هجر إمغري

تستعد لوحة «السوسن» الشهيرة للرسام الفرنسي كلود موني للعودة إلى الواجهة من بوابة أحد أبرز المزادات الفنية المرتقبة في باريس، في حدث ينتظر أن يستقطب اهتمام هواة الفن وجامعي التحف والمهتمين بتاريخ المدرسة الانطباعية، خصوصا أن العمل يعد من أضخم اللوحات ضمن السلسلة التي خصصها الفنان للزهور التي شكلت جزءا بارزا من تجربته الفنية في سنواته الأخيرة.

وتحمل اللوحة المنتظرة في المزاد قيمة فنية وتاريخية خاصة، ليس فقط بسبب اسم صاحبها الذي ارتبط بتأسيس المدرسة الانطباعية وترسيخ حضورها في تاريخ الفن العالمي، وإنما أيضا بسبب ندرة ظهور هذا العمل أمام الجمهور منذ أن أتم موني رسمه. فقد أنجز الفنان اللوحة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1924 و1925، في مرحلة متقدمة من مسيرته التي شهدت انشغاله الكبير بالطبيعة والحديقة والألوان وانعكاسات الضوء.

وتستعد دار «سوذبيز» في باريس لعرض «السوسن» أمام المشترين يوم 22 أكتوبر المقبل، بعدما ظلت اللوحة بعيدة عن أنظار الجمهور لعقود طويلة، وهو ما يمنح المزاد طابعا استثنائيا ويجعل العمل محط اهتمام واسع في أوساط سوق الفن الدولي. ويأتي طرح اللوحة في وقت تشهد فيه الأعمال المرتبطة بكبار رواد الفن الحديث والانطباعية اهتماما متواصلا من جانب جامعي الأعمال النادرة والمؤسسات الفنية الكبرى.

إقرأ أيضا: باريس تحظر واردات مستوطنات الضفة.. ومبادرة دولية تتوسع …

ويبلغ حجم اللوحة نحو 160 في 180 سنتيمترا، وهو ما يجعلها أكبر عمل من سلسلة «السوسن» الشهيرة لكلود موني يطرح للبيع في مزاد علني، الأمر الذي يضيف عاملا آخر إلى جاذبيتها التجارية والفنية. كما أن ضخامة العمل تمنحه حضورا بصريا قويا، خصوصا أن موني اعتمد في أعماله المتأخرة على معالجة واسعة للمشهد الطبيعي، وعلى مساحات لونية تسمح للمتلقي بالتفاعل مع الضوء والحركة أكثر من بحثه عن التفاصيل الدقيقة.

ويعود اهتمام موني بالسوسن إلى ارتباطه الوثيق بعالم النباتات والحدائق، وهي عناصر حضرت بقوة في تجربته الفنية، ولا سيما خلال المرحلة التي اتخذت فيها حديقته الخاصة فضاء ملهما لعدد كبير من أعماله. ومن خلال هذه الأعمال، لم يكن الفنان يكتفي برسم الزهور كما تظهر للعين، بل كان يحاول التقاط تأثير الضوء وتغير الألوان وانعكاسات الطبيعة بحسب ظروف المشاهدة، وهي إحدى السمات التي جعلت أعماله حاضرة بقوة في تاريخ الانطباعية.

وفي المقابل، لا تتوقف أهمية اللوحة عند بعدها الجمالي، إذ تشير التقديرات إلى إمكانية أن يتراوح سعرها عند طرحها في المزاد بين 22 و30 مليون أورو. ويعكس هذا الرقم المكانة التي تحتفظ بها أعمال موني في سوق الفن العالمي، كما يفتح الباب أمام احتمال تسجيل رقم قياسي جديد بالنسبة إلى قيمة لوحة تباع في مزاد علني داخل فرنسا، إذا نجحت عملية البيع في بلوغ المستويات المرتفعة المتوقعة.

ويكتسب المزاد أهمية إضافية بسبب ارتباط «السوسن» بمجموعة فنية واسعة ظلت مرتبطة بعائلة شلومبرجي، التي راكمت عبر سنوات مجموعة من الأعمال المنتمية إلى الفن الانطباعي والفن الحديث. وتضم المجموعة المعروضة للبيع 28 قطعة فنية، ما يجعل الحدث يتجاوز بيع لوحة واحدة إلى كونه مناسبة لإعادة تقديم جانب من مجموعة خاصة ارتبطت بتاريخ طويل من اقتناء الأعمال الفنية.

وتتوقع الأوساط المتابعة لسوق الفن أن تتجاوز القيمة الإجمالية لمبيعات المجموعة 40 مليون أورو، وهو ما يعكس حجم الأعمال المطروحة وقيمتها الفنية والتاريخية. كما أن حضور لوحة موني ضمن هذه المجموعة يمنح المزاد نقطة جذب رئيسية، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الفنان في سوق الأعمال الفنية النادرة، وإلى الاهتمام المتزايد بالأعمال التي ظلت بعيدة عن التداول العلني لفترات طويلة.

ويعيد هذا الحدث كذلك تسليط الضوء على المرحلة الأخيرة من حياة كلود موني، التي شهدت تحولا لافتا في طريقة تعامله مع الطبيعة واللون والضوء. فقد أصبحت أعماله في تلك الفترة أكثر اتساعا من حيث التكوين، وأكثر تحررا من الحدود التقليدية للصورة، وهو ما ظهر بوضوح في سلسلة الأعمال التي تناولت الحدائق والزهور والمياه وانعكاسات الضوء.

ويترقب المهتمون بالمزاد موعد عرض «السوسن» باعتباره فرصة نادرة لمشاهدة عمل ظل بعيدا عن الجمهور منذ إنجازه. فاللوحات التي تبقى داخل المجموعات الخاصة لعقود طويلة تكتسب عادة أهمية إضافية عند عودتها إلى سوق الفن، لأنها تمنح الباحثين وجامعي الأعمال فرصة لإعادة اكتشافها ومقارنة قيمتها بالسياق الفني الذي ظهرت فيه.

ومن المنتظر أن يحظى المزاد باهتمام واسع في باريس، خصوصا مع اقتراب موعد عرض المجموعة في أكتوبر، إذ يجمع الحدث بين اسم فني بارز، وعمل نادر، وقيمة مالية مرتفعة، فضلا عن تاريخ طويل ارتبط بجمع الأعمال الانطباعية والحديثة. وبينما يبقى السعر النهائي رهينا بالمنافسة داخل قاعة المزاد، فإن «السوسن» تدخل هذه المرة إلى السوق محملة بتاريخ فني يمتد لأكثر من قرن.

وهكذا، تستعيد لوحة «السوسن» مكانتها في المشهد الفني العالمي بعد سنوات طويلة من الغياب عن الجمهور، لتتحول من عمل محفوظ ضمن مجموعة خاصة إلى لوحة تنتظر لحظة جديدة في تاريخها. ومع اقتراب موعد المزاد، تتجه الأنظار إلى باريس لمعرفة القيمة التي ستصل إليها إحدى أبرز لوحات كلود موني، وما إذا كانت ستنجح في ترسيخ حضورها ضمن الأعمال الفرنسية الأعلى قيمة في المزادات العلنية.