من
ساءه أن ينظر إلى الدبة التي قتلت صاحبها، فلا ينظر إلى عمرو أديب، وهو يقوم بدور
من ارتفع لديه منسوب الوطنية فجأة، فقرر أن يصبح في التو واللحظة قاطع طريق، في
مواجهة تسوية أوضاع عدد من المعارضين بالخارج، والسماح بعودتهم لبلدهم، وقد هدد
بأنه إذا حدث هذا فسوف يجمع ملابسه، ويغادر البلاد. ويبدو أن تهديده مهم، فتوقفت
إجراءات عودة الفنان هشام عبد الحميد، بعد أن كنا نعتقد أنه عاد بالفعل! ذلك بأن فيما قاله إنما تصرف كعبد
كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، أو لعلها الدبة التي قتلت صاحبها، مع أن
غرضها كان شريفاً، فماذا فعلت غير أنها رأت ذبابة تحط على وجهه أثناء نومه، فلم
تجد أمامها من سبيل إلا أن تهشها بحجر أرداه قتيلاً في التو واللحظة، وهو وإن كان
ضرباً أفضى إلى الموت، إلا أن الدبة كانت حسنة النية فيما فعلت، فلم تفكر لحظة في
إيقاع الأذى به، قليله أو كثيره، إنها قامت بمهمة قومية لا أكثر!
لم
يكرر عمرو أديب النغمة السائدة، بأنه لا يجوز أن يشمل الإفراج الحكومي في حالة
المعتقلين، أو السماح بالعودة في حق المعارضين المتورطين في الدماء، فالشاهد أن
عمرو أدان ذلك، ورأى أن من هم في الخارج، وسلاحهم الكلمة، هم من كانوا سبباً في
اقتناع من تلوثت أيديهم بالدم بصحة منهجهم، ومن ثم أطلق تهديده برفض عودة الجميع،
وإلا سيجمع ملابسه ويغادر!
خدمة
للمعارضين في المهجر:
عمرو أديب قدم خدمة للمعارضين في بلاد المهجر، فثبت أوضاعهم الوظيفية في بعض هذه البلاد، باعتبار أنهم لا يستطيعون العودة، كما قدم مستنداً تحتاجه ملفات طلبات اللجوء في بلاد الفرنجة، وهو إثبات أنهم لا يستطيعون العودة
وأعتقد
أنه من الأفضل له ألا يضيع وقتاً في جمع ملابسه، وتشوينها في الحقائب، فكان من
الأكثر إنجازاً أن يهدد بالمغادرة حالاً، وعلى أول طائرة تتجه إلى أي مكان، فهذا
مما يقع في دائرة تهديد الرجال، لأنه يؤسفني أنه استدعى مفردات الزوجات المغلوبات
على أمرهن، إذا وقع عدوان عليهن من أزواجهن، وتسمى هذه الزوجة المكلومة في بعض
الثقافات المصرية “زمقانة”، وفي ثقافات أخرى “مغبونة”، والأول
للصعيد الجواني، والثاني لأهلنا في المنيا، ولست مطلعاً على ثقافات محافظات الدلتا
والوجه البحري في هذا السياق!
أما أنه
كالدبة التي قتلت صاحبها، فلأن عمرو أديب قدم خدمة للمعارضين في بلاد المهجر، فثبت
أوضاعهم الوظيفية في بعض هذه البلاد، باعتبار أنهم لا يستطيعون العودة، كما قدم
مستنداً تحتاجه ملفات طلبات اللجوء في بلاد الفرنجة، وهو إثبات أنهم لا يستطيعون
العودة، وكانوا يبذلون جهوداً كبيرة مضنية لإثبات المنع من العودة إلى بلدهم الأم،
فليسوا مطلوبين على ذمة قضايا، ويمكن أن يكونوا قد جددوا وثائق سفرهم، وإذا لم
يكن، فقد يخضعون للتحقيق أمام موظف بيروقراطي، يشكك في فكرة أنهم تقدموا فعلاً
بطلب التجديد وأن طلبهم قوبل بالرفض!
فيأتي
“إعلان عمرو أديب”، رمية لهم بدون حول لهم ولا قوة، فيكفي إثبات أنهم في
الخارج منذ عام 2013، أو لعدة سنوات، دون قضاء العطلة السنوية في مصر، ليكون هذا
قرينة ترتقي لمرتبة الدليل على أنهم لا يستطيعون العودة، ومن ثم هم ممنوعون من ذلك.
وقد استنكر المذكور أن يكون طالبو العودة ممن لهم خمسة عشر عاماً في الخارج، فهل
كانوا يتعلمون اللغة الفرنسية هناك؟! الأمر الذي يعني أنهم، إن لم
يكونوا قد فعلوا ما يدينهم عندما بقوا كل هذه السنوات في الخارج، فإن رفضه لعودة
هؤلاء دليل على أنهم ممنوعون من العودة، ولو لم تكن هناك أحكام قضائية تدينهم، ولو
لم يكونوا مدرجين على قوائم ترقب الوصول على ذمة قضايا، أو أحكام بالسجن!
الباب
الواسع للجنسية الأجنبية:
ويفتقر
عمرو أديب للخيال، حتى يستقر في وجدانه أن كل من في الخارج يريد العودة فعلاً، أو
أنهم يحلمون بها، وجيل الشباب في معظمه يقولون إنه حتى لو تغيرت الأحوال في مصر
فلن يعودوا، ومن يعيشون في بلاد الفرنجة يسيطر عليهم حلم الحصول على جنسياتها، إن
لم يكن من أجلهم فمن أجل أبنائهم، فمن تتاح له هذه الفرصة ويبددها من أجل العودة؟!
وهناك
من دونهم من سافروا، وبذلوا جهوداً مضنية من أجل إثبات الاضطهاد الديني، أو
الجنسي، من أجل الحصول على اللجوء مقدمة لحيازة الجنسية الأجنبية، وبعض ما يريدون
إثباته يدين السمعة، فماذا لو تحقق اللجوء من الباب الواسع، ومن باب الموقف
السياسي، وللاضطهاد من أجل الرأي، وهم مدينون بالامتنان للخصم!
فماذا
لو كانت السلطة تمتلك خيالاً واسعاً، وأرادت أن تكيد لهم، وطلبت من دوائر الهجرة
إعادتهم على وعد بأنها لن تقترب منهم، وتضمن عودتهم لأعمالهم السابقة، وانتفاء
الاضطهاد السياسي، ومن ثم لا يكون أمامهم سوى العودة لمصر كرهاً، أو الاستمرار في
الخارج في بلاد أخرى، مع فقد الأمل في حيازة الجنسيات الأجنبية، مع التشدد
المتصاعد من جانب اليمين المتطرف في التساهل النسبي في تمكين هؤلاء من الجنسيات!
وماذا
لو لم يكن “أعوان” هذه السلطة ضيقي الأفق مثل عمرو أديب، فيثبتون ما هو
غير مثبت، ويقدمون مستنداً ينقص ملفاتهم، ومختوماً بختم النشر، فكان لهذا كالدبة
التي قتلت صاحبها، وليس لهذا فقط! فالموقف الذي أعلنه عمرو أديب، وهو
كاشف عن أن هناك من لا يمكنهم العودة لبلادهم، يمثل إدانة للسلطة بمخالفة نص
دستوري واضح يكفل حق التنقل والإقامة والهجرة، ويؤكد عدم جواز إبعاد أي مواطن عن
إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه!
والدستور
لا ينص على إقرار عقوبة على مخالفة نصوصه، لأنه موجه للدولة وللمشرع، فلا يمكنها
أن تقر قانوناً يخالف الدستور، وإلا تعرضت له المحكمة الدستورية العليا بالإلغاء،
وفي حالة انتهاك أحكامه بالممارسة، فإن هذا يشكل أساس الاتهام بالخيانة العظمى، في
جانب منه، فلحساب من يعمل عمرو أديب؟!
المواطن
المختلط عمرو أديب:
لا
أعرف متى تنتهي الحدود الجغرافية لعمرو أديب المصري لتبدأ حدود المجنس بجنسية دولة
أجنبية، والثابت باعترافه أنه يحمل الجنسية السعودية، ويتردد أنه حاصل على جنسية
أوروبية، والأمر يحتاج إلى إعلان منه، وليس في أن يكون “سلة جنسيات” ما
يسيء إليه، وليس هناك ما ينال من وطنية مزدوجي الجنسية، مع ملاحظة لا بد من ذكرها،
فهذه الجنسيات يحصل عليها المصريون في البلاد الغربية وغيرها، ربما بسبب إقامة، أو
لجوء، أو زواج، ولا تثريب عليهم، والحاجة تدفع لحمل هذا الازدواج للجنسيات، فما
حاجة عمرو أديب لذلك، وهو يعيش في مصر، ويريد أن يغلقها على من فيها، ويتطرف في
وطنيته، حد أنه يرفض ما يعتبره إساءة للدولة المصرية، وهو المواطن المختلط؟!
وأول
احترام للدولة هو احترام قوانينها، وهو بجانب دعوته لانتهاك أحكام الدستور، الذي
كفل حق العودة، فإنه يعمل مذيعاً بدون ترخيص بالمخالفة للقوانين، وفي قناة تبث من
مصر بدون ترخيص كذلك، بالمخالفة أيضاً للقوانين، وفي تواطؤ من السلطة يجعله وقناته
محميتين طبيعيتين ضد الاقتراب أو التصوير!
لا
بأس، فعمرو من أيديولوجية مختلفة لا تعترف بحق المواطن في الاختلاف وبحقه أن يعارض
السلطة القائمة، ويرى أن معارضتها عمل من أعمال إسقاط الدولة المصرية، وهي وجهة
نظر تُحترم ويُختلف معها، لولا سؤال يتبادر إلى ذهني وهو: منذ متى اعتمد هذه
القاعدة؟!
استنكر عمرو أديب وجود البعض في الخارج لسنوات طويلة، ثم مع ذلك يريدون العودة، مع أن شقيقه كان في الخارج على مرمى حجر منا ولسنوات، هروباً من أحكام قضائية أدانته. ومع أنه يتغنى بحب مصر، إلا أنه أرسل ابنه للتعليم في الخارج
لقد
أسس السادات فكرة أن من يهاجمه إنما يهاجم مصر، لا سيما إذا وقع الهجوم عليه في
الخارج، سواء من مصريين أو غيرهم، وسواء في صحف أو إذاعات، والخير العميم الذي فيه
أسرة أديب هو بسبب هذه السياسة، وقد أكلوا الشهد على قفاها!
وكانت
جريدة “الشرق الأوسط” مما يصنفه السادات في خانة الأعداء، ورقى إبراهيم
سعدة رئيساً لتحرير أخبار اليوم، لأنه ترك موقعه مديراً لمكتبها في القاهرة، بعد
شرط السادات أن من يعمل في الصحف الخارجية التي تهاجمه لا يعمل في الصحف المصرية،
فتوقف مصطفى أمين عن كتابة عموده اليومي فيها!
وإذ
كان عماد شاباً حديث التخرج في مقتبل العمر، فلم ير نفسه معنياً بخطاب السادات،
فاستمر في العمل بالمكتب، وجلس بدون قرار على مكتب المدير، وإزاء هذا الاندفاع،
ومع ترك سعدة الموقع بدون إبلاغ الإدارة، أكبرنه، وصدر له القرار بالترسيم، ومديرو
المكاتب هم صحفيون كبار سناً وخبرة، ومن هنا فتحت له وللعائلة طاقة القدر، واللهم
لا حسد!
لقد
فازت العائلة المباركة بالغنائم، بسبب سياسة الخلط بين الدولة والحاكم، وبين مصر
والسادات، فليس هو من يحق له الانقلاب عليها، أو أن يتبنى سياسة الرئيس الراحل
الآن، وقد عملوا على النقيض منها، وما كان يعتبره السادات خيانة لمصر، وهجوماً
عليها بالخارج!
لقد
استنكر عمرو أديب وجود البعض في الخارج لسنوات طويلة، ثم مع ذلك يريدون العودة، مع
أن شقيقه كان في الخارج على مرمى حجر منا ولسنوات، هروباً من أحكام قضائية أدانته.
ومع أنه يتغنى بحب مصر، إلا أنه أرسل ابنه للتعليم في الخارج، فهل لم يجد في أي
جامعة مصرية، عامة أو خاصة، أو حتى جامعة أجنبية تعمل في مصر، ما يستحق أن ينتسب
إليها، لإثبات الوطنية والحب العذري للوطن؟!
انظر
من يتكلم!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
