عُثر في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1849 على رجل يمشي هائماً في أحد شوارع مدينة بالتيمور الأميركية، ملابسه رثة، قديمة وواسعة كأنها ليست له، ويصرخ باسم شخصٍ غامض يُدعى رينولدز. كان البؤس وحده ما يظهر على هذا الشخص التائه الذي بدا كما لو أنه أحد مشرّدي المدينة، لكنه في الحقيقة كان كاتباً مبدعاً سيصبح لاحقاً من أكثر كتّاب العالم شهرة. هذا الشخص التائه البائس الضائع كان إدغار آلان بو، صاحب قصيدة “الغراب” التي اعتُبرت إحدى أهم القصص الشعرية في العالم، وصاحب القصص السوداوية التي علّمت العالم في ذلك الوقت ماذا يعني الغموض في الأدب، وماذا يعني أن يفكّك كاتب ما شفرات الجرائم ليخترع ما صار يُعرَف بالأدب البوليسي.

اختفى بو أياماً قبل العثور عليه في تلك الحالة، ونُقل إلى المستشفى وهو في حالة فقدان وعي، ومات من دون أن يستعيد وعيه ليشرح ما حدث له. كانت نهاية حياته تشبه الغموض الذي كتبه في أعماله، وظلّ فقدانه وعيه وسبب موته وسر تلك الملابس الواسعة الرثة واسم رينولدز أسراراً غامضة، لم يستطع العلماء ولا المحقّقون كشفها أو تفكيكها وقتها، ولا لاحقاً، لتصبح نهاية إدغار آلان بو قصة الرعب الغامضة الوحيدة التي تركها من دون أن يحلّ لغزها أو يفكّك الشفرة الخاصة بها. لكن نقاد الشعر لاحقاً رأوا أن قصيدته الأشهر “الغراب” كانت بمثابة النبوءة التي تدلّ على تلك النهاية الغريبة والبائسة، لما تزخر به من السوداوية والضياع والهلوسة في قلب الظلام، تماماً كهلوسته في الليلة التي سبقت وفاته؛ فالقصيدة تحكي عن كاتبٍ يعيش الحزن على وفاة حبيبته، ويفاجأ في ليلة ما بقرع على بابه، يفتح فلا يجد غير الظلام، لكن غراباً يدخل فجأة من الباب الأسود، ويحطّ على رأس تمثال إلهة الحكمة “بالاس”، ويبدأ الرجل معه حواراً فلسفياً يكون جواب الغراب الدائم عليه: “ليس ثانية”، كما لو أن هذا الجواب اختصار لعبثية الوجود المتمثلة بالفقد والموت. وفي النهاية، يصاب الرجل بالهستيريا والجنون، ويطلب من الغراب الرحيل، لكن الغراب يرفض ويبقى دائماً واقفاً فوق رأس تمثال إلهة الحكمة، وهو ينظر إليه بعيني “شيطان يحلم”، لتنتهي القصيدة بالسطر الذي رأى النقاد أن بو كان يتنبأ به بنهايته نفسها: “روح الشاعر سوف تبقى محاصرة ومستلقية في ظل ذلك الغراب الجاثم على الأرض/ لن ترتفع/ لن تنجو/ ليس ثانية”.

لم يعرف أحد من هو رينولدز الذي كان إدغار آلان بو يهلوس باسمه في توهانه، هل هو الغراب نفسه من أطلق عليه بو هذا الاسم؟ ذلك أن إدغار آلان بو كتب قصيدته الغراب تحت ضغط الحزن لفقد حبيبةٍ مفترضةٍ أطلق عليها اسم لينور، ما جعل روحه المكابدة تنفصل عن الواقع، وتخلق هلاوس بصرية وسمعية، أنتجت قصيدة خالدة ستبقى من أهم قصائد التاريخ البشري وأشهرها والأكثر تأثيراً في الشعراء. لكنه هو نفسه كتب قصيدة “أنابيل لي” قبل جنونه المفاجئ، ثم رحيله بأشهر قليلة رثى فيها زوجته الحقيقية فيرجينيا، وكانت خالية من السوداوية والهلوسات، كان فيها تحدٍّ يائسٌ للموت وإصرار على الاحتفاظ بذكرى الزوجة الحبيبة. لم يجد المؤرّخون، طبعاً، في حياة بو أية شخصية باسم لينور. كانت مجرّد تجسيد رمزي للفقد، ودمج نفسي للنساء في حياته، بدءاً من والدته التي ماتت في سن مبكرة، وانتهاءً بزوجته فيرجينيا التي كانت تعاني من السل في أثناء كتابة “الغراب”. خلال ذلك تملكه خوف مرضي من فقدان زوجته كما فقد أمه. امتزج هذا الخوف مع عبقرية شعرية أوجدت لديه وحياً عظيماً أنتج قصيدة عظيمة. لكن الهلاوس في الغراب مع ما أصابه في نهاية حياته توضح أن إبداع الشاعر العظيم غلبه أخيراً، فتحول الشاعر إلى ضحية له، ومن ثم نبذه حين تركه هائماً في الشوارع ليموت، وهو ينادي شخصية من محض الخيال الشعري، كما كان الغراب الذي يردّد دائماً: “ليس ثانية”.