طهران- في أول حضور إيراني في الجمعية العامة للأمم المتحدة عقب حرب رمضان، يتوجه الرئيس مسعود بزشكيان -اليوم الثلاثاء- إلى نيويورك، وقد تحولت الرحلة إلى قضية خلافية؛ بين مؤيد يعتبرها فرصة ثمينة لسياسة البلاد الناعمة، ومعارض يرى فيها انحناء أمام “الشيطان الأكبر” -حسب تعبيرهم- بعد أشهر من شنه الحرب على طهران بمشاركة إسرائيل وفرضه حصارا بحريا وجويا عليها.
يأتي ذلك بعد أيام من إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى استعداده للقاء بزشكيان على هامش أعمال الجمعية، في وقت يتصاعد فيه التوتر بالشرق الأوسط؛ على ضوء تحذيرات واشنطن مواطنيها من السفر إلى المنطقة بالتزامن مع رسائل إيرانية تؤكد أن زمن “ضبط النفس الأحادي الجانب قد ولى”.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
وفي حين يبدو أن قرار واشنطن بعدم منح تأشيرات لفريق طهران الإعلامي لزيارة نيويورك زاد طين هذا المناخ المشحون بلة، يرى مراقبون إيرانيون أن السؤال لم يعد “ماذا سيقوله بزشكيان في الأمم المتحدة؟” بل أصبح “ما الجدوى من الذهاب في هذه الظروف تحديدا؟”.
القلق الأكبر
وبينما دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عشية الزيارة إلى “الحذر من إعطاء أي إشارة ضعف للعدو”، نشرت صحيفة “نوبنياد” تحليلا اعتبرت فيه أنه “رغم توسيع واشنطن قيودها على الوفد الإيراني، فإن القلق الأكبر يكمن في احتمالية تكرار مواقف غير محسوبة سبق أن أعلنها بزشكيان في قمتي بريكس في نيودلهي وشنغهاي في بيشكيك”.
وفي مقال تحت عنوان “السفر إلى نيويورك: تكرار قلق قديم”، أوضحت الصحيفة أن “الرئيس بزشكيان سبق أن أبدى في قمة شنغهاي استعداد طهران للعودة إلى تفاهم إسلام آباد مع أمريكا، بعد أن كان ترمب قد وصف هذا التفاهم بأنه قصاصة ورقية ممزقة، فضلا عن غياب خطة إيرانية لاستثمار القمة من أجل تعميق العلاقات مع كل من الصين وروسيا”.
وخلصت إلى أن “الشعب الإيراني لا يريد أن تتحول نيويورك إلى منصة لتكرار ما ورد في نيودلهي وبيشكيك؛ فليس مطلوبا أن يقدم الرئيس في أهم منبر عالمي مواقف قابلة للاستغلال السياسي من الجانب الأمريكي، في وقت يتجاوز فيه سعر النفط 100 دولار، وكذلك عقب انتصارات حققتها جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيين) والسيطرة على مضيق باب المندب”.
في المقابل، نشرت صحيفة “آرمان أمروز” مقالا بعنوان “فرصة دبلوماسية استثنائية في نيويورك”، اعتبرت فيه أن الجمعية العامة توفر فرصة إستراتيجية نادرة لسياسة طهران الخارجية، مؤكدة أن “هذا التجمع الدبلوماسي الكبير، يخلق إمكانات هائلة للحوار المباشر وكذلك غير الرسمي والمتعدد الأطراف، وهي بيئة يصعب تحقيقها في الظروف العادية”.
ورأت أن “إيران يمكنها، عبر الحضور الفعال والمنسق مسبقا، تعزيز علاقاتها مع الدول الصديقة، واتخاذ خطوات عملية لإعادة بناء علاقاتها مع الدول العربية والأوروبية، بل وتبادل رسائل مع الولايات المتحدة لإحياء تفاهم إسلام آباد”، محذرة من أن تفويت هذه الفرصة لا يعني فقط تجاهل طاقة دبلوماسية مهمة، بل قد يؤدي إلى خسائر سياسية واقتصادية كبيرة يصعب تعويضها لاحقا.
ولدى إشارتها إلى أنه يمكن نقل رسائل عبر وسطاء أو عقد لقاءات غير رسمية تمهيدا لمفاوضات أكثر جدية مستقبلا، أكدت أن غياب الحكومة عن هذه المنصة الأممية أو حضورها بشكل سلبي “سيعزز صورة إيران كبلد منعزل، ويفتح الباب لتكريس رواية الطرف المقابل”.
انقسام واضح
من جانبه، تساءل الناشط السياسي المحافظ هاتف صالحي عن الجهة المسؤولة “في حال وقوع حادث لطائرة الرئيس، وما التدابير الأمنية المتخذة لمواجهة السيناريوهات المحتملة؟”، مضيفا في تغريدة على منصة “إكس” أنه “إذا حدث تصعيد عسكري أثناء وجود الرئيس في نيويورك، فمن سيرد على تساؤلات الرأي العام الإيراني؟”.
من ناحيته، كتب محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات في حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، على منصة إكس: “عمل الدبلوماسية يقتضي أحيانا عدم الحضور في بعض القمم والأوساط الدولية. وفي الظروف الخاصة، قد تكون منفعة غياب الرئيس عن نيويورك أكبر من الحضور بهذا المستوى”.
أما في شوارع طهران، فيبدو الانقسام أكثر وضوحا، حيث تؤكد مهراوه (48 عاما) وهي ربة بيت، أنها تؤيد مشاركة بزشكيان في اجتماعات الجمعية العامة من أجل وضع حد للحرب والحصار “المتشدد” على بلادها، مضيفة للجزيرة نت أن المنصة الأممية “حق مشروع للدفاع على حقوق الشعب ولا يحق لفئة الدفع باتجاه حرمان الإيرانيين من حقوقهم”.
أما الحاج علي (69 عاما) وهو متقاعد في بلدية طهران، فيعتبر أن المشاركة مضيعة للوقت ومجازفة بحياة القادة الإيرانيين في ظل تجربة الاغتيالات التي طالت العديد منهم خلال العامين الماضيين، قائلا للجزيرة نت إن “التعويل على استكمال المفاوضات في نيويورك أو تبادل الرسائل مع العدو إنما هو تضييع لدماء المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وقد يساهم في جلب حرب جديدة على إيران”.
من جهته، يرفض أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة طهران فؤاد إيزدي، فكرة الرحلة من الأساس، متسائلا “عقب مرور 6 أشهر فقط على استشهاد الآلاف من المدنيين الأبرياء بمن فيهم تلاميذ مدرسة ميناب، وكذلك استشهاد خامنئي وقادة عسكريين آخرين، ما ضرورة القيام بهذه الرحلة؟ وماذا حققت زيارات الرئيس السابقة لتبرر المشاركة المكلفة في نيويورك هذه المرة؟”.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إيزدي إلى رفض واشنطن منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية بينما تمنحها للرئيس الإيراني، معتبرا أن السبب وراء هذه المفارقة هو السيطرة على أسعار النفط لصالح الجانب الأمريكي.
وخلص إلى أن “العدو سيعتبر هذه الرحلة مؤشرا على حاجة طهران للاتفاق مع واشنطن واستعدادها للتفاوض وتقديم تنازلات مرة أخرى رغم التجارب المريرة التي سبقت شن الحروب على إيران”، مؤكدا رفضه تكرار السلوك الذي من شأنه جلب الحروب على بلاده.
فرصة ثمينة
في المقابل، يرى أستاذ العلاقات الدولية في “جامعة طهران” رحمان قهرمان بور، في اجتماعات الجمعية العامة فرصة ثمينة للدبلوماسية وإيصال صوت الشعب الإيراني إلى شعوب العالم، معتبرا أن العزوف عن المشاركة يصب في مصلحة الرواية الأمريكية.
وأوضح للجزيرة نت أن الدعوات الداخلية لمقاطعة الجمعية العامة احتجاجا على شن الدولة المضيفة حرب رمضان الأخيرة على إيران، نابعة من أيديولوجيا سياسية طالما رفضت التفاعل مع واشنطن، على الرغم من أن التجارب السابقة أثبتت فشل هذا الخطاب، مؤكدا أنه “عندما تغيب عن الساحة الدولية حينها سيتحدث آخرون نيابة عنك”.
وبشأن طبيعة المبادرات الممكن طرحها في نيويورك، يشير قهرمان بور إلى ضرورة “تحديد سقف التوقعات وعدم انتظار تحول جذري فوري وتفعيل دبلوماسية المنبر الأممي والتواصل هناك مع كل من هو مستعد للاستماع لطهران”، مشددا على أن المنصة الأممية تمكن إيران من شرح مواقفها وطرحها حلولا عملية بمساعدة أصدقائها و”الدول التي لا تدور في الفلك الأمريكي”، لاتخاذ خطوات عملية لرفع العقوبات عن إيران.
ويدخل منع واشنطن فريق بزشكيان الإعلامي من الحصول على تأشيرات، على خط الأزمة، مما يجعل الرحلة مختلفة من حيث التغطية الإعلامية، وهو ما أثار جدلا آخر في الأوساط السياسية والإعلامية بطهران.
وتعلق الباحثة السياسية عفيفة عابدي، بالقول: “أحد الأبعاد الإستراتيجية للحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران هو حرب الروايات وإدارة الإدراك العام. وفي هذه الساحة، يحاول الطرف المقابل التحكم بتدفق المعلومات وتأطير الأخبار وتقييد وصول الإعلام إلى المصادر الأصلية، وذلك لتشكيل تصور الرأي العام الأمريكي والإسرائيلي والإيراني والإقليمي والعالمي عن حقائق الحرب”.
وتضيف للجزيرة نت أنه “في ظل غياب الأسس القانونية والشرعية للحرب، وارتفاع حساسية الرأي العام العالمي تجاه أبعادها وتداعياتها، تحولت ساحة الرواية إلى أحد ميادين التنافس الرئيسية”، موضحة أنه في الخطاب الأمريكي الجاري، تحاول واشنطن تحميل إيران مسؤولية ارتفاع أسعار النفط، بينما تواصل إسرائيل “ادعاءاتها الواهية حول برنامج طهران النووي السلمي”.
وتخلص عفيفة إلى أن تقييد تحرك الوفد الإيراني في نيويورك ومنع إصدار تأشيرات لفريقه الإعلامي يمكن فهمه في إطار هذا التنافس الأوسع على التأثير في الرأي العام العالمي، “فمن المؤكد أن الوفد سيسعى لتسليط الضوء على الأسس غير القانونية للحرب، واغتيال القيادات العليا، وقتل آلاف المدنيين الإيرانيين، وهو هدف يزيد الضغط على أمريكا لإنهاء الحرب، وقد أثار خلافات داخلية بين ترمب ووسائل الإعلام الأمريكية حتی الآن”.
