يشهد قطاع السيارات المصري مرحلة جديدة من التحولات الصناعية والاستثمارية ، خاصة مع كبري شركات صناعة السيارات العالمية ، مع تزايد الاهتمام بالاستفادة من عضوية مصر في تجمع بريكس، الذي أصبحت عضوًا كاملًا فيه منذ يناير 2024، بما يفتح المجال أمام تعزيز التعاون مع مجموعة من أكبر الاقتصادات والأسواق الناشئة في العالم، وعلى رأسها الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا .


تأتي صناعة السيارات ومكوناتها في مقدمة القطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذا التعاون، خاصة في ظل توجه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة نحو تعميق التصنيع المحلي، وزيادة المكون المحلي، وجذب استثمارات جديدة في الصناعات الهندسية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير .

السيارات ومكوناتها في مقدمة فرص التعاون


وأكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، خلال مشاركته في اجتماع وزراء صناعة دول بريكس في الهند خلال أغسطس 2026، أن مصر تستهدف تحويل شراكتها مع التجمع إلى فرص استثمارية حقيقية في قطاعات من بينها السيارات ومكوناتها، إلى جانب الصناعات الهندسية والإلكترونيات والطاقة المتجددة والآلات .


وتقوم الرؤية المصرية على الانتقال من مجرد استيراد المنتجات النهائية إلى إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة وزيادة القيمة المضافة محليًا، وهو توجه يمكن أن يمثل فرصة مهمة لصناعة السيارات المصرية، خاصة مع سعي الحكومة إلى تعميق التصنيع وزيادة الاستثمارات في القطاع .

الصين والهند.. فرص كبيرة أمام السوق المصرية


تمثل الصين والهند تحديدًا عنصرين مهمين في مستقبل صناعة السيارات المصرية داخل منظومة بريكس


فالصين أصبحت واحدة من أكبر القوى العالمية في صناعة السيارات الكهربائية، والبطاريات، والإلكترونيات، وأنظمة القيادة الذكية، ومكونات السيارات، بينما تمتلك الهند قاعدة صناعية كبيرة وخبرة واسعة في تصنيع السيارات والمكونات وتطوير سلاسل الإمداد


ومن ثم، يمكن لمصر الاستفادة من التعاون مع هذه الأسواق في نقل التكنولوجيا، وإقامة خطوط إنتاج ومصانع للمكونات، وتطوير السيارات الكهربائية والهجينة، وزيادة نسبة المكون المحلي


كما يمكن لموقع مصر الجغرافي واتفاقيات التجارة التي تربطها بعدد من الأسواق أن يمنح الشركات الأجنبية التي تستثمر في التصنيع المحلي فرصة للوصول إلى أسواق المنطقة وأفريقيا

فرصة لتوطين صناعة مكونات السيارات


من أهم التأثيرات المحتملة لبريكس على قطاع السيارات المصري، تعزيز صناعة المكونات المحلية ، فبدلًا من الاعتماد بصورة كبيرة على استيراد المكونات، يمكن جذب استثمارات من الشركات العاملة في دول بريكس لإنتاج أجزاء ومكونات السيارات داخل مصر، مثل الأنظمة الكهربائية والإلكترونية، البطاريات، المحركات الكهربائية، أنظمة الشحن، أجزاء الهيكل، الزجاج، الإطارات والمكونات الداخلية


ويتماشى ذلك مع توجه وزارة الصناعة إلى الانتقال من تجارة المنتجات النهائية إلى الإنتاج المشترك والقيمة المضافة والتكامل الصناعي، وهي من المحاور التي طرحتها مصر ضمن رؤيتها للتعاون الصناعي داخل بريكس

السيارات الكهربائية.. القطاع الأكثر استفادة


قد تكون السيارات الكهربائية واحدة من أكثر المجالات استفادة من التعاون بين مصر ودول بريكس، خاصة في ظل التطور الكبير الذي حققته الشركات الصينية والهندية في تكنولوجيا السيارات الكهربائية والبطاريات


ويمكن للتعاون أن يتجاوز استيراد السيارات الكهربائية إلى مراحل أكثر تقدمًا، تشمل التجميع والتصنيع المحلي وإنتاج البطاريات والمكونات الكهربائية وتطوير البنية التحتية للشحن


ويمثل هذا الاتجاه فرصة لمصر للمشاركة في سلاسل القيمة الجديدة لصناعة السيارات، بدلًا من الاكتفاء بدور السوق المستورد

زيادة فرص الاستثمار الأجنبي


تمتلك عضوية بريكس أيضًا قدرة على تعزيز جاذبية مصر أمام المستثمرين، خاصة الشركات التي تبحث عن مواقع إنتاجية منخفضة التكلفة نسبيًا وقادرة على الوصول إلى أسواق متعددة


وتسعى الحكومة المصرية بالفعل إلى استغلال عضوية بريكس لجذب الاستثمارات وزيادة التعاون التجاري والصناعي، مع التركيز على دمج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية


وتشير بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية إلى ارتفاع حجم التجارة بين مصر ودول بريكس إلى نحو 53.5 مليار دولار خلال 2025، مقابل 45 مليار دولار في 2024، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إلى دول التجمع إلى نحو 13.8 مليار دولار خلال 2025 مقابل 9.5 مليار دولار في 2024

هل تؤدي بريكس إلى انخفاض أسعار السيارات؟


رغم أن زيادة التعاون مع دول بريكس قد تساعد على توفير مصادر جديدة للسيارات والمكونات، فإن عضوية مصر في التجمع لا تعني تلقائيًا انخفاض أسعار السيارات في السوق المحلية


فالأسعار تتأثر بعدة عوامل، من بينها أسعار العملات، وتكاليف الشحن، والضرائب والجمارك، وتكاليف الإنتاج، وأسعار المكونات العالمية، وسياسات الشركات والوكلاء


لكن على المدى المتوسط والطويل، يمكن لزيادة المنافسة ودخول علامات جديدة واستثمارات تصنيع محلية أن تسهم في توفير خيارات أكثر للمستهلك، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وربما خفض بعض تكاليف الإنتاج

بريكس قد تغير خريطة المنافسة في السوق المصرية


من المتوقع أن يؤدي تعمق العلاقات المصرية مع دول بريكس إلى زيادة حضور العلامات الآسيوية، خصوصًا الصينية والهندية، في السوق المصرية، سواء من خلال الاستيراد أو التصنيع والتجميع المحلي


وفي المقابل، فإن زيادة المنافسة قد تدفع الشركات الأوروبية واليابانية والكورية الموجودة في مصر إلى تطوير منتجاتها وعروضها الاستثمارية والتصنيعية للحفاظ على حصتها السوقية


وبذلك، قد تتحول عضوية بريكس من مجرد إطار للتعاون الاقتصادي إلى عامل مؤثر في خريطة المنافسة داخل سوق السيارات المصرية

التحدي الأكبر.. الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع


ورغم الفرص الكبيرة، فإن الاستفادة الحقيقية من بريكس تتطلب عدم الاكتفاء بزيادة استيراد السيارات من الدول الأعضاء


وتكمن القيمة الأكبر في جذب الشركات إلى إقامة مصانع ومراكز إنتاج في مصر، وتطوير الموردين المحليين، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة، وزيادة نسبة المكونات المصنعة محليًا، ثم استخدام مصر كقاعدة للتصدير


وهنا تتقاطع أهداف بريكس مع برنامج تطوير صناعة السيارات المصري، الذي يستهدف توطين الصناعة وتعزيز الاستثمار وخلق بيئة أكثر جاذبية أمام شركات السيارات ، وقد ناقشت الحكومة في مارس 2026 سبل تنفيذ البرنامج وتقديم مزيد من الحوافز لمصنعي السيارات العاملين في مصر

مصر أمام فرصة تاريخية


يمثل تجمع بريكس فرصة مهمة أمام مصر لإعادة صياغة موقعها في خريطة صناعة السيارات، خصوصًا مع امتلاكها سوقًا محلية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا مميزًا، وقاعدة صناعية يمكن تطويرها، إلى جانب شبكة من الاتفاقيات التجارية


لكن نجاح التجربة سيعتمد على قدرة مصر على تحويل العلاقات التجارية إلى استثمارات صناعية حقيقية، وعلى جذب مصانع السيارات والمكونات، وزيادة المكون المحلي، وتطوير السيارات الكهربائية، ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري


وفي حال نجاح هذه الخطوات، يمكن أن تصبح مصر خلال السنوات المقبلة ليس فقط سوقًا مهمة لسيارات دول بريكس، وإنما قاعدة إقليمية لإنتاج السيارات ومكوناتها وتصديرها إلى الأسواق العربية والأفريقية


وتؤكد التحركات الحكومية خلال 2026 أن قطاع السيارات أصبح جزءًا واضحًا من الرؤية المصرية للاستفادة من بريكس، خاصة مع إعلان وزارة الصناعة استهداف فرص استثمارية في السيارات ومكوناتها، إلى جانب التكنولوجيا والتصنيع الأخضر والتحول الرقمي .