وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رسالة إلى شباب وشابات دبي، ضمن كتابه “الرسائل” الجزء الثاني من علمتني الحياة، حيث يضم كتاب الرسائل 26 رسالة يوجهها سموه إلى أبنائه وأسرته وفريق عمله وأبناء وطنه والعالم، تختصر خلاصة ستة عقود من العمل العام، لتشكل مرجعاً معرفياً وفكرياً للأجيال الحالية والقادمة.
وجاء في رسالة سموه : “رسالة إلى شباب دبـي .. “سنوات البطاقة”
هذه رسالة إلى أحبتي وأحبابي وأبنائي شباب وشابات دبي .. أحكي لكم فيها قصة “سنوات البطاقة” ..
هي سنوات مرّت على أهاليكم وآبائكم وأجدادكم، انتشر فيها الفقر والجوع والمرض، وفقدت فيها الكثير من العائلات مصدر رزقها ..
سنوات أكل الناس فيها الشعير المخلوط بالخبز، وكانوا يسمونه “الشمبريش” ..
وعاشت الكثير من العائلات على التمر والماء لأشهر كاملة ..
سنوات أكل الناس فيها الجراد أثناء مواسمه من شدة الجوع والعوز ..
وهم في بيوت من سعف النخيل، مع حرّ شديد، وقلة في الماء، وشح في الطعام ..
سنوات ضربت فيها بلادنا أمراض مثل الكوليرا، والجدري والحمى، والتهابات العيون، وسوء التغذية، والأمراض المرتبطة بتلوث المياه ..
سنوات مُحيت فيها عائلات كاملة بسبب أمراض بسيطة كالحمى وغيرها .. بسبب ضعف العلاج وقلة الطبابة وسوء الغذاء ..
إنها سنوات الجوع.
وكانوا يسمونها “سنوات البطاقة” لأن الشيخ راشد، بتوجيهات من الشيخ سعيد رحمهما الله، كان يوزع البطاقات على الأسر من أجل الحصص الغذائية المحددة والبسيطة المخصصة لهم، حتى لا يموت الناس جوعاً وخاصة الضعفاء.
كان الاستيراد ضعيفاً، والشحنات التي تصل قليلة بسبب الحرب العالمية المستعرة في العالم وخطوط الإمداد المتوقفة.
تعرضت دبي لضربتين متتاليتين: الأولى انكسار اقتصاد دبي بسبب انهيار صناعة اللؤلؤ، والثانية اندلاع الحرب العالمية التي قطعت الإمدادات وأوقفت خطوط التجارة.
تخيّلوا يا أبناء دبي مدينة كاملة يعتمد معظم سكانها على تجارة اللؤلؤ، ثم يفقد البحر قيمته، ويفقد اللؤلؤ أهميته، فينتشر الفقر، ويسود العوز، ويبدأ الناس بالهجرة إلى دول الجوار بحثاً عن عمل أو حتى طعام.
بدأ الآباء يحوّلون مراكب الغوص إلى مراكب تجارية، ينقلون فيها البضائع بين العراق وإيران وعُمان والهند وغيرها.
ثم جاءت بعد ذلك الحرب العالمية الثانية لتعصف بما تبقى من اقتصاد، ولتتعطل حركة السفن والتجارة، ولتفرض بريطانيا رقابة شديدة على حركة البضائع وعلى المواد الغذائية المسموح بإدخالها، لأن الأولوية كانت للمجهود الحربي وللتموين الحربي.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ازداد الوضع سوءاً عندما فرضت بريطانيا حظراً كاملاً على دخول المواد الغذائية إلى المنطقة.
ضجّ الناس، وازداد الجوع، وبذل الشيخ راشد بن سعيد جهوداً كبيرة للضغط على البريطانيين لإعادة السماح بدخول المواد الغذائية، ووضع نظاماً لتوزيعها بحصص محددة ووفق بطاقات لكل عائلة.
كان راشد رحيماً بالناس، مشفقاً عليهم، معايشاً الشدة والضيق واليأس التي يعانونها. ذكر أحدهم أنه كان في مجلسه، فدخل عليه رجل يطلب بطاقة لصرف المواد الغذائية، وبدأ يعدّد أولاده وأفراد أسرته الذين بلغ عددهم عشرة. فأمر راشد له ببطاقة غذاء لعشرة أفراد، وبعد
انصرافه قام أحد الجالسين يكلم الشيخ راشد، ويخبره بأن الرجل لديه فقط أربعة أفراد في أسرته. فرد عليه راشد مستنكراً وهو ينهره: “وهل طلب رأيك أحد؟”.
كان يعلم الحال، ويعلم الظروف الصعبة والشديدة التي يمرّ بها شعبه والتي تقترب من حافة المجاعة، ويشعر بالمعاناة ويقدّر الظروف.
مرّ أهل دبي بتلك الظروف الصعبة، وعاشوا الجوع الحقيقي، ومن يعيش الجوع يعرف قيمة الاستقرار وأهمية الازدهار.
رأى راشد وأهل دبي كيف يمكن أن تنهار الاقتصادات التي تعتمد على مورد واحد. رأى راشد ماذا يمكن للفقر أن يفعل بالناس، وقرر ألا يراه مرة أخرى.
رأى راشد كيف يمكن للتجارة أن تكون شريان الحياة التي لن يعود بعدها الجوع لدبي؛ ففتح الموانئ، ووسَّع الخور، واستثمر كل موارده في توسيع البنية التحتية. واضطر في كثير من الأحيان للاقتراض، حتى إن البريطانيين اعتبروا مشاريعه وقتها “مغامرات خطيرة”، لكنه
عاش القسوة، ورأى المعاناة، وأقسم ألا تعود.
أبنائي وأحبائي .. دبي لم تولد من الرفاهية، بل من الألم، والجوع، والمعاناة .. دبي ذاقت المرض، وعاشت الخوف، وشاهدت أبناءها يهاجرون منها بحثاً عن لقمة تسدّ جوعهم.
دبي مدينة بُنيت على الفهم الحقيقي للواقع، والتقدير الحقيقي لأهمية التجارة والاقتصاد، وعدم الاعتماد على مورد واحد للحياة.
دبي تعلمت من السنوات الصعبة دروساً قاسية، والمدن التي تجرب الألم لا يكون النجاح لديها رفاهية، بل مسألة حياة أو موت.
أبـنـــائي وأحـبـابــي .. عــنـدما تـرون الـيــوم دبــي بأبــراجـها الشــاهـقـة، وعمرانها العظيم، ومطاراتها العالمية وموانئها الكبرى، تذكروا أن هذه المدينة عرفت الجوع والفقر والمرض وسوء التغذية وقسوة الحياة، لكنها امتلكت الرجال والنساء الذين رفضوا أن يكونوا أسرى لتلك الظروف.
واليوم أنتم الرجال والنساء الذين تقودون المستقبل.
أنتم أبناء الكبار الذين رفضوا أن تبقى دبي أسيرة للألم والقسوة.
المدن التي عاشت الشدة يا أبنائي لا بد أن تبقى حذرة من الغرور، حريصة على النمو، خائفة من التراجع، سريعة في التعلم والتكيف.
أخطر لحظة على الإنسان ليست لحظة الفشل يا أبنائي، بل اللحظة التي يتملكه فيها شعور بأنه لا يمكن أن يفشل.
أحكي لكم هذه القصة يا أحبابي كي لا ننسى، لأن النسيان بداية الغرور، والغرور بداية التراجع.
كل جيل لديه معركته الخاصة .. ومعركتكم أن يبقى التفوق، ويبقى الجوع للأحلام العظيمة، ويبقى الشغف بالمشاريع الكبرى، ويبقى التعلم والتطور، ويبقى الحرص على عدم التراجع.
هذه القصة تعلمنا أن الإنسان يمكن أن يبدأ من لا شيء، ثم يبني كل شيء، ولكن العكس أيضاً صحيح يا أبنائي.
احذروا من التهاون .. احذروا من الراحة .. لأن الأمم التي تكره التعب هي أمم مهزومة، والأمم التي تتوقف عن الركض يسبقها الآخرون، ويتجاوزها الزمن.
أبنائي وأحبابي .. لم يترك لكم الآباء دبي مدينة جميلة فقط، بل فكرة عظيمة بأن لا مستحيل مع الإصرار على الحياة، ومن يعيش سنوات البطاقة قادر على أن يصنع سنوات الرفاه والسعادة.
المحب لكم ..
محمد بن راشد آل مكتوم”.
