ستظل الحياة بئرًا لا تنضب ولا تتوقف أبدًا عن منح الدراما أهم ينابيعها، إلا أن هناك مسافة بين ما يجرى فى الحياة وما تراه على الشاشات أو على خشبة المسرح وما تتابعه فى الإذاعات، إنه قانون الدراما. النجاح الطاغى الذى حققه مؤخراً مسلسل «لعبة جهنم» فتح الباب لمناقشة تلك المسافة بين الصدق الفنى وصدق الواقع.

الكاتب الروائى والفنان التشكيلى والملحن والشاعر، لو تأملت إبداعهم ستجد فى كل تفصيلة أن الحياة هى التى ألهمتهم.

حكى نجيب الريحانى كيف أنه وسيد درويش، كثيراً ما كانا يتعاركان بسبب خلافات فنية، كل منهما كان سريع الغضب، وفى واحدة من تلك الخناقات، التى امتدت إلى فجر اليوم التالى، التقطت أذن سيد درويش صوت «بلبل» يغرد خارج النافذة، أوقف المعركة، وأمسك بالعود وبدأ فى استلهام لحن جديد، ووجد الريحانى أنه مع تلك الأنغام يحلق فى السماء السابعة. وتصافيا، وهبطا معاً سلالم البيت، وقبل أن يذهب كل منهما فى طريق، تذكرا الخلاف، وقبل أن يتعاركا قرر الريحانى أن يذهب بسيد درويش إلى محل لبيع العصافير، حتى يضمن أن يظل محتفظاً بهدوئه، وهو يستمع إلى صوت البلابل.

هل ألحان سيد درويش محاكاة مباشرة لتلك الأصوات؟ الإجابة قطعاً لا، هناك معادلاً موضوعياً للنقاء والطهارة والعفوية يلقى ظلاله دائماً على موسيقى فنان الشعب سيد درويش.

عندما انشغل الرأى العام فى نهاية الخمسينيات بجريمة اللص «محمود أمين» الذى كان ينت ينتقل من جريمة إلى أخرى، قتل وسرقة، واقتحم العديد من بيوت المشاهير، منها فيلا أمير الشعراء أحمد شوقى، حيث كان يعيش فيه ورثته قبل أن يصبح متحفاً يحمل اسم «كرمة بن هانئ»، كما أنه اقتحم فيلا «أم كلثوم»، وهو ما أشار إليه فيلم «الست»، كان اللص القاتل أيضاً لديه ميول أدبية ويعشق الشهرة، فكان يراسل جريدة الأهرام، اكتشف «الديسك المركزى» بالجريدة أنه سرق بعض مقاطع من كتابات «بنت الشاطئ» عائشة عبد الرحمن، فكتبت جريدة الأهرام تعقيباً قالت إنه لص بيوت ولص نصوص أيضاً.

هذا اللص يعيش فى مأساة ويشعر أن زوجته خانته مع أقرب أصدقائه، فقرر الانتقام منها ومن الدنيا.

نجيب محفوظ قرر من خلال هذا الحادث إدانة ازدواج شخصية المثقفين فى بلادنا، فهو يبشر بأفكار مثالية فى الحياة، بينما فى الواقع يمارس كل ما يتناقض حرفياً معها.

حمل بطل «اللص والكلاب» اسم «سعيد مهران»، وسوف تلاحظ التناغم الموسيقى مع «محمود أمين» اسمه الحقيقى. الرواية من فرط تأثيرها قُدمت حتى الآن فى فيلمين: «اللص والكلاب» إخراج كمال الشيخ، و«ليل وخونة» إخراج أشرف فهمى، وبالطبع الفيلم الأول الذى سبق الثانى بنحو 30 عاماً هو الذى رشق أكثر فى الذاكرة.

«ريا وسكينة» جريمة واقعية حدثت قبل أكثر من قرن من الزمان، قُدمت العديد من المرات سينما ومسرحاً وإذاعة وتليفزيوناً بوجهيها التراجيدى المأساوى والكوميدى الضاحك، ومن الممكن أن تجدها فى عمل جديد قادم.

الحكاية ليست فى كل مرة نفس الحكاية، هناك تفاصيل، كل فنان قدمها بأسلوبه الخاص، حتى إن صلاح أبو سيف المخرج الكبير قدمها عام 1954 فى حالة دموية، بعدها بعام واحد التقطها المخرج حمادة عبد الوهاب وعلى طريقة «البارودى» نسجها فى عمل كوميدى «إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة».

الواقع كان وسيظل ملهماً للمبدع، إلا أن صانع العمل الفنى من حقه إضفاء لمسته الخاصة على شرط ألا يخون الواقع، وأتصور أن هذا هو سر «لعبة جهنم»!!.