدرامية المرتبطة بمهن متخصصة تحاول عادةً الاستعانة بأصحاب الاختصاص، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى الدقة الكاملة.
وتوضح أن الانتقادات التي استهدفت “بنج كلي” تركزت، من بين أمور أخرى، على عمليات الإفاقة والتخدير وبعض التفاصيل والكواليس داخل غرف العمليات، معتبرة أن عالم الطب شديد التعقيد، ومن الصعب على أي مؤلف أو مخرج نقل تقنياته بصورة مطابقة للواقع في كل التفاصيل.

وخلصت إلى أن المسلسل بذل جهدًا في هذا الجانب، رغم وجود بعض الإخفاقات التي وصفتها بالبسيطة، معتبرة أنها لم تؤثر في نجاح العمل، لكنها دفعت الجمهور إلى البحث وطرح أسئلة حول مدى صحة المعلومات الطبية التي عرضها المسلسل.
