في مهرجان قرطاج، 3 أغسطس 2024 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
ليس من السهل اختصار مسيرة كاظم الساهر في بضعة أسطر. الفنان العراقي الذي عرفه الجمهور العربي في بيروت مطلع التسعينيات، دخل إلى ساحة غنائية كانت تعجّ بأسماء كثيرة، لكنه بدا منذ البدايات كأنه اختار لنفسه مكاناً خارج السرب.
لم يتعامل مع الشهرة باعتبارها مصادفة، بل بنى حضوره بهدوء، من الحفلات إلى الإنتاج واختيار الأغاني، قبل أن تأتي روتانا لتتولى جانباً مهماً من إنتاج أعماله وتوزيعها وتسويقها. وفي تلك السنوات الطويلة، تفرّغ الساهر للغناء والتلحين، ورسم لنفسه خطاً فنياً ظل واضحاً ومتماسكاً، حتى بات من الصعب العثور على تجربة مماثلة بين أبناء جيله.
ساعدت روتانا على تثبيت حضور الساهر تجارياً في زمن كانت فيه مبيعات الأقراص المدمجة معياراً أساسياً للنجاح، فرافقت ذلك حملات تسويق واسعة، وإنتاجات بصرية للأغاني، وتصوير حديث نسبياً على مستوى تلك المرحلة. وهكذا وُضع الحجر الأساس لمسيرة تجاوزت أربعة عقود من الانتشار، قبل أن يصبح اسم الساهر مرتبطاً ليس فقط بالأغنية، بل أيضاً بالحفل الذي ينتظره الجمهور عاماً بعد آخر.
اليوم، يعود كاظم الساهر بألبوم “بلا عنوان”، وهو عمل من 18 أغنية، اختار كلماتها وتولى تلحين سبع منها، بينها “راحت عليك”، و”هي قوة”، و”سجلك غياب”، و”كله كذب”، و”ولا أشكي لك”، و”للأبد”، و”هلو حياتي”. أما بقية الأغاني، فتتوزع بين تجارب مع شعراء وموزعين موسيقيين مختلفين. ومنذ الاستماع الأول، يبدو أن الساهر لم يأتِ هذه المرة ليجرب مغامرة تقلب صورته رأساً على عقب، بل ليعيد ترتيب عناصر المدرسة التي بناها طوال سنوات.
هنا تحديداً يبرز السؤال الأصعب: هل لا يزال الساهر قادراً على تحقيق ذلك النجاح المدوي الذي صنع اسمه، أم أن النجاح بعد كل هذه السنوات يصبح امتحاناً من نوع آخر؟ فالفنان الذي ملأ المسارح والمهرجانات، وحفظ جمهوره قصائده منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد مطالباً بإثبات قدرته على جذب الناس، بل بإقناعهم بأن ما يقدمه اليوم يضيف شيئاً إلى إرثه، لا أن يكتفي بتكراره.
جمهور الساهر، في الغالب، لا يتعامل مع جديده كما يتعامل مع إصدارات معظم المغنين. ثمة قدر كبير من التسامح، بل والاحتفاء، يرافق كل عمل جديد، حتى إن الانتقادات التي تطاول غيره نادراً ما تجد طريقها إلى تجربته. وربما يعود ذلك إلى الثقة التي راكمها منذ شراكته الشهيرة مع الشاعر الراحل نزار قباني، ثم في عدد من الأغاني التي كتبها صديقه الراحل كريم العراقي. ساهمت تلك الأغاني في تشكيل صورة الساهر التي لا تزال حاضرة بقوة، خصوصاً عندما يعود على المسرح إلى قصائد البدايات، فيردد الجمهور معه كلمات حفظها منذ سنوات بعيدة.
في “بلا عنوان”، تبدو هناك عودة محسوبة إلى بعض ملامح البدايات: حضور أوضح للروح العراقية، ومساحة أكبر للقصيدة، وتمسك بالتفاصيل الموسيقية التي صنعت شخصية كاظم الساهر. لكن ما يميزه عن كثيرين من أبناء جيله أنه لم يبنِ مجده على صوته وحده، رغم امتلاكه خامة صوتية لا تخطئها الأذن. اللحن عنده جزء أساسي من الهوية، والتوزيع ليس مجرد خلفية للصوت، بل مساحة تمنح الأغنية وقتها الخاص.
ومن هذه الزاوية، تبدو أغنية “تدخنين”، من كلمات الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، واحدة من أكثر تجارب الألبوم إثارة للمقارنة. فاستدعاء تجربة “المحكمة”، التي كتبها كريم العراقي وشاركت الساهر غناءها أسماء لمنور، يفرض نفسه عند الاستماع إلى “تدخنين”، التي تشاركه فيها اللبنانية سندي لطي، بتوزيع ميشال فاضل. ثمة تقارب في طبيعة الصوت النسائي، كذلك فإن بعض المفردات والصياغات، إضافة إلى طريقة التوزيع والاشتغال على اللحن، تجعل المقارنة ممكنة، وإن لم تكن بالضرورة حكماً على إحدى التجربتين لمصلحة الأخرى.
لكن الساهر، في المقابل، قد يظلم نفسه أحياناً حين يكثر من الاعتماد على ألحانه الخاصة. فمع توليه تلحين سبع أغانٍ من الألبوم، تظل بصمته واضحة إلى حد يصعب معه أحياناً الفصل بين التجديد وإعادة إنتاج نَفَس موسيقي يعرفه الجمهور جيداً. هذه ميزة وعبء في الوقت نفسه: فالمعجب يريد من الساهر أن يبقى ساهراً كما يعرفه، لكنه يريد، في الوقت ذاته، أن يسمع شيئاً لم يسمعه من قبل.
من أجمل ما في الألبوم، حضور اللون الشعبي في أغنية “أحباب”، التي كتبها ولحنها الساهر ووزعها محب الراوي. هنا يبدو الفنان، وهو يقترب من السبعين، أخف وأصدق، ويترك اللحن والكلمة يلتقيان من دون استعراض. في المقطع الأول تحديداً، تصل الأغنية ببساطة، وربما كانت هذه البساطة واحدة من أكثر نقاط قوتها.
وإذا كان ثمة أمر يصعب تجاهله في تجربة “بلا عنوان”، فهو أن كاظم الساهر لا يزال يتعامل مع الأغنية باعتبارها مساحة موسيقية وليست مجرد منتج تجاري سريع الاستهلاك. لا تخضع أغانيه دائماً لقاعدة الدقائق القليلة، ولا تستعجل الوصول إلى اللازمة أو الخاتمة. يترك للتوزيع مساحة كي يتنفس، وللآلات أن تظهر، وللنغم أن يتمدد قليلاً خارج الإيقاع السريع الذي فرضته صناعة الأغنية الحديثة.
قد لا يكون “بلا عنوان” ألبوماً انقلابياً في تجربة كاظم الساهر، لكنه بالتأكيد ليس عملاً عابراً. أهميته قد تكمن في أنه يضع صاحبه أمام السؤال الذي يواجهه كل فنان يستمر طويلاً: كيف تحافظ على هويتك من دون أن تتحول إلى أسير لها؟ الساهر اختار حتى الآن الإجابة بطريقته؛ لا يطارد الموضة، ولا يقطع صلته بما صنع نجاحه، لكنه يحاول أن يمنح تلك الوصفة عمراً جديداً. وفي زمن تتبدل فيه الأغنية بسرعة، قد يكون هذا وحده نوعاً من المغامرة.
