يغامر أبوبكر العيادي في روايته الأخيرة “الرواية قدّس الله سرّها” (دار مسكيلياني للنشر 2026) بالنبش في “طقوس” الكتابة الروائية وأسرار “الحرفة السردية”، محللا هواجس الكاتب الروائي وهمومه في ضرب من الكتابة الواعية بذاتها حيث يتقاطع القصّ والنقد، فيلتقيان جوارا وحوارا، لتكون الرواية بذلك فضاء للكشف عن هموم الكتابة وأسئلة المبدع، فتنزع الأقنعة عن بعض أسرار الكتابة الروائية، دون أن تنفصل عن المعيش اليومي والواقع الاجتماعي والسياسي.
لا شك أن عديد الروائيين العرب قد غامروا بطرح أسئلة الكتابة لا في شهاداتهم وحواراتهم الصحفية فقط، بل في إبداعاتهم الروائية والقصصية، حيث تسللت هذه الشواغل إلى رواياتهم في ضروب من الميتاسرد وقد غدا ظاهرة لافتة في الرواية الحديثة. لقد أضحى هذا النزوع إلى كسر الإيهام بالواقع وفضح اللعبة السردية عبر الميتاسرد ظاهرة منتشرة ومميزة لعديد الروايات والقصص يجلوها أحيانا نزوع إلى إقحام الكاتب نفسه في نصه التخييلي أو مخاطبة القارئ مباشرة وطرح صريح لمشاكل الكتابة وهواجس الكاتب..
لعل اللافت مع أبي بكر العيادي أنه نشر قبل روايته الأخيرة كتابا في النقد بعنوان “في الأدب الروائي” أثار فيه عديد القضايا النظرية حول فن الرواية معترفا بهيمنتها وتفوقها على الدراسات النقدية والنظرية في مستوى التقبل والانتشار. وقد أشار في مقدمة الكتاب إلى أن هذا الجنس الأدبي (الرواية) مسكون بفوضى عارمة نتيجة تجاهل القوانين التي تحكمها ناصحا الراغبين في كتابة الرواية: “لا غنى لمن يروم خوض التجربة السردية من أن يشفع رغبته تلك بالقراءة أولا، والتأمل النظري ثانيا، لاكتشاف إمكاناتها وأوجه حريتها.. ثم ينطلق لحفر مجراه الخاص وتعميقه، لأن غاية الروائي هي الابتكار بحرية على غير مثال”.
وهو ما يدعو إلى التساؤل عن الغاية من كتابة رواية تعيد طرح نفس القضايا وتجعل شواغل الكتابة الروائية همّها الأساسي. ما هي أسرار الكتابة الإبداعية وعوالمها الخفية التي ستبوح بها رواية العيادي؟ إلى أيّ حدّ يمكن أن يربك هذا التداخل بين التخييلي والنقدي عالم الرواية؟ وهل تروم الكتابة الروائية بذلك أن تفتك سلطة الناقد الأدبي وتكون بديلا له؟
أسئلة الكتابة/أسئلة الرواية:
يعيش فخرالدين عبدالتوّاب، الشخصية الرئيسية في “الرواية قدّس الله سرّها”، على وقع حلم غريب أو كابوس يتكرر معه يدعوه، وهو الأستاذ الجامعي المتقاعد، إلى كتابة رواية. يتحول الحلم بعدها حقيقة حين يخضع فخر الدين لرغبة خفية لم يكتشفها سوى في الحلم.. فإذا هو يعيش تحت وقع هواجس جديدة وأسئلة تؤرقه، هي أسئلة الكتابة الإبداعية تلك التي لم يعرفها في دراساته الجامعية وكتاباته النظرية..
يبدو السؤال المهيمن في البداية موصولا بالهوس الذي يتملك بعض الناس فيسقطون في شرك هذه الغواية. يستعرض أبوبكر العيادي عددا من دوافع الكتابة، تتشكل أسئلة مرهقة يعجز بطله فخر الدين عن الحسم في الجواب عنها. هل تكتب الرواية بدافع موهبة أم بدافع رغبة مكبوتة قد يخرسها الكاتب في شبابه لترى النور في فترة الكبر؟ هل تكتب رغبة في الشهرة تلك التي يتمتع بها بعض النجوم أحيانا دون جدارة؟ هل هو توق الإنسان إلى الاعتراف بالقيمة حين تخفق الكتابات الأكاديمية والنظرية في تحقيق الانتشار وكسب قلوب القراء؟ أم هي الرغبة في الربح المادي تعد به الجوائز المخصصة للكتابات الروائية؟
أسرار الكتابة في رواية العيادي تفضحها مسيرة الشخصية وهي تحاور ذاتها والآخر، تسائل المحرر الأدبي تستعين به على صياغة النص، تحاور النظريات الأدبية وسلطة النقاد، تعيد النظر في مخزونها القرائي وذاكرتها، تتقلب بين تعرجات الواقع وأعطابه تستمد منها موضوع الرواية، ترسم سيرورة انكتاب النص وطلاقوسه. أسئلة يعمد أبوبكر العيادي إلى جعلها مدار النقاش بين مجموعة من الأكاديميين المتقاعدين، لكنه يدخل بها فضاء الأسرة أيضا فتغدو جزءا من شواغل العائلة، كما يجعلها موضوع جدل ونقاش لدى فئة أخرى تشرف على اللعبة وتديرها فتدرّ عليها المال، هي فئة المشرفين على ورشات الكتابة وفيهم المحرر الأدبي والكاتب الفاشل (جميل مزهود).
تتحول بذلك “الرواية قدس الله سرّها” فضاء نقديا ومساحة لنقل المعرفة، بل حوارا مقنّعا مع النظريات والنقاد. يضمّنها الكاتب رؤيته الخاصة ومواقفه تحت ستار شخصية تخييلية، ذلك أن جلّ المواقف والآراء التي تبنتها الشخصية الرئيسية لم تكن سوى صدى لما ورد في حوارات العيادي الصحفية وكتاباته النقدية (في الأدب الروائي مثلا) في ضرب من التناص أو النصّية الموازية.. من ذلك فضحه جنوح عدد من الكتّاب إلى استعجال النشر، ورفضه خضوع الكاتب لتنظير الباحثين دون أن يعني ذلك تجاهله قوانين كتابة الرواية، وتنديده باتجاه بعض النقاد والإعلاميين إلى المجاملات والإطراء والمحاباة في نقد الروايات… يقول في كتابه “في الأدب الروائي” إن الرواية: “وإن كانت هي الجنس الأكثر حرية، فلا يعني ذلك أنها مسكونة بفوضى عارمة، بل ثمة قوانين تسيّرها، هي قوانينها العضوية، أي الضرورات التي تكمن داخلها وفق انسجام يخصّها، ولا غنى لمن يروم خوض التجربة السردية مِن أن يشفع رغبته تلك بالقراءة أولاً، والتأمل النظري في الرواية ثانياً، لاكتشاف إمكاناتها وأوجه حرياتها المتعددة: حرية الحركة، وحرية الكتابة، والحرية السياسية أيضاً؛ ثم ينطلق لحفر مجراه الخاص وتعميقه، لأن غاية الروائي هي الابتكار بحرية، على غير مثال”.
وهو نفس المسار الذي اختاره العيادي لشخصيته الروائية إذ جعلها تنتصر على عوائق ذاتية وخارجية، إقرارا بأهمية العزيمة والعمل الجاد في مسيرة الكاتب الروائي لتحقيق مشروعه. منتصرا لمقولة أمبرتو إيكو “إن المؤلف يكذب عندما يقول إنه يشتغل تحت تأثير إلهام ما. إذ لا يشكل الإلهام سوى 20 بالمائة، في حين يشكل المجهود 80 بالمائة” (أمبرتو إيكو: آليات الكتابة السردية، ترجمة سعيد بنكراد، دار الحوار، ط1، 2009، ص 25).
الرواية وتشوّهات الواقع:
تتحرك الشخصية الرئيسية في “الرواية قدّس الله سرّها” تحت وقع تشوّهات الواقع وفي ظل التحوّلات السياسية التي عرفتها تونس بعد الثورة. يعيد فخر الدين صياغتها روائيا فيجعلها وقودا يغذي طموحه في الكتابة. ترصد عين الشخصية الأعطاب التي طالت جل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وطالت المبدعين والإعلاميين وعامة المثقفين وكأنها تعيد اكتشافها. فظاهرة الفساد تكتسح كل المجالات، وتمتد التشوهات فتشمل الأكاديميين والنقاد والسياسيين والمهووسين بالسلطة وتجار المخدرات وتكتسح مجال التعليم والنشر والإدارة.
وينقل أبوبكر العيادي هذه الأعطاب في أسلوب يتأرجح بين التوثيق وبين النقد الساخر والمفارقات الرامزة أحيانا. يقول واصفا واقع الإعلام “لأن القنوات التونسية تعيش خارج التاريخ، وأحيانا خارج الجغرافيا، أو تخبط خبط عشواء. فالرسمية منها تتجاهل نقل ما يحدث حتى يأتي الإذن من الجهات العليا… بينما تحتفي القنوات الخاصة بمحترفي سياسة الدجل والنفاق…” ص154
كما يعمد العيادي إلى رصد واقع الكتّاب ونقده نقدا صريحا، واصفا تشوّهاتهم في علاقتهم بالذات وبالمجتمع، من ذلك تضخم الأنا عند بعض الكتّاب “أولئك الذين يستعجلون النشر بأيّ ثمن، ولو على نفقتهم. يرصفون كلاما مشحونا بأخطاء لا تغتفر لكاتب ولا يسعون لتملك الأدوات الفنية الأساسية، ثم يتصدرون المشهد ليزعموا أنهم متمردون على كل القواعد وأن غايتهم تحطيم الأصنام، أي الأعلام الكبار الذين سبقوهم” ص106.
ومع ذلك تجلو بداية الرواية ضربا آخر من النقد الساخر والمفارقات الموحية، يتداخل فيها الديني مع الإبداعي، عبر سرد الكوابيس التي عاشتها الشخصية، حيث تلتبس رواية الحديث في الإسلام بالرواية التخييلية، ويعلو صوت الإمام منددا بتارك “الرواية” متوعدا إياه بالموت والعقاب.. ص33. حيث يتحول فخر الدين، الكاتب المبتدئ، بفضل هذا الانشغال بالرواية من إنسان محايد “أملس صقيل مائع لا علاقة له بصراع أو نضال” إلى آخر يناضل للتعبير عن موقف. وكأن هاجس كتابة الرواية فقط هو القادر على تغيير موقفه من العالم. هل يعني ذلك أن الرواية هي أولا “تمرين على التأمل والفهم” وأنها محاولة تفكيك لتشوهات المجتمع ونزع الأقنعة؟
ولأن حركة الشخصية الرئيسية لم تقف عند حدود الذات الضيقة، بل أرادت أن تكون عينا على العالم راصدة جل تحولاته ملتقطة ظلال الواقع، فقد كانت الرواية صورة للمجتمع التونسي بعد الثورة في شبه استنساخ للواقع، دون الكشف دوما عن الدوافع النفسية والإنسانية التي تحركه.
الرواية وحدود الميتاسرد:
لقد سعى أبوبكر العيادي إلى جعل الرواية تحاور ذاتها، بتحويلها فضاء للكشف عن هموم الكتابة عموما وأسرار الكتابة الروائية خصوصا، خالطا الأدوار بين الناقد والروائي، وهذا يعدّ ضربا من كسر الحواجز بين الأجناس. ليغدو السؤال لدى المتلقي: أي علاقة يمكن أن تنشأ بين الرواية والنقد الأدبي، هل هي علاقة تقابل أم تعالق أم جوار؟
لا شك أن التيار التجريبي الذي قام عليه الميتاسرد يمنح الكاتب حرية أكبر في تشكيل العالم الروائي التخييلي، ولاشك أن تمظهرات الميتاسرد في الكتابة الواعية بذاتها تروم أساسا كسر الإيهام بالواقع وفضح اللعبة السردية واستفزاز القارئ بل كسر توقعاته أحيانا كثيرة..
غير أن أبا بكر العيادي ورغم انشغاله في روايته بدوافع الكتابة الروائية، أسئلتها ومقوماتها وسيرورة انكتابها، فإنه حافظ عموما على بنية الرواية الواقعية حبكة وشخصيات.. فلم يقحم نفسه في نصه ولم يتحد مع الراوي ولم ينخرط في نقد نصه، ولم يعرض رؤاه إلا متخفيا وراء مواقف شخصياته، جاعلا الرواية “مساحة للتأمل وتمرينا على الفهم”، دون إرباك للثوابت. لم يفتك العيادي من الناقد سلطته (إن بقيت له سلطة ما) لكنه وظف بعض أدوات النقد في سياق التخييل، واقترب أكثر من المتلقي العازف عن متابعة النظريات والدراسات الجافة. لعل الأهم في روايته هو محاولة إشراك المتلقي في فهم بعض هموم الكتابة وإثارة الشك والتساؤلات، ونزع بعض القداسة عن الروائي وعن الرواية التي “قدّس الله سرّها”.
