أحياناً لا تكون الموسيقى مجرد أصوات تحفظها الذاكرة، بل تصبح طريقة أخرى لقراءة زمن كامل، وربما لهذا السبب بدا رحيل الموسيقار والملحن وقائد الأوركسترا التونسي محمد القرفي، أول من أمس، عن عمر ناهز 78 سنة، أشبه بإغلاق فصل من تاريخ الموسيقى التونسية الحديثة.
لم يكن القرفي موسيقياً يكتفي بالتلحين أو قيادة الفرق، بل ظل مشغولاً بما يمكن أن تفعله الموسيقى حين تتجاوز حدود الأغنية لتلتقي بالمسرح والشعر والصورة والذاكرة. وفي هذا المسار تنقل بين الموسيقى السيمفونية والمسرح الغنائي والتجارب التي تستعيد الذاكرة الموسيقية التونسية، حتى جاء عرض “من قاع الخابية”، الذي افتتح مهرجان قرطاج الدولي عام 2025، امتداداً لمشروع فني وثقافي ظل يشتغل عليه عقوداً.
من الألتو إلى مجموعة 71
ولد محمد القرفي في تونس العاصمة عام 1948، وبدأ مسيرته الموسيقية عام 1969 عازفاً على آلة الألتو ضمن الأوركسترا السيمفونية التونسية. غير أن تجربته لم تتوقف عند حدود العزف، إذ اتجه مبكراً إلى التأليف والتجريب، وأسهم في تأسيس “مجموعة 71″، قبل أن يتولى قيادة وإدارة فرقة مدينة تونس للموسيقى.
كانت تلك المرحلة جزءاً من زمن ثقافي تونسي كانت فيه الموسيقى تبحث عن أشكال جديدة للتعبير، وعن علاقة مختلفة بين النص واللحن والأداء. واشتغل القرفي على عدد من المشاريع الفنية التي جمعت الموسيقى بالشعر والمسرح، وتعاون مع البشير الدريسي في تجارب مسرحية وأوبرالية.
لم يكن المسرح بالنسبة إليه مساحة مرافقة للموسيقى، بل فضاء لإعادة تركيبها، لذلك اشتغل على أعمال للمسرح والسينما والتلفزيون، وصمم وأخرج عدداً من الأوبرات، محاولاً أن يمنح الموسيقى حضوراً درامياً يتجاوز وظيفتها التقليدية.

الفنان المبدع والمتعدد (صفحة الفنان – فيسبوك)
وهنا تكمن إحدى خصوصيات تجربته: الموسيقى عند محمد القرفي لم تكن منفصلة عن بقية الفنون، بل كانت تتحرك بينها.
تجارب عربية متنوعة
اتسعت تجربة القرفي خارج المشهد التونسي أيضاً، فقد تعاون مع الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وعلي الحجار، واشتغل على نصوص شعرية لعدد من الأسماء العربية، من بينهم محمود درويش وأبو القاسم الشابي وأحمد فؤاد نجم وسعيد عقل ومنصور الرحباني.
وفي هذه التجربة العربية تحرك القرفي داخل فضاء تتقاطع فيه الموسيقى مع الشعر والهوية والقضايا الإنسانية، لم تكن الحدود الجغرافية حاضرة بقوة في مشروعه، فالنص الشعري كان قادراً على الانتقال من لغة إلى أخرى، والموسيقى قادرة على منح القصيدة حياة مختلفة حين تنتقل من الصفحة إلى الصوت.
لكن القرفي لم يتعامل مع الموسيقى بوصفها ممارسة فنية فقط، كان باحثاً ومؤلفاً أيضاً، وترك دراسات وكتباً تناولت الموسيقى والمسرح الغنائي، من بينها “الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس” عام 1996، و”صفحات من الموسيقى العالمية” عام 1997، و”المسرح الغنائي العربي” عام 2009.
“من قاع الخابية”… العودة إلى الذاكرة
في الـ19 من يوليو (تموز) 2025 عاد محمد القرفي إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج، ليقدم “من قاع الخابية”، العرض الذي افتتح الدورة الـ59 لمهرجان قرطاج الدولي.
لم يكن اختيار عنوان العرض عابراً، فالخابية، بما تختزنه من معنى الأشياء المحفوظة في الأعماق، بدت استعارة مناسبة لمشروع يستعيد طبقات من الذاكرة الموسيقية التونسية. كان القرفي يعود إلى أسماء وألحان وشخصيات صنعت جانباً من الوجدان الفني للبلاد، ويضعها في عرض يجمع الموسيقى بالمسرح والشعر والرقص والصورة.
استعاد العمل أسماء من تاريخ الموسيقى التونسية، من خميس الترنان ومحمد التريكي ومحمد الجموسي وعلي الرياحي والهادي الجويني إلى صالح الخميسي وصليحة وغيرهم، في محاولة لإعادة هذه الذاكرة إلى فضاء العرض الحي.
بهذا المعنى لم يكن “من قاع الخابية” مجرد استعادة لأغانٍ وأسماء من الماضي، بل كان سؤالاً عن الطريقة التي يمكن بها للذاكرة أن تعيش في الحاضر، فالموسيقى التي لا تجد من يعيد قراءتها تتحول مع الوقت إلى أرشيف، بينما كان القرفي يريد لها أن تبقى مادة قابلة لإعادة الاكتشاف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان لافتاً أن يكون هذا المشروع من آخر المحطات البارزة في مسيرته، وأن يقف الموسيقار الذي بدأ عازف ألتو في الأوركسترا السيمفونية التونسية على المسرح الأثري بقرطاج، بعد أكثر من خمسة عقود، ليعيد تقديم جانب من الذاكرة التي رافقته طويلاً.
رحل محمد القرفي لكن تجربته لا تختصر في قاكلمة مارسيل خليفةئمة من الألحان أو الأعمال المسرحية أو الكتب، ثمة مسيرة كاملة حاولت أن تجعل الموسيقى جسراً بين الماضي والحاضر، وبين تونس ومحيطها العربي، وبين الأغنية والمسرح والشعر.
وكتب الموسيقار مارسيل خليفة في صفحته على فيسبوك عن الراحل، قائلاً: “وحده مضى يبحث عن معنى لا يبين إلاّ لمن يؤوبون من البعيد متعبين . تستحم ذكراه من أول انبثاقها، حتى آخر صفحة منقوشة في سيرتها ، تقرأ طالع غد مصلوب على خشبة الانتظار .
يا محمد ، وانت تمضي وماذا تودّع – حين تودّع – تونس – مدينتك ورصيداً من أحلام نشرتها اعمالك .
من سيأتي ليحرث في الساحة فكرة ويحصد ما أينع من ثمار ما رويت بعرق الجبين؟
رحلت وبقيت اعمالك وما ملكت يمينك من الكلام الحر .لعلّ الرحيل شيء جديد يولد. لعلّه ما لا يوصف من أمر سماوي يصطفيك. لعلّه لغز يقاسمه سؤال اليقين الضائع في شوارع المدينة.
سافرت واودعت الذي خلفته للصمت والحنين، ولذكرى أشهد عليها قلباً تقرّح وأسلمت العينين لجيل سيسمع ويقرأ ما تركته” .
