قد يلتبس الأمر عليك، عندما تُصادف على غلاف كتاب وصفَه “سيرة روائية”، سيّما عندما تكون هذه السيرة غيريّة، فصاحبه يريدك أن تعرف أنه يكتب هنا رواية، بالمعنى المعلوم عن هذا الجنس الأدبي السردي، غير أنه يطلب أن تعرف أنه يقصد سرد سيرة شخصٍ معنيٍّ به. ولمّا كان اسم كتاب السيناريست المصرية، وسام سليمان، “المزيكاتي” (دار المرايا، القاهرة، 2025)، وصورة بليغ عليه، فإن شغفك بهذا الموسيقار العبقري (بلا مجازفة) سيدفعُك لا إلى السيرة في النص، وإنما أولاً إلى الرواية فيه، فالمفترض أن شغفك ذاك قد عرّفك على كل محطّات سيرة ملحّن “حكم علينا الهوى” منذ مولده في أسرة متوسّطة ومتعلّمة في القاهرة (1931) حتى وفاته في عامه الـ62 في مستشفىً في باريس، وهي سيرةٌ تفيض بالدرامية والشَّجا والإثارة والتوتر لشخصيةٍ ضجّت بالصخب والحب والقلق والفوضى والعبث، وقبل ذلكم كله بالموسيقى والجنون بها.
وإذا ما رمى قارئٌ لهذا العمل بالسطحية، بمعنى بقائه على سطوح الشخصيات، من دون كثير انشغالٍ بجوانيّاتها، فذلك صحيحٌ بمقادير، ذلك أن غلبة إيقاع السيناريو والتقطيع، السينمائي والتلفزيوني (إلى حدٍّ ما)، الظاهر في فصول “الرواية” الـ12، قد يفسّر هذا الانطباع الذي يحسُن عدم التسليم بإطلاقيّته التامة، ذلك أن مشاعر الاضطراب والقلق والإحباط والحزن والأسى أمكن للكاتبة التعبير عنها، أو النجاح في أن يستشعرها القارئ في غير محطّةٍ وواقعةٍ مرّت ببليغ، في “مونولوعات” حدّث فيها الموسيقار نفسه عن أمراضه وفقدانه الحب، وعن حيرته وارتباكاته، وعن ألمه من قلة الأوفياء له رغم كثرة أصدقائه. وهو الذي واجه محنة اتهامه قضائياً بالمسؤولية عن مقتل شابّةٍ مغربيةٍ أسقطت نفسها في ليلٍ متقدّمٍ من شقته في القاهرة، ما جعله يغادر مصر، ويقيم خمس سنواتٍ في باريس ولندن وأثينا ودمشق و…. وفي 1991، يعلن وكيل النيابة في محكمة النقض “أنه بعد بحثه في أوراق القضية اكتشف أنه لم يكن هناك قضية من الأساس”، على ما نقرأ في أواخر صفحات “المزيكاتي”، العمل السردي، الشائق، والذي افتتحته كاتبتُه ببدايةٍ مثيرة، صادمة، شائقةٍ في الوقت نفسه، عندما يُبلّغ صاحب لحن “ظلمنا الحب” من سكرتيره هاتفيّاً بأن الحكم لن يكون في صالحه. قبل أن يمضي السرد في انتقالاتٍ بين أزمنةٍ تتداخل وتتقاطع وتتباعد، ليس فقط في “فلاش باكات”، وإنما أيضاً في مقاطع مؤرّخة وأخرى غير مؤرّخة، متخيّلة وغير متخيّلة، تطوف في أجواء أهل الغناء والألحان، وتأتي على وقائع سياسية مشهودة في مصر وغيرها. وفي الأثناء تحضر شخصياتٌ بلا عدد، محمد فوزي، وردة، أم كلثوم، نجاة، محمّد عبد الوهاب، عبد الوهاب محمّد، عبد الحليم حافظ، كامل الشنّاوي، وعديدون، فضلاً عن صفيّة، شقيقة بليغ، التي كانت شديدة الحرص عليه.
أفادت وسام سليمان من أحاديث صحافيةٍ ومروياتٍ وأرشيفاتٍ مصوّرة ومن مقابلات أجرتها بنفسها، لمّا بنت كتابتها التخيليّة التي حافظت على الأسماء الحقيقية، ولم تختلق وقائع مفصليةً، إنما ابتدعت حوارياتٍ ومشاهد ووقائع ثانوية، في القاهرة والإسكندرية وأثينا وبيروت والجزائر وباريس ولندن وغيرها. ورائقٌ في جهدها، الموفّق، أنها لم تغفل تفصيلاً في سيرة بليغ حمدي، من دون أن تبالغ في مساحات لهذه الحكاية أو تلك، فرواج خبر زواجه من غادة السمّان ثم نفي الأخيرة له على جانبٍ من الإثارة، لكنه عارضٌ، كما زواج له لم يصل إلى ثلاثة شهور، فصاحبُنا كابد قصة حبٍّ وزواج صعبة مع وردة التي كان لها حضورٌ خاصٌّ في “السيرة الروائية” انعكاساً لحضورها الطاغي والمديد في حياة بليغ، منذ تعرّفها إليه قبل أزيد من عشر سنوات من زواجهما ثم بعد طلاقهما إلى وفاته. غير أن هذا كله تتعامل معه صاحبة الكتاب مقطعاً في حياة شخصية موسيقارٍ أبدع في فنّه الذي أخلص له. ولذلك ليس بلا دلالةٍ أن صلة أم كلثوم به وحوارياتها (المتخيلة) معه أحرزت حيّزاً مستحقاً في الكتاب الذي يُحسَب الوفاء للمحكي عماداً أساسيّاً في مسار السرد بانتقالاته المحبّبة.
قالت وسام سليمان، في مقابلةٍ معها نشرها موقع “المدن”، إنها شعرت بحاجةٍ معنويةٍ ونفسيةٍ إلى الكتابة عن بليغ حمدي، الذي تمرّ اليوم (12 سبتمبر/ أيلول) ذكرى وفاته، رحمه الله، لأنها عاشت معه فترة طويلة في قراءاتٍ متعدّدة ومتتالية عنه، فكانت هذه الرواية لإخراج تلك الشحنة تجاه هذه الشخصية التي أحبتها. أما صاحب هذه السطور أعلاه فإنه يردّ على مؤاخذة أكثر من صديقٍ على “الإفراط” في كتابته مقالاتٍ عن هذا المزيكاتي بأن “الله غالب”، بتعبير إخواننا المغاربة.
