أضاء معرض أبوظبي الدولي للكتاب، على تجربة معالي محمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، بوصفه الشخصية الأولى التي تحتفي بها مبادرته السنوية الجديدة «أعلام الإمارات»، مستعرضاً سيرته الثقافية، والإعلامية، وجهوده التي أسهمت في تعزيز مكانة دولة الإمارات على خريطة العمل الثقافي إقليمياً ودولياً.
وشهدت أولى جلسات «أعلام الإمارات»، التي أطلقها المعرض لتوثيق تجارب رموز الفكر والثقافة في المشهد الوطني، حضور الشيخة الدكتورة شمّا بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية.
والدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، وعدد من الشخصيات الثقافية والإعلامية، وتناولت سيرة معاليه منذ نشأته الأولى ورحلته من دبي عبوراً للمكتبات الأهلية وشغفه بالقراءة والتعبير، وصولاً إلى دراسته العلوم السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وصدور أولى مجموعاته القصصية «حب من نوع آخر» في العام 1982.
وتطرقت الجلسة، التي أدارتها الإعلامية فاطمة الحمادي، إلى مسيرة معاليه الثقافية والإعلامية والوطنية التي تولّى خلالها رئاسة المجلس الوطني الاتحادي، وسلّطت الضوء على اهتمامه بفنون الخط العربي والمخطوطات والعملات النادرة وتوثيق الذاكرة الوطنية، فضلاً عن ترجمة أعماله لعدة لغات كالصينية والهندية.
وافتتح الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية المبادرة في كلمة أكد فيها أن الاحتفاء بالشخصيات الثقافية المؤثرة هو في جوهره احتفاءٌ بالأثر الذي تصنعه الثقافة حين تتحوّل من جهود معرفية تُقدّم للمتلقي إلى وعي يُبنَى ويَبَني معه الأمم والمجتمعات، وعندما يتجاوز تقدير التجربة الفردية ليغدو صوناً لذاكرة جماعية، وننتقل في أثرها لنستمع إلى حوار ثريّ يمتدّ ويتّسع، بدل أن نستمع إلى صوت واحد فقط.
وأضاف: «أردنا لهذه المبادرة أن تكون جهداً وطنياً يقدّر سنوياً دور المثقف ويحتفي به، ويكرّم مسيرة وتاريخ قامات أثّرت بشكل فاعل في المشهد الثقافي، والفكري في دولة الإمارات، لذا سعينا لأن نوثّق إسهاماتهم، ونسلّط الضوء على جهودهم، ومنجزاتهم التي لعبت دوراً فاعلاً في إثراء ثقافة ومعارف المجتمع، بما يترجم جهود وأهداف مركز أبوظبي للغة العربية في توفير مصدر ومرجع ثقافي مستدام، يثري المكتبة الإماراتية، ويحفظ الذاكرة الثقافية، ويرسّخ مكانة دولة الإمارات الريادية على خارطة العمل الثقافي إقليمياً ودولياً».
وأردف: «الاحتفاء بمعالي محمد المر أجمل ما نستهلّ به هذه المبادرة، فهو المؤتمن على سيرة واسعة، وخصبة، والذي لا يمكن أن يمرّ ذكره مروراً عابراً حين نتحدّث عن المؤثرين في المشهد الثقافي الإماراتي، والعربي على حدّ سواء، فمسيرته شكّلت على امتداد عقود واحدة من التجارب الفارقة التي لا يمكن وصفها بأنها مجرد مجالاً من مجالات العمل، بل شغفاً، ومسؤولية، وذاكرة، وهوية، شكّلت صورة مثالية للمثقف العضويّ، الذي ظلّ وفياً لفكرة واحدة: أن الثقافة قوّة تبني الإنسان، وأن المجتمعات يجب أن تعرف تاريخها، وتحفظ ذاكرتها، وتحتفي بالإبداع وروّاده، لتكون قادرة على فهم الحاضر، وصناعة المستقبل».
وفي حديثه خلال الجلسة أكّد معالي محمد المر أن معرض أبوظبي الدولي للكتاب علامة فارقة في المشهد الثقافي الإماراتي والعربي، وأن مبادراته تقود نحو ربط الأجيال الجديدة بشكل أكبر بموروثهم الثقافي وهويتهم الفكرية والمعرفية، مثمناً معاليه الدور الذي يلعبه مركز أبوظبي للغة العربية في تعزيز حضور اللغة العربية، وترسيخ مكانتها باعتبارها ركيزة أساسية للثقافة العربية، ومقدّراً الاهتمام الذي يوليه لأصحاب الأثر والمنجز الثقافي من خلال مبادرة «أعلام الإمارات».
وعن مسيرته في بناء المؤسسات الثقافية وقيادتها، أشار معاليه إلى أن استمرار نجاح المؤسسات هو نتيجة الرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة؛ مشيراً إلى أن دولة الإمارات استطاعت بفضل فكر القائد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ورعاية القيادة الحالية، حماية المجتمع وحفظ الحضارة للوصول بها إلى مصاف الدول المتقدمة.
وأوضح معاليه أن الأثر الحقيقي للمؤسسات الثقافية لا يُقاس فقط بالأرقام وعدد الكتب والفعاليات، بل بتطوير النمط الحضاري للإنسان الإماراتي، مشيراً إلى أن هذا الأثر يتجلى في الصورة المشرّفة التي يعكسها المواطن إقليمياً ودولياً.
وفي حضور الدولة في المحافل الثقافية العالمية، كما حدث مؤخراً في معرض بكين الدولي للكتاب، الذي حلت فيه الدولة ضيف شرف، عبر مشاركات الشباب وتفاعلهم الثقافي الراقي الذي يعبر عن وعي المجتمع ونهضته المعرفية.
وأكّد معاليه أن وجود القيادة التاريخية يمنح المؤسسات المساحة والبيئة للنمو، مستشهداً بالمنجزات الثقافية والعمرانية في الدولة، ومنها إنشاء «أوبرا دبي» التي تعد الثانية آسيوياً من حيث السعة الفنية والموسيقية بعد بكين، إلى جانب البنية الأساسية للمؤسسات الثقافية والدستورية في إمارات الدولة.
وشدّد المر على أهمية حفظ الأرشيف والمكتبات وتوثيق المخطوطات والعملات والوثائق النادرة، منوّهاً إلى أن الاستثمار في صون الذاكرة الوطنية والتراث المادي لا يقتصر على جمع الأشياء الثمينة، إذ إنه يُمثل إنقاذاً حقيقياً لأجزاء جوهرية من تاريخ الدولة وإرثها الحضاري.
وحول تحدّيات التطور التكنولوجي وظهور المحتوى الرقمي السريع، دعا المر إلى تبني نظرة إيجابية تجاه الوسائط الحديثة بدلاً من التوجس منها، لافتاً إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تُسهم -في حال اختيار الموضوعات الجادة بذكاء- في توسيع دائرة المشاركة والاستفادة المعرفية وتسهيل وصول المعرفة، كما استعاد بعض تجاربه وملاحظاته القديمة حول أهمية فن الخطابة والتواصل الجماهيري المؤثر.
