للوهلة الأولى، لا تبدو مرشحة حزب اليسار لمنصب عمدة برلين، إليف إرالب مختلفة عن أي سياسية ألمانية أخرى، فهي أم لطفلين وفي ربيع عمرها السياسي حيث وُلدت في عام 1981 في ميونخ، عاصمة ولاية بافاريا، ثم درست القانون في هامبورغ قبل الانتقال في 2010 إلى برلين، حيث بدأت مشوارها السياسي كمستشارة قانونية للكتلة النيابية لحزب اليسار.

ثم انضمت في عام 2017 للحزب ذاته وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصبحت المرشحة الرئيسية له في انتخابات مجلس نواب برلين، وفي 20 سبتمبر/أيلول الجاري فاجأت الجميع بحصولها على المركز الأول في انتخابات مجلس نواب العاصمة الألمانية، ما يعني فعليا إزالة العقبة قبل الأخيرة أمام تسلمها منصب عمدة المدينة.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

“أشخاص مثلي لا يصبحون في العادة عُمدا في ألمانيا.. تربيت في بيت لأبوين لاجئين ومنذ أن وعيت على هذه الدنيا، تعلمت كيف أناضل ضد الظلم.. عايشت عن قرب كيف كانت عائلات مثل عائلتي تُعامل بشكل مختلف.. لذلك درست القانون لأنني أردت الدفاع عن حق الجميع في المساواة.. تعلمت منذ طفولتي أن أشخاصا مثلي يجب ألا يتوقفوا عن النضال”.

بهذه الكلمات الخارجة عن المألوف في خطاب السياسيين الألمان لناخبيهم، تقدم إليف إرالب في فيديو تعريفي نفسها للجمهور، فهي تعرف من تخاطب وتعرف أن ناخبيها وناخبي حزبها يناضلون أيضا ضد التهميش والإهمال وشركات السكن وقساوة ظروف الحياة في حي كرويتسبرغ بوسط برلين، حيث تعيش مع عائلتها.

من انتخب إرالب؟

تشير بيانات مجموعة الأبحاث الانتخابية “فالن” إلى أن حزب اليسار حصل على دعم كبير من الناخبين الشباب، فبحسب استطلاع المجموعة، صوت نحو نصف الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما لصالح اليسار.

علاوة على ذلك بيّن الاستطلاع أن حزب اليسار ومرشحته كانا الأكثر حصولا على الأصوات بين الفئة العمرية من 30 إلى 44 عاما، بنسبة 33%، أما بين الناخبين الذين تبلغ أعمارهم 60 عاما فأكثر، فلم تتجاوز نسبة التصويت لليسار 13%.

Supporters of Germany's The Left (Die Linke) party hold flags and a placard with the lettering 'Illegal rent - first conviction for rent gouging' during a campaign meeting in front of Berlin's City Hall on September 18, 2026 as the election campaign for the Berlin state election draws to a close.الشباب كانوا أكثر الفئات العمرية انتخابا لحزب اليسار (الفرنسية)

وتؤكد نتائج استطلاع “إنفراتست ديماب” هذا الاتجاه، فقد صوت 43% من الناخبين تحت سن 25 عاما لصالح اليسار، وارتفعت النسبة إلى 49% بين الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاما، بينما بلغت 31% بين من تتراوح أعمارهم بين 35 و44 عاما، أما بين الناخبين الذين تبلغ أعمارهم 70 عاما فأكثر، فلم تتجاوز النسبة 15%.

وبحسب بيانات معهد إجراء الاستطلاعات “إنفراتست ديماب”، حصل حزب اليسار على دعم أكبر من النساء مقارنة بالرجال، فقد صوتت 28% من النساء لصالح اليسار، مقابل 23% من الرجال.

وفيما يتعلق بالمستوى التعليمي، حقق حزب اليسار أفضل نتائجه بين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بنسبة 32% وبين خريجي الجامعات بنسبة 28%.

أما بين الأشخاص الحاصلين على شهادة التعليم الأساسي والشهادة المتوسطة، فقد حصل اليسار على نسب أقل، بلغت 11%، في المقابل، حقق الحزب اليميني المتطرف (البديل) نتائج قوية بين الأشخاص ذوي المستوى التعليمي المتوسط والمنخفض.

أخيرا هناك من يمثلني

في اليوم الثاني من إعلان النتائج، ظهرت إرالب أمام الصحفيين لتسليط الضوء على أسباب النجاح الذي حققته حملتها الانتخابية لا سيما في استقطاب أشخاص ينأون بأنفسهم عن الأحزاب السياسية ولا ينتخبون في العادة.

واللافت في تصريحات السياسية كانت إشارتها إلى أن “كثيرين أدلوا بأصواتهم للمرة الأولى” مضيفة “كان من بين هؤلاء كثيرون من أصول مهاجرة وآخرون من أصول تركية، هؤلاء شعروا للمرة الأولى بأن هناك من يمثلهم وهناك أشخاص لا يشعرون بأن الأحزاب الأخرى تمثلهم بما يكفي، كما أن الأشخاص الذين يعيشون هنا منذ عقود ليسوا أجانب، بل هم برلينيون وبرلينيات”.

Election campaign posters depicting top candidate of the left-wing Die Linke (The Left) party Elif Eralp (L) and top co-candidate of the Greens Werner Graf for the upcoming Berlin state elections are pictured in Berlin on September 15, 2026.مرشحة حزب اليسار، إليف إرالب أثناء الحملة الانتخابية (الفرنسية)غضب

وقد أثار فوز حزب اليسار حالة من الغضب في الأوساط اليمينية والمحافظة بنخبها السياسية والإعلامية أو كما عنونت الصحيفة اليسارية “تاتس” مقالا ساخرا لمراسلها تيم كون بالقول “مرحبا بكم في ديكتاتورية الجحيم الإسلامية الاشتراكية”، في إشارة منه إلى الهلع الذي أصاب هذه الأوساط من فوز الحزب.

في هذا المقال، يصف الكاتب حملة التشويه التي تتعرض لها إليف إرالب وحزبها بالقول”أثار فوز اليسار موجة غضب عارمة في أوساط الناشطين الإعلاميين اليمينيين واليمينيين المتطرفين، وكذلك في أوساط بعض وسائل الإعلام الكبيرة”.

فقد اعتبر فيليكس داشسل، رئيس قسم التحقيقات في مجلة “دير شبيغل” أن “برلين انتهت” بعد هذا الفوز، كما أن البعض وصف ناخبي حزب اليسار بالمجانين ومدير معهد “المبادرة الجديدة للاقتصاد”، تورستن ألسليبن وصف الوضع بنبرة ليست بعيدة عن خطاب حزب “البديل” بالقول “الشابات في برلين اخترن الخلافة والبرقع بدلا من الملابس المكشوفة”.

أما أولف بوشارت، الذي يصفه الكاتب بأنه أحد أكثر الشخصيات نفوذا في المجموعة الإعلامية “أكسل شبرينغر” فقد ذهب أبعد من ذلك عندما قال إن “الجميع يخافون من عودة عام 1933(عام تعيين أدولف هتلر مستشارا لألمانيا)، لكنّ الخطر الحقيقي هو عودة عام 1949 (عام تأسيس ألمانيا الشرقية)، هذه المرة ستعود ومعها إسلاميون فاشيون عرب.

“حزب غزة”

القناة التلفزيونية الإخبارية عنونت مقال رأي للصحفي سيباستيان هولد بالقول “في مكلنبورغ فوربومرن فاز أصدقاء بوتين وفي برلين فاز حزب غزة”، ويرى الكاتب أن حزب اليسار نجح في جذب شريحة من الناخبين الذين يشعرون بالغضب أو الاستياء من السياسة الألمانية تجاه إسرائيل والحرب في غزة.

BERLIN, GERMANY - SEPTEMBER 27: Protesters hold their pone lights at 17 June street during a demonstration taking place under the slogan: "Together for Gaza" and organized by Die Linke leftist political party on September 27, 2025 in Berlin, Germany. Two large protest marches, both demanding an end to Israel's military incursion into Gaza, are taking place in Berlin today and will join for a common event in front of the Reichstag. (Photo by Omer Messinger/Getty Images)مظاهرة في برلين تطالب بوقف الحرب في غزة (غيتي)

ويشير إلى أن اليسار أصبح صوتا للناخبين الذين يرون أن معاناة الفلسطينيين في غزة والأراضي الفلسطينية أصبحت غير محتملة، وللذين لا يفهمون كيف يمكن لإسرائيل في ظل “حكومة عنصرية وفاشية” أن تظل شريكا اقتصاديا وسياسيا لألمانيا.

ووفق المقال فإن الناخبين الذين اختاروا حزب اليسار لا يفهمون موقف الحكومة الألمانية من إسرائيل ويعتبرون أن برلين عرقلت أكثر من مرة موقفا أوروبيا متشددا تجاه الحكومة الإسرائيلية.

ويربط الكاتب ذلك بموقف حزب اليسار من السياسة الدولية، إذ يقول إن الحزب تمكن من مخاطبة الناخبين الذين يطالبون بسياسة خارجية أكثر انسجاما مع حقوق الإنسان والقانون الدولي سواء تعلق الأمر بإسرائيل أو روسيا أو الولايات المتحدة.

هل ستتمكن من كسر القاعدة؟

إليف إرالب ابنة الأبوين اللاجئين كانت تدرك منذ طفولتها أن أشخاصا مثلها لا يصبحون في العادة عمدا لبعض مدن ألمانيا، إلا أنها قطعت شوطا كبيرا على طريق كسر هذه القاعدة، لكنّ الوصول إلى منصب عمدة برلين لا يزال مرتبطا بما ستسفر عنه مفاوضات تشكيل الحكومة.

وتكشف انتخابات برلين وولايتين أخريين في الأسابيع الماضية أن صعود إرالب يشير إلى تحولات تتجاوزها وتتجاوز حزبها. فالدعم الذي حصل عليه اليسار جاء بصورة لافتة من الشباب والنساء وقطاعات من ذوي الخلفيات المهاجرة، فيما لعبت قضايا السكن والعدالة الاجتماعية، إلى جانب المواقف من الحرب في غزة والسياسة الخارجية دورا رئيسيا في تحديد اختيارات الناخبين.

ورغم ذلك كله، قد لا تكون الإجابة على سؤال حول الشخصية التي ستتولى المنصب المهم قد حُسمت، لكنّ صناديق الاقتراع ثبتت حقيقة واضحة: إليف إرالب لم تعد مجرد فتاة من أصول مهاجرة تحلم بكسر قاعدة، بل أصبحت بعد فوزها أقرب من أي وقت مضى من اختبار ذلك على أرض الواقع.