لم تكن عودة روبرت دي نيرو إلى عالم الجريمة والغموض كافية وحدها لجعل “الرجل الهامس” (The Whisper Man) من أكثر أفلام الصيف انتظارا، فقد حمل الفيلم قيمة إضافية فرضها اجتماع دي نيرو ومايكل كيتون أمام الكاميرا مجددا، بعد تعاونهما في “جاكي براون” عام 1997.
ومع عرض العمل على نتفليكس، بدا المشروع جامعا بين حنين سينمائي إلى نجوم أفلام الجريمة في التسعينيات، ورهان على رواية ناجحة للكاتب البريطاني أليكس نورث، لا تستخدم حكاية القاتل المتسلسل باعتبارها لغزا بوليسيا وحسب، بل مدخلا إلى علاقة معقدة بين الآباء والأبناء، وإلى الخوف من انتقال الألم والأخطاء من جيل إلى آخر.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of listرهان على الجريمة وعلى الأبوة أيضا
تبدأ الحكاية مع توم كينيدي (آدم سكوت)، كاتب روايات يحاول بناء حياة جديدة مع ابنه جايك بعد وفاة زوجته. لكن اختفاء الطفل يقلب هذا الاستقرار الهش، ويدفع توم إلى طلب مساعدة والده بيتر (روبرت دي نيرو)، المحقق المتقاعد الذي تفصل بينهما سنوات من القطيعة.
لم يكن بيتر غريبا عن هذا النوع من الجرائم؛ فهو المحقق الذي ألقى القبض على فرانك كارتر (مايكل كيتون)، القاتل المعروف بالرجل الهامس، قبل عقود. ومع اختفاء جايك، تعود تفاصيل القضية القديمة إلى الواجهة، ويصبح الماضي الذي ظن الجميع أنه انتهى جزءا من حاضر العائلة.
هذه الفكرة أقوى ما في المادة الأصلية، وربما أكثر ما كان يستحق أن يبني الفيلم حوله. فالجريمة ليست حادثا خارجيا يهدد الأسرة، وإنما أداة تكشف هشاشة العلاقة بين جيلين من الآباء، وتضع توم أمام سؤال مؤلما ومصيريا: هل يستطيع أن يكون أبا مختلفا عن أبيه؟
دي نيرو في مركز الحكاية
أكبر تغييرات الاقتباس نقل اختطاف جايك إلى وقت أبكر بكثير من الرواية، في الكتاب لا يحدث الاختطاف إلا في الثلث الأخير، بينما يبدأ الفيلم منه مبكرا، لتصبح عملية البحث عن الطفل المحرك الرئيسي للأحداث، ويجد توم نفسه مضطرا إلى الاستعانة بوالده منذ اللحظة الأولى. نتيجة ذلك يحصل بيتر على مساحة أكبر في التحقيق، ويصبح دي نيرو في قلب الحكاية بدلا من دور أكثر محدودية كما في الرواية.
التغيير مفهوم سينمائيا، خصوصا أن وجود نجم بحجم دي نيرو يجعل من الطبيعي استثماره على نطاق واسع، غير أن هذا القرار يغير توازن القصة. في الرواية، يوجد ثلاثة أجيال داخل الأزمة: بيتر، وتوم، وجايك. أما الفيلم فيدفع العلاقة بين الرجلين إلى المقدمة، ويجعل الطفل سببا لتحرك الآخرين، وهنا يخسر الاقتباس جزءا مهما من قوته العاطفية.
طفل أقل حضورا وخوف أقل عمقا
جايك في الرواية ليس مجرد طفل مخطوف ينبغي إنقاذه، بل إن وجوده النفسي داخل الحكاية أكثر أهمية، ومخاوفه وخياله يضيفان طبقة من الرعب لا تعتمد على ظهور القاتل نفسه، لكن الفيلم يختصر هذا الجانب بصورة ملحوظة. صحيح أنه يحتفظ ببعض عناصر خيال الطفل، لكنه لا يمنحه المساحة الكافية كي يؤثر في المعادلة النفسية، ما يجعل اختفائه محركا للحبكة أكثر من كونه تجربة نعيشها معه.
ويرتبط هذا الاختزال أيضا بتراجع البعد النفسي لفرانك كارتر، فمع أنه يظل شخصية ذات حضور قوي، يهتم الفيلم بما يعرفه عن القضية وقدرته على التأثير في الآخرين أكثر من تكوين الشخصية ودوافعها.
الرواية أفضل كثيرا
ورغم أن أليكس نورث نفسه دعم تغييرات السيناريو، فإن قبوله لا يعني أنها نجحت فنيا. الرواية أكثر ثراء بوضوح لأنها تمنح الدوافع والعلاقات وقتا أطول حتى تتشكل، أما الفيلم فيختصر ويكثف ويحذف، من دون بديل درامي بالقوة نفسها. حتى النهاية تعيد ترتيب التفاصيل وتقدم الكشف بطريقة مختلفة، مع بقاء هوية القاتل على حالها، مما يجعل الأحداث أقل إثارة؛ فالفيلم يغير طريقة الوصول إلى النتيجة، لكنه لا يعيد تفسيرها أو يثقلها دراميا.
غير أن هذا التوجه لم يمنع السيناريو من إضافة تفصيلة استثنائية نجحت حيث فشلت تغييرات أخرى؛ فكرة الشريط الذي كان يسجله القاتل بصوت الطفل نفسه قبل تنفيذ جريمته. لم ترد هذه التفصيلة في الرواية، لكنها حين انتقلت إلى الشاشة حولت الجريمة من فعل جسدي إلى أداء نفسي مركب، فبدا العنف موجها بقدر ما هو منفَّذ.
دي نيرو وكيتون: حين يكون الحضور أكبر من النص
يقدم روبرت دي نيرو شخصية بيتر ويليس بهدوء يناسب رجلا يحمل ماضيا ثقيلا، ويبدو أكثر اهتماما بما لم يستطع إصلاحه في حياته من اهتمامه بإثبات قدراته كمحقق. ومع أن أداءه جاء متزنا ويمنح الشخصية ثقلا تلقائيا، فإنه لا يمثل تحولا استثنائيا في مسيرته، خاصة أن السيناريو لا يمنحه طبقات تبرر هذه المركزية، ما يؤكد أن الفيلم استفاد من اسمه أكثر من إمكاناته التمثيلية.
على الجانب الآخر، يستفيد مايكل كيتون من قلة ظهوره، لأن كارتر شخصية تحتاج حضورا محسوبا، وكيتون يعرف كيف يصنع تهديدا من نبرة هادئة ونظرات لا تشرح نفسها، مشاهد المواجهة بينه وبين دي نيرو من أكثر لحظات الفيلم جاذبية. أما آدم سكوت، فلم تحصل شخصيته على التطور الذي يسمح لها بأن تصبح مركز الفيلم الحقيقي كالرواية.
مونتاج حاد وسيناريو غير متماسك
بصريا، يمتلك المخرج جيمس أشكروفت الأدوات المناسبة لهذا النوع من الحكايات، من أماكن معزولة وبيوت مغلقة ومساحات باردة تخدم الشعور بالتهديد، فيما يمنح تصوير بيتر ديمنغ الفيلم مظهرا قاتما يتناسب مع أجواء الجريمة.
لكن الإخراج لم يستطع تعويض مشكلة البناء، والعيب الأكثر فجاجة في العمل كان المونتاج الحاد في الانتقال بين المشاهد، والذي يفترض أن يصنع إيقاعا متوترا، لكنه أدى إلى نتيجة عكسية جعلت المشاهد لا يشعر بأن التوتر يتصاعد، بل بأن الفيلم ينتقل بسرعة من معلومة إلى أخرى.
أن يخسر الاقتباس روحه لا أحداثه فقط
المشكلة الحقيقية في “الرجل الهامس” ليست أن الرواية أفضل منه؛ فهذه نتيجة يمكن الوصول إليها في كثير من الاقتباسات. المشكلة أنه كان يمتلك فرصة حقيقية لتحويل عناصر الرواية إلى لغة سينمائية أكثر قوة، لكنه اختار الطريق الأسرع بين اختطاف مبكر، وحضور أكبر لبيتر، واختزال للمسارات النفسية.
ولهذا يبدو الفيلم مختلفا عن الرواية من دون أن يكون أكثر سينمائية منها. فهو يحتفظ بالغموض، لكنه يخفف من ثقل الانتظار. يحتفظ بالقاتل، لكنه يختصر دوافعه. يحتفظ بعلاقة الأب والابن، لكنه يجعلها وظيفة داخل الحبكة. ويحتفظ بالطفل، لكنه يقلل من حضوره بوصفه شخصية لها عالمها الخاص.
بالنسبة إلى من لم يقرأ الرواية، يقدم العمل أمسية تشويقية مقبولة، مدعومة بأسماء كبيرة وبعض اللحظات الجيدة، لكنه يظل عملا محدود العمق. أما من يعرف الرواية، فسيشعر بأن شيئا أساسيا ضاع في الطريق من الورق إلى الشاشة. ذلك الشيء ليس مجرد مشهد محذوف أو نهاية مختلفة، وإنما الإحساس بأن الجريمة في الرواية كانت وسيلة للكشف عن الخوف الأبوي والذاكرة والذنب، بينما أصبحت في الفيلم غاية بحد ذاتها.
