أصدرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في 31 آب 2026 ثلاثة قرارات بعدم قبول دعاوى مخاصمة الدولة التي تقدّم بها كل من حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وشقيقه رجا سلامة ومساعدته السابقة ماريان الحويك (قرار 1، قرار2، قرار 3). وكان المدّعى عليهم قد قدّموا هذه الدعاوى في تاريخ 6 تموز 2026 على خلفية ما اعتبروه أخطاء جسيمة ارتكبتها قاضية التحقيق الأولى في بيروت رولا عثمان في سياق التحقيق في قضية شركة “فوري”. واللافت أنّهم قدّموا هذه الدعاوى بعد قرابة أسبوعين فقط من صدور قرارات عن الهيئة نفسها بردّ دعاوى مماثلة كانوا قدموها في القضية نفسها وعلى أساس الخلفيّة نفسها؛ وقد فعلوا ذلك على الرغم من أنّ الهيئة أوضحتْ تماما عدم قبول هذا النوع من الدعاوى طالما أنّها تتصل بقرارات غير مبرمة وتقبل المراجعات القضائيّة العاديّة. ومن هذا المنطلق، بدا واضحًا أن هؤلاء لجأوا إلى هذه الدّعاوى رغم علمهم بطابعها التعسفّي للاستفادة من كونها تؤدّي إلى كفّ يد القاضية عثمان عن أيّ إجراء تحقيقيّ بحقّهم إلى حين إنهاء النظر فيها.
وعليه، وكما كان متوقعا، عادت الهيئة لتؤكّد في قراراتها الثلاثة مجدّدًا على اجتهادها بعدم قبول دعوى المخاصمة ضد قرارات قضاء التحقيق لكونها غير مبرمة. وقد غرّمت كما فعلت في المرة السابقة كلًا من المدعين مئة مليون ليرة، مع إلزامهم بدفع تعويضات للدولة اللبنانية من جراء تعسّفهم في استخدام الحقّ (مليار ليرة لبنانية لكلّ من الأخوين سلامة و800 مليون ليرة للحويك).
وقبل المضيّ في إبداء ملاحظاتِنا على هذه القرارات، تجدر الإشارة إلى أنها كانت قد استندت بشكل خاصّ على ما اعتبره المدّعون تعدّيا من النيابة العامّة الاستئنافية في بيروت على صلاحيات النيابة العامة المالية، التي لها وحدها الادّعاء في جرائم التعدي على المال العام وفق المادة 19 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. لم تنظر الهيئة في مدى صحة هذا الادّعاء مكتفية بردّ دعوى المخاصمة شكلا، علما أنه كان سبق لـ”المفكرة” أن انتقدته معتبرةً أنه يؤدي إلى تجزئة الملاحقة بين جرائم متلازمة.
تثير هذه القرارات الملاحظات التالية:
لا يتوقّف سلامة وشركاؤه، حين تفشل محاولاتُهم في إسقاط الملاحقات وإنهائها، عن إطالة أمدها ما أمكن. فقد سعى سلامة في جميع الدّعاوى التي يُلاحق فيها على إطالة أمدها قدر الإمكان، من خلال اتّباع إجراءات واستغلال ثغرات تعطّل التّحقيق والمحاكمة، وكأنه يراهن على حصول تغيّرات من شأنها أن تحسن وضعيته القانونية. وقد يكون منها صدور قانون العفو العام الذي أوقف المجلس الدستوري تنفيذه لحين البت بالطعن المقدم بشأنه، خصوصًا أنّه قد يستفيد من العفو على عدد كبير من الجرائم التي يلاحق فيها.
وتعدّ قضية “فوري” موضوع هذه القرارات، والتي تتناول شبهات اختلاس وتبييض أموال وإثراء غير مشروع بمبالغ تصل إلى 330 مليون دولار أميركي، مثالًا على استراتيجية سلامة القائمة على تعطيل الدعاوى المقامة ضدّها من خلال مخاصمة القضاة الناظرين فيها. ويلحظ أن هذه الاستراتيجية مكّنت سلامة من إبقاء التحقيق في قضية فوري معلّقًا لفترات طويلة منذ العام 2023 بفعل دعاوى مخاصمة استهدفت تباعا أعضاء الهيئة الاتهامية وقضاة التحقيق. وقد استفاد سلامة مثله مثل العديد من المتقاضين، في قضايا مصرفية أو فساد أو الجرائم الكبرى مثل قضية المرفأ، من فقدان الهيئة العامّة لمحكمة التمييز نصابَها بفعل تعطيل التعيينات فيها طوال الفترة الممتدة من أوائل 2022 حتى آخر نيسان 2025، مما أدى إلى كفّ يد القضاة لآجال مفتوحة (بعضها استمرّ لسنوات).
ومع اكتمال تشكيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز في آخر نيسان 2025، بدا أن أحد أبرز أسباب التعطيل قد أزيل. وعليه، تمكنت الهيئة في تاريخ 22 حزيران 2026، من ردّ دعوييْ المخاصمة المذكورتين أعلاه. إلا أن ذلك لم يمنع سلامة ورفاقه من تقديم دعاوى مخاصمة جديدة في 6 تموز، الأمر الذي كفّ يد عثمان مجددا ودفعها إلى إرجاء جلسة التحقيق التي كانت مقررة في 8 تموز إلى 29 أيلول.
ثاني ما نلحظه هي المدة التي استغرقتها الهيئة العامة، والتي وصلت إلى 56 يومًا، لردّ هذه الدعاوى، وهي تقريبًا المدّة نفسها التي احتاجتها الهيئة للبتّ بدعويي المخاصمة السابقتين للأخوين سلامة. ويستخلص من ذلك أن الهيئة العامة لم تجد حتى الآن حلّا لتجريد المدعى عليهم من إمكانية تعطيل القضاء. وقد سبق لـ”المفكرة” أن دعت الهيئة إلى وضع آلية تخوّلها حسم هذه الدعاوى التعسفية بداهة من دون إبطاء، خلال أيام (وليس أسابيع) وذلك درءًا لمفاعيلها التعطيلية.
وهنا تبرز أهمية إعادة تفعيل اقتراح القانون الذي تقدم به عدد من النواب من أجل تعديل الفقرة الأخيرة من المادة 751 من قانون أصول المحاكمات المدنية المتعلّقة بمخاصمة الدولة عن مسؤوليتها عن أعمال القضاة، بحيث لا تكف يد القاضي المنسوب إليه الخطأ عن النظر في الدعوى، إلّا عند صدور قرار بقبول دعوى المخاصمة. ومن شأن هذا التعديل في حال حصوله أن يقطع الطريق على المراجعات غير الجدية والتي تعطّل العدالة فترات طويلة.
ثالث ما نلحظه هو أن القرارات الصادرة قد انتهت إلى إلزام كلا من الأخوين سلامة بتسديد تعويضات للدولة اللبنانية تصل إلى مليار ليرة أي نحو 11,200 د.أ وإلى إلزام الحويّك بدفع 800 مليون ليرة، أي نحو 9,000 د.أ، فضلًا عن تغريم كل واحد منهم مئة مليون ليرة.
ولئن انتهت الهيئة إلى مضاعفة التعويضات التي كانت قد قضت بها في تاريخ 22 حزيران 2026، (حيث ألزمت كلًا من رياض ورجا سلامة بدفع 500 مليون ليرة)، فإن السؤال الذي كانت قد طرحتْه “المفكّرة” آنذاك لجهة مدى تناسب التعويضات المحكوم بها مع الضرر الناجم عن تعطيل التحقيق، يبقى ملحًّا، خصوصًا في ظلّ تمادي التعسف في قضية تهدف إلى استعادة أموال منهوبة تصل إلى ما يقارب 330 مليون د.أ. وما يزيد هذا التساؤل إلحاحًا هو أن التعسف في تعطيل التحقيقات القضائية قد اقترن هنا بازدراء موصوف للهيئة العامة لمحكمة التمييز (أي أعلى مرجع قضائي)، طالما أنه أتى بمثابة تجاهل تامّ لما كانت قد قررته قبل أقل من أسبوعين لجهة توصيف هذه الدعاوى على أنها تعسف.
بقي أن نذكر بأن الموعد المحدد لاستكمال التحقيق في قضية فوري هو 29 أيلول. فهل تنجح القاضية عثمان في استجواب المدعى عليهم هذه المرة أم سنكون على موعد مع مزيد من أساليب المماطلة، قد يكون التذرع بقانون العفو العام هذه المرة عنوانه؟
