تدور أحداث مانغا ’’نيبّون سانغوكو‘‘ في مستقبل قريب متخيل لليابان، حيث تتنافس 3 مقاطعات متناحرة على فرض هيمنتها بعد انهيار الحضارة العالمية، وتروي قصة شاب ينطلق في مهمة لتحقيق السلام والوحدة في ربوع البلاد، لا بقوة السلاح، بل بذكائه وموهبته في الخطابة.

مهمة يقودها الحب

في نهاية متخيلة لعصر ريوا، ترزح اليابان تحت وطأة قوى أجنبية في خضم الثورة الصناعية للذكاء الاصطناعي. ويتسارع انحسار عدد سكانها، كما تتراجع مستويات التعليم فيها، وهو ما يدفع اليابان برمتها إلى الانهيار بوصفها قوة دولية. ثم تندلع حرب نووية عالمية، ويجتاح البلاد وباء، وتضربها زلازل هائلة، ويتفشى الفساد السياسي. وبعد كارثة تلو أخرى، ينفجر الشعب الياباني غضبا، وتسقط الدولة إثر ثورة عنيفة. وينخفض عدد السكان بنسبة 90%، ويرتد المجتمع إلى حالة ما قبل الصناعة لم يعهدها منذ قرون. وينقسم الأرخبيل الياباني بين 3 دول: ياماتو في الغرب وتحكمها أوساكا، وبوؤ في الشرق وتحكمها أوداوارا في كاناغاوا، وسيئي في الشمال وتحكمها نييغاتا.

تبدأ أحداث القصة في مقاطعة إهيمه التابعة لياماتو، والتي تُعادل محافظة إهيمه في العالم الحقيقي. يصاب المسؤول الزراعي المثالي ميسومي آوتيرو، الذي لم يتجاوز 15 عاما، بصدمة مدمرة حين يقدم الوزير تايرا دينكي –من دون محاكمة– على إعدام زوجته ساكي التي تزوجها حديثا، وذلك بعدما قدم الوزير من العاصمة لتحصيل الضرائب. ويزعم تايرا أنها ”قاومت موظف تحصيل الضرائب“. غير أن آوتيرو لا يبدي أي غضب إزاء قتل زوجته الوحشي وغير المبرر. وبدلا من ذلك، يبني حججا منطقية يثبت بها سوء تصرف هذا المسؤول، وهو ما يدفع دينكي إلى إعدامه هو أيضا. ويسأل دينكي آوتيرو إن كان راضيا، فيجيبه الشاب من دون أن تتغير ملامح وجهه ”ليس على الإطلاق. لقد كشفت الحقيقة فحسب“.

يمتلك آوتيرو معرفة واسعة بتاريخ اليابان، كما حفظ عن ظهر قلب كتاب ”فن الحرب“ لسون تزو، وكتاب ”سجلات الممالك الثلاث“، وهو مؤلف صيني يعود إلى القرن الثالث. غير أن ساكي تضع حدا لنزعة آوتيرو المفرطة إلى التفكير المجرد، قائلة له ”إذا كنت تملك الشجاعة، فيمكنك توحيد اليابان، وإنهاء عصر الممالك الثلاث هذا، وإحلال السلام في العالم“. وبعد موت ساكي، تظل أمنيتها بإحلال السلام على الأرض تتردد في قلبه، فيمضي قدما متسلحا بالذكاء والفصاحة، بدلا من القوة. وهكذا يبدأ أوتيرو، الذي سيحظى لاحقا بالثناء بوصفه عبقريا في فنون التكتيك، نضاله من أجل إعادة توحيد اليابان.

ميسومي آوتيرو، إلى اليمين، يشرح تعهده لزوجته، بينما يصغي تايرا دينكي، إلى اليسار. من المجلد 5، الفصل 24، من ”نيبّون سانغوكو“ (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان).
ميسومي آوتيرو، إلى اليمين، يشرح تعهده لزوجته، بينما يصغي تايرا دينكي، إلى اليسار. من المجلد 5، الفصل 24، من ”نيبّون سانغوكو“ (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان).

مهارة الرسم واللهجة

أول ما يلفت النظر في هذه المانغا هو الإبداع الفني في الرسم. فالخطوط والمساحات المملوءة بالأسود عميقة وكثيفة إلى درجة أنها تكاد تبدو وكأنها لوحات طباعة بقوالب خشبية، فيما جرى تنفيذ التظليل باستخدام التهشير المتقاطع بدلا من درجات التظليل الشبكية. والشخصيات مرسومة بصورة واقعية، ووجوه الرجال والنساء على حد سواء ذات تجاعيد غائرة. وقد يكون هذا الأسلوب موضع انقسام في الآراء، إلا أن الرسم ينقل جمالا حقيقيا.

كما تتحدث الشخصيات بلهجات قوية، وهو خيار مؤثر يضفي على العمل طابعه الخاص. ويتحدث آوتيرو بلهجة إهيمه، في حين أن اللهجة الرسمية هي لهجة أوساكا عاصمة ياماتو. وتتحول اللهجات المتنوعة إلى وسيلة لإبراز الاختلافات في شخصيات الأبطال، وهو ما يتأكد أكثر من خلال الاستخدام المتكرر لمفردات عامية حديثة خاصة بالشباب، تنسج داخل اللهجات في تناقض طريف وممتع.

بعد جنازة ساكي، يهجر آوتيرو مسقط رأسه ويتوجه إلى أوساكا لأداء اختبار الالتحاق بخدمة الجنرال الحدودي ريومون ميتسوهيدي، المعروف بنبله. وهناك شرط واحد لاجتياز الاختبار: وهو جعل ركبة ميتسوهيدي تلامس الأرض خلال 10 دقائق. وبينما يلجأ جميع المتقدمين الآخرين إلى القوة البدنية، ينجح آوتيرو وحده في اجتياز الاختبار باستخدام استراتيجية نفسية. وهو أحد المشاهد الأيقونية في العمل، ويكشف بوضوح مغزى العمل.

حضارة اليابان العظيمة

في زمن هذه القصة، تصبح السيارات مجرد خردة، ويعتمد التنقل في المقام الأول على السير على الأقدام أو ركوب الخيل. فلا كهرباء ولا هواتف، وبالطبع لا إنترنت. إنها مكان بائس مزقته الحروب، وتسيطر فيه حفنة من أصحاب النفوذ على الدول. ومن هذه الزاوية، تعكس القصة، وإن كان ذلك بصورة مشوهة إلى أقصى حد، حالة القلق الضبابية التي تحيط بشباب اليوم.

ويمكن أيضا النظر إليها بوصفها تصويرا ساخرا ومبالغا فيه لشعور بالقيود يخيم على اليابان اليوم، في ظل تراجع عدد السكان وشيخوخة المجتمع وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة موقع البلاد على الساحة الدولية. وفي أسوأ مستقبل يمكن تخيله لليابان، يحلم بطلنا آوتيرو بإعادة بناء دولة موحدة، تخليدا لذكرى زوجته.

تستند الوسائل التي يتبعها لتحقيق هذا الحلم إلى ما راكمه من معرفة بحكمة كانت اليابان تمتلكها ذات يوم. وفي أحد المشاهد، يتأمل آوتيرو بدهشة قائلا ”كانت اليابان ذات يوم حضارة عظيمة“. وقد تنطوي هذه العبارة على نوع من الحنين إلى أمجاد الماضي وعلى نزعة قومية، لكنني أرى أن ما يستحق التقدير في هذه المانغا هو أنها –في مجملها– لا تلتزم بأي أيديولوجية محددة بوضوح. كما يقدم العمل متعة ترفيهية متعددة الأوجه، إذ يوازن بدقة بين المعارك الدامية والمخططات المذهلة والمشاهد الجادة وبين نكات كوميدية ساخرة.

قيمة الكلام في عصر الحرب

ما العدالة التي يسعى إليها آوتيرو؟ في المجلد السابع، وهو الأحدث، يُسأل آوتيرو كيف يعتزم تغيير العالم من دون اللجوء إلى العنف. وتأتي إجابته بكل بساطة ”الكلام“. ويؤكد آوتيرو بحزم أن الخطوة الأولى نحو إحلال السلام على الأرض تتمثل في تحقيق الديمقراطية، التي تمثل الحكمة الحقيقية للبشرية.

وقد تبدو دعوته مغرقة في المثالية، ولا سيما أن آوتيرو نفسه يلعب دورا في حرب ياماتو العدوانية بصفته موظفا عاما. ومع ذلك، ونحن نشهد في عالمنا الحقيقي خلال القرن الحادي والعشرين انتشار رقعة الحروب وتراجع الديمقراطية، فربما يجدر بنا أن نتلقى هذه الكلمات باعتبارها صوت المؤلف نفسه موضوع على لسان بطل القصة.

لا تكفي هزيمة تايرا دينكي وحدها لوضع حد للفساد. يسعى آوتيرو إلى إحداث ثورة من أجل الناس، معتمدا على الكلمات فقط. من المجلد 7، الفصل 46، من ”نيبّون سانغوكو“. (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان)
لا تكفي هزيمة تايرا دينكي وحدها لوضع حد للفساد. يسعى آوتيرو إلى إحداث ثورة من أجل الناس، معتمدا على الكلمات فقط. من المجلد 7، الفصل 46، من ”نيبّون سانغوكو“. (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان)

يبدو هذا العمل وكأنه رد المؤلف على مانغا ”كينغدوم“ للكاتب هارا ياسوهيسا، التي بدأ نشرها على شكل سلسلة عام 2006. وتصور تلك المانغا معركة الإمبراطور تشين شي هوانغ لتوحيد الصين. وقد حققت شعبية هائلة من خلال التركيز على مشاهد المبارزات القوية، بأسلوب مانغا الشونين الموجهة عادة إلى القراء الذكور الشباب. ويجسد الاختلاف بين ”كينغدوم“ و”نيبّون سانغوكو“ الانتقال من القوة إلى التحول القائم على الحوار، في الانتقال من عصر هييسي (1989–2019) إلى عصر ريوا الحالي.

تأثيرات مستمدة من التاريخ والألعاب

بدأ نشر سلسلة مانغا ”نيبّون سانغوكو“ عبر أحد التطبيقات عام 2021، في ذروة جائحة كوفيد-19. ومؤلفها ماتسوكي إيكّا المولود عام 1994، ينحدر من محافظة إهيمه، شأنه في ذلك شأن آوتيرو. وتعود جذور إلهامه لهذا العمل إلى المرحلة الابتدائية، حين كان مفتونا بقصة ”رومانسية الممالك الثلاث“ وبلعبة الفيديو ”سلالة المحاربين“ المستوحاة منها. وفي مقابلة مع مجلة من إهيمه، يصف ماتسوكي كيف كان مترددا في الكتابة عن تاريخ بلد آخر، فقرر بدلا من ذلك أن يجعل مستقبل اليابان مسرحا لأحداث قصته. ويوضح أنه حدد تقسيم الدول الثلاث استنادا إلى تضاريس البلاد، ووضع خطا زمنيا مفصلا لتاريخها المتخيل. لكنه يقول في الوقت نفسه ”لا أستطيع حقا أن أقول إنني مهتم بالتاريخ إلى هذه الدرجة“.

اليابانيون مولعون بقصص الممالك الثلاث بدرجة تقارب ولع الصينيين بها، مع أن الصين هي موطن هذه القصص. فقد شهد عقدا السبعينات والثمانينات تدفقا هائلا من المانغا المستوحاة من هذه القصة، وكانت البداية مع ”سانغوكوشي“ ليوكوياما ميتسوتيرو. وفي العقد الأول من الألفية الحالية، نقلت مانغا ”تاييو نو موكوشيروكو (روح الشمس)“ للكاتب لكاواغوتشي كايجي أحداث القصة إلى اليابان في المستقبل القريب. إنه نوع أدبي يبدو أنه بلغ حد التشبع تماما، لكن ظهور هذا العمل غير المألوف شكل مفاجأة مدوية.

وتستند الحبكة إلى شخصيات من قصة ”سانغوكوشي“، أو إلى محاربين من فترة المقاطعات المتحاربة في تاريخ اليابان (1467–1568). غير أن اختيار موظف حكومي مثل آوتيرو ليكون بطلا للعمل، بدلا من بطل قوي مثل تساو تساو أو ليو باي، أمر غير مسبوق في هذا النوع الذي تهيمن عليه المعارك. وقد ذكر المؤلف في مقابلة أن الشخصية التي استلهم منها آوتيرو هي دنيغ آي، وهو فلاح ارتقى في المناصب حتى أصبح جنرالا عظيما في مملكة تساو وي. كان دنيغ آي يعاني من التأتأة، لكن ماتسوكي تكهن بأنه لو كان خطيبا مفوها، لربما أصبح من المستحيل هزيمته. وهكذا ولدت شخصية آوتيرو.

جنرالات وأشرار جذابون

ومع ذلك، يتمثل أحد أكثر جوانب القصة إثارة للاهتمام في ظهور عدة جنرالات واحدا تلو الآخر، وكل واحد منهم لا يقل غرابة عن سابقه. وحتى المجلد الرابع، تتبع القصة الجنرال الحدودي لياماتو –ريومون ميتسوهيدي– وأحد مرؤوسيه، الاستراتيجي العبقري كاكو ياسوأكي. كما تظهر واجيما أوغا، المرأة التي ترتقي لتصبح زعيمة سيئي بعد انقلاب، حيث تُصور بكاريزما طاغية. وحتى الجنود الأدنى رتبة يجري تقديمهم بوصفهم شخصيات ذات أهمية، وليسوا مجرد عناصر هامشية لملء المشاهد. وهذا ما يجعل العمل أشبه بلوحة فنية متكاملة.

لكن ربما لم تكن القصة لتصبح بهذا القدر من التشويق لولا وجود خصوم بغيضين حقا. فتايرا دينكي هو تجسيد عملي للفساد والخبث، إذ يرتكب فظائع لا مثيل لها، دون أن تفارق الابتسامة وجهه. الإنسانية المنزوعة منه، التي تتجلى في مطالبته بتنفيذ الإعدامات الفورية من دون أدنى تردد، تجعله الخصم المثالي لقصة انتقام آوتيرو الفريدة.

لكن هذه بالتأكيد ليست قصة بسيطة عن انتصار الخير على الشر. ويذكر ماتسوكي أنه تلقى تعليقات كثيرة من القراء يطالبونه فيها بـ”الإسراع في قتل تايرا“، لكنه يوضح قائلا ”لا أعتقد أن الأشخاص الذين يطالبون بقتله يقفون في صف الخير“. فالخير والشر، والصواب والخطأ كما يصورهما هذا العمل، أمور نسبية دائما. ولكل شخص في القصة جانبه المضيء وجانبه المظلم. بل يتضح حتى أن تايرا دينكي نفسه كان من ذلك النوع من الأبطال الذين كان عصره يطالب بظهورهم. ولعل القراء متحمسون فقط، إذ يعتقدون أن هزيمة تايرا ستفتح الطريق أمام ظهور الوحش التالي. وهذه علامة على أنه لا يستطيع أحد أن يغفل عن ذروة الأحداث القادمة.

تايرا دينكي مبتسما. ولا شك أن بشاعة تلك الابتسامة ستُخلد في تاريخ المانغا. من المجلد 2 من ”نيبّون سانغوكو“ (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان).
تايرا دينكي مبتسما. ولا شك أن بشاعة تلك الابتسامة ستُخلد في تاريخ المانغا. من المجلد 2 من ”نيبّون سانغوكو“ (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان)

أنيمي يحقق نجاحا عالميا

عُرض مسلسل أنيمي تلفزيوني مقتبس من المانغا في الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران عام 2026 على قنوات طوكيو إم إكس، وتلفزيون بي إس نيبّون، وغيرها من القنوات، كما يجري بثه دوليا عبر أمازون برايم فيديو. وحتى نهاية مايو/أيار، احتل المسلسل المرتبة العاشرة من حيث عدد المشاهدات العالمية عبر أمازون بين جميع المسلسلات التلفزيونية الأخرى، والمرتبة الثانية في المناطق غير الناطقة بالإنجليزية. ولعل شعبيته العالمية تعود إلى حد كبير إلى مقاربته الصادقة للقضايا الواقعية.

فهل يستطيع لسان آوتيرو الفصيح إيقاف أولئك الذين يلجؤون إلى العنف؟ وهل يمكن للكلام وحده أن يحقق السلام؟ إن المعركة الرامية إلى تجسيد مثالية آوتيرو في ”وحدة المعرفة والعمل“ قد تكون ذات صلة وثيقة بعالمنا نحن أيضا.

ملصق ترويجي للأنيمي المقتبس من المانغا (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان/لجنة إنتاج نيبّون سانغوكو، بإذن من بي آر تايمز)
ملصق ترويجي للأنيمي المقتبس من المانغا (© ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان/لجنة إنتاج نيبّون سانغوكو، بإذن من بي آر تايمز)

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: غلافا المجلدين الأول والثالث من مانغا ”نيبّون سانغوكو“ لماتسوكي إيكّا. © ماتسوكي إيكّا/شوغاكوكان)