بقدر كبير من التوجس، تعاملنا مع المنصات الرقمية. الأغلبية كانت تراها خطرا محدقا يهدد مصير المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية، بينما على أرض الواقع لم يكن الأمر على هذا النحو، بعد بضع سنوات بدأنا مرحلة التعايش السلمى.

أنا مثل كثيرين من جيلى، لم أكن من محبذى متابعة المنصات، والتعاطى مع شاشة (الكمبيوتر) باعتبارها شاشة تليفزيونية، حتى داهمتنا قبل نحو ست سنوات الملعونة (كورونا)، وأصبحنا أسرى المنزل، وبات التعامل معها باعتبارها شرا لابد منه (مجبر أخاك لا بطل).

إلا أننا مع الأيام بدأنا نرى وجها آخر للحكاية، المنصات تملك القدرة على تحطيم العديد مما نعتبره قواعد صماء لا تحتمل التغيير، أرى أن أكبر خطر واجه بضراوة الدراما حتمية الوصول فى عدد الحلقات إلى رقم (30)، والتى بدأت مع انتشار الفضائيات، حيث تنتعش سوق المسلسلات الرمضانية، وهكذا صار الرقم إجباريا. وهنا بدأ استخدام توصيف (الفطاطرى)، الذى أطلقه كاتبنا الكبير الراحل وحيد حامد، وكان يضرب المثل بفكرة قطعة العجين الصغيرة التى يتم تشكيلها طبقا لرغبات الزبون.

بقليل من الدقيق، من الممكن للفطاطرى الشاطر، بدلا من أن يصنع منها قطعة (بيتزا) صغيرة، يحيلها ببضع ضربات متلاحقة على المائدة، إلى فطيرة كبيرة بعد اتساع قطرها إلى دائرة مترامية الأطراف.

كثيرا ما يستخدم النقاد تعبير (اللت والعجن) يطلقونه على الكُتاب الذين يصرّون على أن يشغلوا بها مساحة درامية أكبر. إنه صراع أطلق أنا عليه (معركة الصفحة البيضاء)، والتى يجب على الكاتب أن يملأها بأى ثرثرة وأحداث مفتعلة، حتى يتمكن من التهام زمن الحلقة.

تلك هى (آفة) الدراما التليفزيونية؟ عندما يصبح الرهان هو كيف تملأ الفراغ الورقى حتى لو كان أيضا بفراغ فكرى، الورقة البيضاء ينبغى أن يسلمها الكاتب للجهات الإنتاجية مملوءة بكلمات سوداء!.

التاريخ يقول لنا إن عددا كبيرا من أشهر المسلسلات التى سكنت الذاكرة والوجدان لم تتجاوز حلقاتها رقم 15 وبعضها 10 مثل (هو وهى) سعاد حسنى وأحمد زكى و(أحلام الفتى الطائر) عادل إمام 14 حلقة. (ضمير أبلة حكمت) أول عمل درامى لسيدة الشاشة فاتن حمامة 15 حلقة، المنصات حطمت كل ذلك، صار من الممكن أن تجد مسلسل 8 حلقات وآخر 9 حلقات، وثالث حلقتين، والفيصل هو المحتوى الدرامى، الذى يفرض زمنه، رغم أنه ومع بدايات التليفزيون المصرى فى العديد من الدول العربية، مطلع الستينيات، كان هناك ما يُعرف بالخماسية والسباعية والسهرة الدرامية، ثم مع الزمن اختفت تماما، وسيطر المسلسل الطويل الذى يحتل الـ30 يوما. يوما سألت المخرج يوسف شاهين عن العيب الأكبر فى الدراما التليفزيونية؟ فأجابنى: (الرغى)، وكان يطالب تلاميذه بتجنب الدراما التليفزيونية، واعتبرها مثل الرمال المتحركة، من تنزلق قدمه مرة لن يستطيع الفكاك أبدا، الغريب أن كل من حذرهم يوسف شاهين من بين نجوم أفلامه، رسخت أقدامهم وأصبحوا من علامات الدراما التليفزيونية مثل نور الشريف ويسرا ومحمود حميدة وحسين فهمى وغيرهم!!.

أتمنى ولصالح الدراما ألا تتقيد مسبقا برقم ثابت، وتترك عدد الحلقات لما تفرضه الأحداث، وهو ما نجحت المنصات فى تأكيده، بعد أن تحولت مع الزمن من عدو قاتل إلى طوق نجاة!.