
لم يكن أمامي من سبيل للتعرف على شجرة العائلة، والشخصيات التي تشكل منها مجلس إدارة «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، إلا اللجوء للذكاء الاصطناعي، مضطرًا، وفي الحالة المصرية صار بالنسبة لي عكاز الأعمى، والمرحلة تدفع للصدارة أناسًا من خارج الحيز العمراني للمحروسة!
فلم يكن يخطر ببالي، بعد كل هذا العمر، وبعد أن وصلت لسن التقاعد الوظيفي، أن يصل بي الحال، للتعرف على أسماء من يتخطون الرقاب في المشهد السياسي أو الإعلامي، أن ألجأ لصديق، وأن يكون هذا الصديق هو الآلة، فلا أعتقد أنه في محيطي من يمكن أن يتعرف على هذه الأسماء المختارة!
و»الشركة المتحدة» ليست «دار مايو للصحافة والطباعة والنشر» مثلاً، أو الشركة المالكة لقناة «صدى البلد»، ولكنها التي تستحوذ على المشهد الإعلامي، وفيها ثمانية آلاف وسبعمئة موظف، وتملك أربعين شركة، وسبع عشرة قناة تلفزيونية، وعشر منصات رقمية، ومن أملاكها صحف اليوم السابع، والدستور، والأسبوع، وصوت الأمة، وأموال الغد، وقناة الناس!
وليست القناة المذكورة هي أهم قناة لدى الشركة، غير أني عندما اطلعت على بوابتها الإلكترونية، وجدت القناة ضمن أملاكها الخاصة، ولعلها من الصدف أن تكون القناة قد استوقفتني هذا الأسبوع أكثر من مرة، فإذا بي أجد خطابًا باهتًا، وهي التي حققت معجزة عند بدء انطلاقها، وكانت متواضعة في كل شيء؛ استوديو، وإضاءة، وإخراجًا، وكانت تقدم خطابًا دينيًا يميل للسلفية، فصنعت جمهورًا عريضًا على تواضعها، وقلة نفقاتها، وحققت لمالكها أرباحًا هائلة، من خدمة الاتصالات الهاتفية، ومعظم شيوخ السلفية عرفهم الناس من خلال شاشتها.
وهي قناة مملوكة لرجل أعمال سعودي، وإذا كان طبيعيًا أن تنتقل بعض وسائل الإعلام المملوكة لأفراد مصريين للشركة، بيعًا وشراء، مثل ما ذكرنا من صحف، بجانب قنوات تلفزيونية مثل «أون»، أو «أون تي في»، التي آلت ملكيتها للمتحدة من رجل الأعمال نجيب ساويرس، فالجديد أن تنتقل قناة يملكها مستثمر عربي للشركة المذكورة، ويبدو أن الرجل، الذي لا نعرفه، عقلية اقتصادية فذة، ولعله الحظ ودعاء الوالدين، الذي جعله يهتدي لهذا الخط الإعلامي، بعد أن كان قد قرر أن تكون قناة اجتماعية فقيرة، وقد تنازل عنها في الوقت المناسب، فالمرحلة لن تتحمل خطاب قناته، فكم قبض فيها هذا المحظوظ؟!
التشكيل الخامس في عشر سنوات
ما علينا، فلأهمية الشركة، التي تحتكر الدراما، الى جانب الإعلام، إلا ما فاض عن حاجتها، وعافته نفسها، فقد كان اهتمامي بالتعرف على التشكيل الجديد لمجلس الإدارة، ولو أدى الأمر للاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وأنا من الذين يعرفون القدرات الهائلة له، ومع هذا أقول إنه لا يصح أن تذهب إليه مسلمًا له لحيتك، فقد تقع، بسبب حسن النية والتسليم بقدراته، في شر أعمالك!
هذا هو التشكيل الخامس لمجلس إدارة «الشركة المتحدة» منذ أن تأسست في سنة 2016، والأول كان في مرحلة التأسيس برئاسة تامر مرسي، والثاني في 2021 برئاسة حسن عبد الله، والثالث في 2022 برئاسة وزير الاستثمار الأسبق أشرف سالمان، والرابع كان في 2024 برئاسة طارق نور، ثم التشكيل الحالي برئاسة سيف الوزيري!
ولولا أنني أستعين بتطبيق جيمناي وعيناي في نصف رأسي، وكأني في سوق الحرامية في احدى الدول العربية، لوقعت في خطأ كبير، فقد أسقط تشكيل طارق نور عند السؤال، لكني عندما ذكرته لم يكابر واعترف بخطئه!
وهذه التغييرات السريعة في بحر عشر سنوات، كاشفة عن مشكلة، وقد يمكن تفهم اثنين من هذه التغييرات؛ الأول بتعيين حسن عبد الله رئيسًا للبنك المركزي، والثاني باستقالة طارق نور، لكن يبدو التغيير سمة، ولا نعرف إلى الآن لماذا استقال الأخير، الذي استقبل تعيينه بزفة كبرى، وبتحفظ منا، فهو رجل إعلانات ودعاية، وليس رجل إعلام، وإن كان كله عند العرب صابون!
وهذه التغييرات السريعة والمتلاحقة تكشف أن ملاك الشركة يستهدفون شيئًا لم يصلوا إليه، ولا نعرف إن كانوا يبحثون عن إعلام ناجح، أم عن ملاءة مالية!
إن كانت الأولى فقد أخطأوا العنوان، والاختيارات جميعها من خارج المقررات الدراسية، وعندما نتعرف على كل مجلس إدارة، سنكتشف أن البعد الإعلامي غائب تمامًا، وكما لو كنا أمام تشكيل لشركة صرافة، وليس لمؤسسة إعلامية ضخمة، هذا إذا استبعدنا اثنين، هما تامر مرسي، وطارق نور، مع انتفاء صلتهما بالإعلام، والأول كان منتجًا مبتدئًا في عالم الدراما، والثاني صاحب شركة إعلانات!
السادة المهندسون والإعلام
الاختيارات تتراوح بين من يعملون في التسويق، كما طارق نور، أو الاستثمار والأعمال المصرفية، كما المصرفي حسن عبد الله، الذي عين محافظًا للبنك المركزي، وأشرف سالمان، الذي شغل قبل ذلك منصب وزير الاستثمار، والحال كذلك فإن الهدف هو الاستقرار المالي، وعندما يقرأ المرء أن ديونها لصالح الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي هي 436 مليون جنيه، حتى مارس/آذار من العام الجاري، سيتأكد أن هذه العقليات الاقتصادية لم تحقق المطلوب منها، وليس معلنًا ما إذا كانت الشركة، في سبيل القيام بمهامها، اقترضت من البنوك، أم أنها تغطي الأجور والنفقات الأخرى من سوق الإعلانات؟!
بفضل الذكاء الاصطناعي تعرفت على التشكيل الجديد للشركة المتحدة، فلم أكن أعرف منهم سوى العابر للوظائف في هذه المرحلة، والذي انتدب من مجلس الدولة مستشارًا لرئيس مجلس النواب، ثم رئيسًا للحملة الانتخابية للمرشح عبد الفتاح السيسي، ثم رئيسًا للأمانة الفنية للحوار الوطني، فوزيرًا لشؤون البرلمان، فعضوًا في مجلس إدارة المتحدة. يبدو أنهم بعد أن دفعوه للاستقالة من مجلس الدولة صاروا فيه من الزاهدين، وهذا ما يبرر التحولات الوظيفية السريعة مع كل حركة تنقلات!
راعني أن الرئيس الجديد لمجلس إدارة الشركة المتحدة تخرج في كلية الهندسة، ولا أعرف سر غرام القوم بالخلط بين الإعلام والهندسة، فرئيس المجلس الأعلى للإعلام المهندس خالد عبد العزيز (قسم عمارة)، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة المهندس عبد الصادق الشوربجي (غزل ونسيج). وقد عمل المهندس سيف الوزيري في شركة فودافون بفريق الاتصالات التسويقية قبل أن يصبح رئيس الفريق، بعد تخرجه من كلية الهندسة، قسم الهندسة المعمارية، في جامعة مصر الدولية.
واثنان من مجلس الإدارة سبق لهما العمل في شركة هيرمس المالية؛ كريم علي عوض، وشريف الخولي، والأول كان يعمل في قطاع الترويج وتغطية الاكتتاب بالشركة، أما محمد يحيى فقد عمل في مجال التسويق الرياضي وتنظيم البطولات، وقد عملت نشوى جاد في وزارة الاتصالات وشركة فيسبوك، وشغلت وظيفتين مرتبطتين بالسياسات والربط بين الشركة والحكومات في عدد من الدول العربية، فهل المنصب هو جائزة لها للقيام بمهمة التضييق وتقييد الترويج لمنشورات بعينها ولمواقف بعينها؟!
التعاون مع ماسبيرو
كان من الطبيعي أن يسبق أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، زميليه رئيس الهيئة الوطنية للصحافة المهندس عبد الصادق الشوربجي، ورئيس المجلس الأعلى للإعلام المهندس خالد عبد العزيز، بالذهاب لمقر الشركة المتحدة مهنئًا المهندس سيف الوزيري في المنصب الجديد.
وليس في ذلك ما يؤخذ على المسلماني، لكن ما يدهش حقًا هو الاتفاق على التعاون بين الهيئة والشركة، وكأنه لم يكفه من الدست مغرفة، فقد وضعت الشركة الوليدة يدها على مبنى ماسبيرو العريق تحت بند تطويره وتدريب العاملين فيه، في صفقة غريبة، فمن يدرب ويطور من؟ وقد فرضت الشركة على التلفزيون الرسمي، في هذا الزواج بالإكراه، برنامجين؛ أحدهما كان يقدمه وائل الإبراشي قبل مرضه ووفاته، وقد تولى التقديم المؤقت ثم الدائم يوسف الحسيني، قبل وقف البرنامجين، بما يعني انتهاء عقدة النكاح، دون أن نعرف ما تحصلت عليه الشركة نظير ذلك!
وعندما يأتي المسلماني ليتحدث عن التعاون من جديد، فهذا يدفعنا لقطع الطريق عليه، ونطلب بتسليم المبنى للشركة المتحدة، ولا داعي لكل هذه المناورات، والمبنى فيه الطمع الآن بعد تسوية ديونه، والقوم في «الشركة المتحدة» يفهمون في الملاءة المالية، ولا تثريب عليهم في ذلك، بيد أن جانبًا مهمًا يتم إغفاله، وهو الخاص بالإعلام، فمشكلتنا مع القوم في عدم تصورهم أنه مهنة، وصنعة!
ونجاح الصحف ووسائل الإعلام الأخرى في مصر يهمني، أولًا لأنها مهنتي، وثانيًا لأن نجاحها سيدفعهم للتوقف عن سياسة مصادرة الصحف وحجب المواقع، كما يحدث مع «القدس العربي»، صحيفة وموقعًا.
إنهم يمثلون الملاءة المالية.. فمن يمثل الملاءة الإعلامية؟!
صحافي من مصر
