لندن- «القدس العربي»: اختتم في لندن مساء الإثنين 7 سبتمبر/ أيلول، برنامج السينما السودانية من سنة 1964 وما بعدها، الذي انطلق مساء الخميس 3 سبتمبر الحالي.، شهد عرض 12 فيلما على مدار أمسياته الخمس، وجلسات نقاشية ومقدمات حول بعض العروض. «الصمت بوصفه تعبيراً ورمزاً، والمخاطر التي تواجه الكتّاب وصنّاع الأفلام السودانيين» هو عنوان المقال الذي كتبته الروائية السودانية آمال عكاشة، بتكليف من القلم البريطاني، بالتعاون مع مبادرة القلم السوداني ونشر بالإنكليزية، في مجلة «القلم» البريطاني يوم الإثنين 4 سبتمبر، كان هو موضوع المناقشة مساء اليوم نفسه، بين كاتبة المقال والكاتبة الشابة دنان الأسد.
يوم الافتتاح عرضت تسجيلات فيديو لسارة جاد الله وسمهر بيلا، كمقدمة لعرض الافتتاح، وحول أفلام والدها وتجربته الإبداعية عرض تسجيل فيديو لإيمان حسين في اليوم الثالث، يوم الختام شهد جلسة نقاشية بين ليلى نصر الدين وعمر التجاني.

عن وجهي السودان: جماله وقسوته:
فنان في المنفى حسين شريف

شهدت أمسية الافتتاح، عرض فيلم «البؤساء» من إنتاج 2006، ويعد اقتباساً سودانياً لرواية فيكتور هوغو الكلاسيكية، من إخراج جاد الله جبارة، المعروف على نطاق واسع بلقب «أب السينما السودانية»، وانطلاقاً من رؤيته لأصداء عالم هوغو، في حياة الناس في السودان، نقل جبارة ثيمات الرواية – المتمثلة في الفقر والفساد والعدالة والتضحية – إلى بيئة سودانية خالصة، صُوِّر الفيلم في مواقع حقيقية في الخرطوم، وتأرجح أسلوبه بين الميلودراما والواقعية الاجتماعية الخام. أمسية اليوم الثاني كانت بعنون «الفن والرمزية» عرضت فيها أربعة أفلام قصيرة، للمخرجين إبراهيم شداد، والطيب مهدي، أفلام تتخذ من التجريب أداةً للنقد السياسي، جَملٌ يدور بلا توقف في معصرة للسمسم؛ رجلان كفيفان وحمار يضلون طريقهم؛ مفترق طرق يتحول إلى صورة لبلدٍ في حالة حراك؛ وضريحُ مُعالِجٍ شعبي يكشف مخاطر الإيمان الأعمى. تستلهم هذه الأفلام تقنيات المونتاج السوفييتي مع الحفاظ على جذورها الراسخة في التقاليد المحلية للاستعارة والحكاية والسرد الشفهي، محوّلةً الصوت والتكرار والتجريد البصري إلى وسائل لرؤية الواقع الاجتماعي. وهي تقدم مجتمعةً سينما سودانية تلتقي فيها الممارسات السينمائية الحداثية وفنون السرد التقليدي بقوة لافتة، الأفلام هي «جمل وحبل والضريح والمحطة». أمسية اليوم الثالث كانت بعنوان «فنان في المنفى» عرضت فيها ثلاثة أفلام، أفلام للمخرج حسين شريف، قدم شريف في كل فيلم من هذه الأفلام منظوراً فريداً لمفهوم المنفى؛ حيث تتأرجح الأعمال – التي تشمل تأملاً سريالياً لمدينة سواكن الساحلية المهجورة، واقتباسا لقصة قصيرة للكاتبة جين ريس، تدور أحداثها في لندن، كما عرض فيلم وثائقي يستند إلى شهادات سودانيين يعيشون في المنفى في مصر- بين التاريخ والحلم والخيال والتجربة المعاشة. وترسم هذه الأفلام مجتمعةً مساراً يمتد من اغتراب المكان إلى الحقائق الحميمة للمنفى السياسي، الأفلام هي: «تشتت العنبر»، «النمور تبدو أكثر وسامة»، «يوميات المنفى».
أمسية اليوم الرابع كانت بعنوان «عوالم متحولة»، تُشكّل الأفلام الثلاثة التي عرضت فيها، والتي أُنتجت بين عامي 1964 و1979، توثيقاً نادراً لحقبة مفصلية اتسمت بحركات التحرر من الاستعمار، والأممية الاشتراكية، والتبادل الثقافي. لقد انطلق كل من سليمان النور وإبراهيم شداد من السودان -الذي كان قد نال استقلاله حديثاً- ضمن جيل من الفنانين والمثقفين اليساريين، الذين انخرطوا في شبكات متنامية تربط افريقيا والعالم العربي بأوروبا الاشتراكية، ودول الجنوب العالمي الأوسع، ومن خلال التنقل بين موسكو وألمانيا الشرقية وجنوب اليمن وتصورات متخيلة عن افريقيا، يستكشف النور وشداد قضايا التعليم، والتضامن المناهض للاستعمار، والعنصرية، وآفاق التحول الاجتماعي، الأفلام هي: «إنها تدور»، «افريقيا الغابة»، «الطبول والثورة» و»رحلة صيد»؛ أمسية اليوم الختامي شهدت عرض فيلم «الحديث عن الأشجار»، الذي يجمع عدداً من صنّاع الأفلام الواردة أعمالهم في هذا البرنامج، والذي يعتبر رحلةً مؤثرة للتعرف على حيوات هؤلاء المبدعين ،التي تكمن خلف تلك الأفلام؛ إذ تكشف ذكرياتهم وروح الدعابة لديهم والتزامهم الراسخ بالسينما، عما قطعه القمع السياسي، لكنه عجز عن محوه. وفي خضم سعيهم الدؤوب لإعادة السينما إلى الفضاء العام، تكشف رحلتهم الشاقة – المقترنة بمشاهد من أفلامهم المتميزة والجريئة – عن وجهي السودان: جماله وقسوته، وعن استمرارية تقاليد سينمائية صمدت عبر العقود.

تجاوز الحدود ونقل الأفكار:
من فيلم البؤساء

الصحافية المختصة في الفنون ومنسقة هذا البرنامج، البحرينية شيماء بو علي، تقول لـ»القدس العربي»: «أعتقد أن تنسيق البرامج السينمائية يمثل شكلاً فنياً مميزاً للغاية للعمل فيه؛ إذ أنك تتعامل بطبيعة الحال مع الصور والأصوات والقصص. وفي منطقتنا، لا تقتصر السينما على أغراض الترفيه فحسب؛ فقد أخذ الفنانون في منطقتنا على عاتقهم توثيق الأحداث، سواء حين وقوعها، أو بأثر رجعي؛ لقد أصبحت السينما وسيلتنا للحفاظ على القصص والمناظر الطبيعية واللهجات وأنماط الأزياء والحساسيات الفنية، ويبدو أن السينما المقبلة من منطقتنا تتسم غالباً بكونها سينما هادفة.
بصفتي متلقية للأفلام، أجد أن السينما تشكل مدخلاً رائعاً لنقاشات قد تظل جامدة أو تفتقر إلى الحيوية في سياقات أخرى. لقد أتيحت لنا الفرصة لمناقشة فظائع لا يمكن تصورها، وفي الوقت ذاته استشراف أعظم الآمال، إن سرد القصص يحفظ الألم، لكنه يفتح أيضاً باباً للتفكير بطريقة مختلفة وأكثر انفتاحاً، مما يمهد الطريق لمستقبل جديد وأفضل؛ لقد كانت السينما وسيلتنا للبقاء على تواصل ومواكبة للأحداث، وللحفاظ على استمرار الحوارات وفهم بعضنا بعضا، ومشاركة تجاربنا القصوى. لقد نجحت السينما في تجاوز الحدود ونقل كل هذه الأفكار والمشاعر إلى عدد لا يحصى من القاعات المظلمة المزودة بشاشات، لتنقلنا عبر الزمن».
وتستطرد: «برنامج «السينما السودانية: من سنة 1964 وما بعدها» مجموعة تضم 12 فيلماً ، مجموعة أفلام أبدعها الجيل المؤسس للسينما السودانية تقدم لنا حقبة جمع فيها صناع الأفلام بين التقليدي والحديث، خالقين بذلك لغة سينمائية وطنية جديدة، تتميز بطابعها الخالد في إعادة سرد قصص لتاريخ يتكرر في دورات متعاقبة، ومواقف متوازية جلبت العنف والمجاعة والنزوح للشعب السوداني؛ ونحن نشاهد هذه الأفلام اليوم، بينما نرى مرة أخرى دورة جديدة من الفظائع التي لا يمكن تصورها تحل بالشعب السوداني. تُقدم هذه الأفلام كدعوة للحديث عن السودان، وطرح الأسئلة، ومحاولة فهم هذا الوضع الذي لا يحظى بتغطية إعلامية كافية على الإطلاق؛ كما يهدف البرنامج إلى تسليط الضوء على التاريخ الثقافي الغني للسودان، وتراثه، وسينماه الراقية، وتقاليده الفنية، وكيف صاغ هؤلاء المخرجون السودانيون قصصهم الخاصة.

شيماء بو علي
آمال عكاشة