أثار مقطع مصور لحفل زفاف بمدخل مسجد “الفتاح
العليم” بالعاصمة الجديدة في مصر غصبا واسعا، واتهامات للسلطات المصرية بإهانة
المكان المقدس في مقابل الحصول على المال.
المسجد الذي بنته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة
كأحد أكبر وأوسع مساجد مصر والعالم، بمساحة 106 أفدنة (٢٥٠ ألف متر مربع) وبتكلفة نحو
200 مليون جنيه وافتتح رسميا في كانون الثاني/ يناير 2019، ليتسع لـ 17 ألف مصلٍ؛ ظهر
عروسان يرقصان أمامه، بينما تعزف عازفة كمان أمام مجسم بحجم كبير للمصحف الشريف، مسطر
على صفحته الأولى آية عن الزواج.
مشهد الرقص أمام مسجد الفتاح العليم، الذي أثارت
تكلفة بنائه جدلا واسعا هو و”كاتدرائية ميلاد المسيح” كأكبر كنيسة بالشرق
الأوسط، فجر غصبا واسعا، خاصة مع وجود ملابس غير لائقة بالمكان، كونه بني ليكون مسجد
الدولة الرسمي، ولوجود 4 قاعات مناسبات و3 قاعات للنساء يمكنها استقبال أي مناسبات
بعيدا عن مدخل المسجد، وذلك مع ما أكده البعض من أن المسجد مغلق أمام الصلوات ولا يتم
فتحه إلا لصلاة الجمعة.
ومسجد الفتاح العليم، يصفه موقع الرئاسة
المصرية بأنه “درة العمارة الإسلامية الحديثة”، ويعد تحفة معمارية ويضم
4 مآذن يبلغ ارتفاع الواحدة منها 95 مترا، ويعلوه 21 قبة، أبرزها القبة الرئيسية -الأكبر
في الشرق الأوسط- التي يبلغ قطرها 33 مترا وارتفاعها الداخلي 28 مترا.
كل شيء للبيع
وبحسب
ما نشره الكاتب المصري جلال الشايب، الأحد الماضي، عبر “فيسبوك”، فإن وزارة
الأوقاف تغلق مسجد الفتاح العليم لتوفير تكاليف التشغيل والكهرباء والتكييف والصيانة،
ومع تخصيص زاوية صغيرة بجوار المسجد لمن يريد الصلاة، فيما لا يتم فتح المسجد إلا لصلاة
الجمعة فقط.
وتساءل: “إلى أين يمكن أن نصل حين يصبح
العائد المادي هو المعيار الأول للتعامل مع كل شيء؟”، مؤكدا أن “المشكلة
ليست في إقامة فرح أو تحقيق إيراد، وإنما في أن تتحول أماكن العبادة والتاريخ إلى مجرد
مساحات قابلة للتأجير، فعندها لا نكون قد بعنا المكان فقط، وإنما بعنا شيئا من معناه،
ومن ذاكرتنا، ومن احترامنا لما يمثله”، خاتما بالسؤال: “ماذا سيظل لنا بعد
أن يصبح كل شيء قابلا للبيع؟”.
سوابق مثيرة
ومؤخرا وبمقابل مالي وتحت إشراف وزارة السياحة
والآثار، انتشرت الأفراح والحفلات وموائد الإفطار الرمضانية في ساحات مساجد أثرية كمسجد
محمد علي بالقلعة، وأمام مناطق أثرية كالأهرامات، وفي القصور الرئاسية القديمة كـ”قصر
عابدين” ذو الأثر والدلالة التاريخية.
وبرغم إلزام السلطات المصرية السائحات احتراما
لقدسية المكان ارتداء غطاء للجسد والرأس وخلع الأحذية عند دخول المساجد الإسلامية التاريخية
والأثرية، مثل الجامع الأزهر، وأحمد بن طولون، والحاكم بأمر الله، والرفاعي، والسلطان
حسن؛ كشفت مقاطع مصورة من الحفلات المقامة بمسجد محمد علي، ارتداء المدعوات فساتين
مكشوفة لا تليق بقدسية ومكانة المسجد في الإسلام.
وعلى سبيل المثال جرت إقامة مراسم عقد قران وحفلات
زفاف شخصيات عامة وفنانين في صحن مسجد محمد علي بقلعة صلاح الدين بمقابل 20 ألف جنيه،
منها حفل زفاف الفنانة جميلة عوض والمونتير أحمد حافظ في حزيران/يونيو 2024، وفي الشهر
ذاته عقد قران ابنة المذيعة مفيدة شيحة، ما لاقى انتقادات بسبب عزف الموسيقى والرقص
والملابس العارية بصحن المسجد.
ويتكرر مشهد الرقص والموسيقى والملابس شبه العارية في تلك المساجد وبمحيطها على الرغم من إصدار محكمة القضاء الإداري حكما قضائيا يمنع
إقامة الملاهي الليلية وقاعات الاحتفال بالقرب من المساجد، حيث أكد الحكم الصادر عام
2021، أن “للمساجد حرمتها فلا يجوز إيذاؤها”.
حينها قال القاضي محمد عبد الوهاب خفاجي
“إذا كان المشرع قد أجاز الترخيص بأنشطة الملاهي المختلفة دعما للاقتصاد والسياحة،
إلا أنه لا ينبغي أن تختار لها مكانا بالقرب من دور العبادة لتعارض ذلك مع طهارة وقدسية
الشعائر الدينية التي تقام بين جدرانها”.
ويطالب مصريون غاضبون بإقامة دعوى تختصم وزارة
السياحة والآثار، وتطالب بمنع إقامة مثل تلك الاحتفالات في المساجد، حفاظا على قدسيتها
وعلى مشاعر ملايين المسلمين، وتقليلا للغضب الشعبي من هذا الأمر.
لا يرى إنسانا ولا وطنا
وحول نهم نظام السيسي، وما يطلق عليه “الجمهورية
الجديدة” لجمع الأموال من أي باب ليصل حد إقامة أفراح بساحة مسجد العاصمة
الجديدة، وإهانة المقدسات الإسلامية، تحدث السياسي والبرلماني المصري السابق الدكتور
جمال حشمت، لـ”عربي21″.
وقال إن “هذا النظام لا يرتبط بقيم أو أخلاق
منذ انقلاب 3 تموز/يوليو 2013، حتى الآن؛ لا دماء لها حرمة، ولا حياة البشر لها حرمة،
ولا حقوق الناس لها حرمة، ولا الشعائر مثل شهر رمضان له حرمة، ولا المساجد التي أزيلت
لأسباب واهية لها حرمة، ولا استخدامها له حرمة”.
وتساءل: “فكيف تعتب على ما لا يراك إنسانا
له كامل الحقوق، ولا وطنا له المحبة، خوفا وحرصا على مصالحه ومقوماته؟”، مضيفا:
“وهل اختزلت الحياة عند هؤلاء القوم في المال والمتعة والسيطرة على حياة الإنسان
ومقومات الوطن بأي ثمن؟”.
وخلص للقول: “نحيا فترة سوداوية من تاريخ
مصر، ستصبح ذكرى سيئة بتاريخها، وتبقى أعراض المرض منتشرة بكل مكان، وليس في المساجد
فقط، بشكل يعجل من النهاية”.
تغيير هوية مصر
وفي رؤيته، قال الكاتب والمحلل السياسي مجدي
الحداد: “الموضوع ذو شقين، ولا يتعلق فقط بشق النهم على جمع المال”، موضحا
أن “الشق الآخر هو السعي الحثيث لتغيير هوية مصر، والذي اتخذ أيضا أشكالا عدة
منها طرق مباشرة كهدم الآثار والرموز والمقابر التاريخية والقاهرة الفاطمية”.
وفي حديثه لـ”عربي21″، لفت إلى حملة
هدم المباني الأثرية والتراثية لإنشاء محور بالقاهرة، موضحا أنها “لم تستثن مقابر
أئمة الفقه الإسلامي، وأساطين الفكر والأدب والشعر، كمقابر الإمام الشافعي والعز بن
عبدالسلام، ومقابر أحمد شوقي، وطه حسين الذي هددت حفيدته بأخذ رفاته ودفنها بفرنسا
ما لم تحترم السلطات حرمة الموتى، ومنهم جدها”.
وعن الشكل غير المباشر، أوضح الحداد، أنه
“متعلق بتغيير الهوية، عبر تسفيه أئمة المسلمين، والدين عموما، والاستخفاف بحرمة
المساجد والأضرحة”، مضيفا: “وصرنا نرى مهازل ما بعدها مهازل ظهرت الآن صراحة،
كما حدث أمام ما يسمى بمسجد الفتاح العليم”.
وأشار إلى أنه تردد إلى مسامعه أن “المسجد
قد أُغلق، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن يذكر فيه اسمه ولا يعبد فيه، وانطبق عليه
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ)”.
ولفت الكاتب المصري إلى جانب آخر من محاولات
تغيير الهوية، “عبر تعيين أئمة وفقهاء ناطقون بهوى السلطان، ما اعترف به أحدهم
في آذار/مارس 2019: “إحنا شيوخ السلطان”، مؤكدا أن “كل هذه المظاهر
وغيرها، تصب في اتجاه واحد وهو تغيير هوية هذا البلد، وهذا الشعب”.
هوية دولة السيسي
ودفع مقطع حفل الزفاف أمام المسجد الذي يحمل
اسم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بكثيرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي لانتقاد الواقعة
متخوفين من توجه الدولة نحو استخدام المساجد لجمع الأموال في ظل أزمة ديون خارجية تصل
164 مليار دولار، يؤكد خبراء أن لها آثارها الكارثية على اقتصاد أكبر شعب عربي وعلى
حياة 120 مليون نحو ثلثيهم يقبعون تحت خط الفقر والفقر المدقع.
وانتقد متابعون، وبينهم مستشار وزير الأوقاف
الأسبق الشيخ محمد الصغير، إقامة حفل غناء ورقص في ساحة المسجد ووضع مجسما للمصحف الشريف
ليكون خلفية للحفل وأمامه تقف عازفة، متسائلا: “هل وصل الاستخفاف بالمقدسات إلى
هذه الدرجة؟ وهل ستصبح قاعات الأفراح مدخلا لانتهاك حرمة بيوت الله؟، وأين أعضاء حزب
النور السلفي وهم أصحاب ولاية باللجنة الدينية بالبرلمان؟”.
وفي السياق، اعتبر البرلماني السابق ممدوح إسماعيل،
أن “الرقص في الجامع وإهانة القرآن في الجامع رمزية لخطة شيطانية”، وأن
“التصريح بالحفل والزفاف والرقص إعلان عن هوية دولة السيسي”، بـ”الحرب
على المقدسات والثوابت”، و”إعلان عن قيمة الجامع عند دولة السيسي”،
و”تطبيق سيساوى لفصل الجامع عن رسالته وجعله مجرد شكل ديني”، مبينا أن
“ما حدث تعبير عن ما يتم بحق هوية مصر”.
ولفت الكاتب صلاح الإمام، إلى أنه تم توقيف أحمد
السمالوسي الشاب المصري الذي قرأ القرآن بصوت عال عبر مقطع مصور داخل المتحف المصري
الكبير، تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وتساءل الباحث الإعلامي خالد الأصور: “أين
شيخ الأزهر؟، وأين صوت الأزهر من هذا العبث؟”.
منع وهدم وتقزيم دور
وفي السياق، أكد البعض أن إقامة كتب الكتاب وإشهار
الزواج من داخل المساجد لم يعد يجري
منذ الانقلاب العسكري في 2013، إلا في حدود ضيقة، حيث يمنع الأمن إقامتها ويتخوف الأئمة
من العقاب، ويتحسب الأهالي من تصنيفهم كمنتمين إلى جماعة الإخوان.
ولفت آخرون إلى ما تعرضت له المساجد في مصر في
عهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بداية من حرق مسجد رابعة العدوية بشرق القاهرة يوم
فض اعتصام رابعة العدوية 14 آب/أغسطس 2013، وحتى هدم المساجد لتوسعة الطرق والمحاور
المرورية، إلى جانب منع إقامة بعض الشعائر لعدة سنوات في شهر رمضان مثل منع الاعتكاف
وتقليل وقت صلاة التراويح ومنع إذاعة القرآن قبل الصلوات والمطالبة بمنع الآذان، ومنع
الكثير من الدعاة وتوجيههم عبر دورات التدريب العسكري في الأكاديمية العسكرية.
اظهار أخبار متعلقة
ولإقامة مشروعات هيئة السكك الحديدية، وفي تموز/يوليو
2016، صدر قرار رسمي بإزالة 64 مسجدا وزاوية على السكة الحديد، ما تبعه بين عامي
(2018- 2019)، إزالة السلطات 30 مسجدا وزاوية لإنشاء محور ترعة المحمودية بالإسكندرية،
الأمر الذي وصل في (2020 وحتى 2023) إلى إزالة 45 مسجدا وزاوية لشق محاور السيدة عائشة،
والفردوس، وجيهان السادات، وتوسعات الطريق الدائري، بالقاهرة.
ومع توسع حملة هدم المساجد والأقبية والمقابر
الأثرية والتاريخية والتراثية مثل “قرافة المماليك” و”الإمام الشافعي”،
لإقامة محاور طرق، تخوف مختصون من أن يكون الهدف هدم جزء هام من تاريخ مصر والحضارة
الإسلامية من العصر الفاطمي والمملوكي والعثماني وحتى العصر الحديث، ونادى أثريون ونشطاء
بضرورة إيجاد حلول هندسية تفادي إزالة تلك التحف الفنية والمعمارية والشاهدة على تاريخ
مصر الوسيط والحديث.
ويلفت محللون إلى أن السيسي، تعامل مع ملف هدم
المساجد بالقوة المفرطة كما عامل المعارضة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين بالبطش
الأمني، مشيرين إلى أنه وفي آب/أغسطس 2020، برر هدم المساجد بقوله إن “المساجد
المقامة على حرم الترع أو الأراضي العامة بدون ترخيص وبشكل عشوائي لا يجوز الصلاة فيها
وفق الأحكام الفقهية الصحيحة”.
