فتاتان في جامعة بمدينة تعز اليمنية، 15 ديسمبر 2022 (فرانس برس)

في الوقت الذي يعاني فيه المشهد الثقافي في اليمن ركوداً جراء تداعيات الحرب المتواصلة وضغوط الواقع السياسي والاقتصادي، تواصل حركة النشر فرض حضورها بصعوبة عبر إصدارات محدودة، ما دفع العديد من الكتّاب إلى إصدار مؤلفاتهم عن دور نشر يمنية تأسست في الخارج، والتي تستحوذ على قسم منها مراجعات للواقع السياسي والحقوقي والثقافي الذي يعيشه اليمنيون.

وثيقة تاريخية

في إطار توثيق مرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، صدرت السيرة الذاتية للمحامي والناشط الحقوقي محمد علي علاو، تحت عنوان “صوت من اليمن إلى العالم: مذكرات ربع قرن في حقوق الإنسان والسياسة 2000-2025” (عناوين بوكس، عدن/ القاهرة/ لندن، 2026)، ويسرد فيها مذكراته ضمن محطات زمنية، تنقّل خلالها بين قاعات المحاكم اليمنية، وأروقة السياسة، واجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، ممثلاً لمنظمات يمنية ودولية. ولا يقف الكتاب عند التجربة الشخصية للمؤلف، حيث يوثّق جهود مئات الشخصيات اليمنية والعربية والدولية التي شاركته مسيرة الدفاع عن حقوق الإنسان في اليمن. وتأتي مادة الكتاب مدعّمة بالصور والوثائق النادرة لتشكل وثيقة تاريخية وحقوقية.

تاريخ المسرح اليمني

مع تدهور النشاط المسرحي في البلاد خلال السنوات الماضية، وإجهاض العديد من المشاريع المسرحية مثل مسرح الدمى، ومسرح الشارع، إثر انقلاب جماعة أنصار الله (الحوثيين) عام 2014، يأتي كتاب “تاريخ القمع والرقابة على المسرح في اليمن” (أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2025)، لمحمد الكرامي، ليقدم وثيقة تاريخية تتتبّع مسار المسرح اليمني منذ بداياته في أوائل القرن العشرين وحتى اليوم.

يرصد علاقة السلطة بالمسرح، وتداخل السياسة بالاجتماع في تحديد مسار العروض، كاشفاً عن تحوّل النشاط المسرحي في صنعاء إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية والترويج لرفد جبهات القتال، عبر عروض تُقدّم بانتظام لطلبة الجامعات، مستعرضاً أمثلة موثقة لنصوص ومنصات مسرحية مُنعت أو خضعت للتعديل، بسبب حساسيتها السياسية أو الاجتماعية، وكيف أدت الرقابة إلى تراجع المسرح النقدي وصعود المسرح الترفيهي، كما يناقش الكتاب استراتيجيات المسرحيين في تجاوز القيود عبر الرمزية والإيحاء.

في النقد والرواية

أما الناقد والأكاديمي قائد غيلان، فأصدر ثلاثة أعمال نقدية في وقت متقارب خلال العام الجاري، وجميعها عن مكتبة خالد بن الوليد، ودار الكتب اليمنية في صنعاء، استهلها بكتاب “النص ومراياه.. قراءات نقدية لأعمال أدبية”، وهو مجموعة مقالات نقدية كان قد سبق له نشرها متفرقة حول عدد من الإصدارات الأدبية من رواية وقصة قصيرة وشعر، إلى جانب “بحوثي المحكمة.. دراسات نقدية في الرواية والشعر”، و”الدراما اليمنية.. مقالات نقدية ومقاربات فنية”، وتناول خلالها نماذج عديدة من الأدب اليمني قدّمتها أصوات جديدة.

وفي مجال الرواية، صدرت رواية “جزيرة آمنة” (عناوين بوكس، 2026)، للروائي وكاتب السيناريو سامي الشاطبي، يروي فيها مذكرات يمني في جزيرة شولان النائية، حيث هرب إليها بطل الرواية باحثاً عن أمل في حياة أفضل. تبدأ الرواية بسؤال البطل حول إمكانية تحويل الجزيرة إلى مكان آمن وصالح للعيش، وهل يمكن الاستعاضة بها عن الوطن الطارد مواطنيه.

تصدر العديد من المؤلفات عن دور نشر يمنية تأسست في الخارج

في الرواية، الانتظار هو ثيمة الوقت الوحيدة “اليوم الرابع عشر لا شمس، لا ظل لا سلحفاة، لا صوت، فقط ضياع”، حيث يقضي البطل ساعاته يكتب على الرمل، وينتظر أن يتلون اليوم، أو أن تنطق المكنسة، أو أن يأتي قارب لإنقاذه. يقول الكاتب عن روايته “إنها عنا نحن الذين نرغب بالاختفاء، ثم نبكي حين لا يجدنا أحد. إنها محاولة يائسة لاسترجاع وطن آمن فقدناه”.

تحديات النشر 

تصطدم صناعة النشر بعوائق شتى، منها ضعف الدعم المؤسسي للكتاب، وغياب البرامج المنتظمة لشراء الإصدارات ودعم الترجمة والمشاركة في معارض الكتب، وصعوبة إيصال الكتاب للقارئ داخل اليمن وخارجه؛ نظراً لمحدودية المطابع المتخصصة، وارتفاع تكاليف الطباعة والورق والشحن، إلى جانب غياب شبكة توزيع كتب يمنية فاعلة. كما يواجه قطاع النشر الرقمي في اليمن، مشكلات القرصنة، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وعدم انتظام التحصيل من بعض منافذ البيع، فضلاً عن محدودية خدمات الدفع الإلكتروني وصعوبة التحويلات المالية.